آخر تحديث: الاثنين 11 كانون الأول 2017 - 08:50 AM إتصل بنا . خريطة الموقع . ابحث:




أرشيف

أخبار التجدد حوار مختارات أخبار يومية

كلمة حارث سليمان خلال مؤتمر مؤتمر «دور العرب الشيعة في مواجهة المخططات التآمرية»

الأحد 10 نيسان 2016

كلمة الدكتور حارث سليمان تحت عنوان “مواصفات مشروع عربي لبناء مستقبل حديث”:

“ثمة في كل سلطة قدر نسبي من الشرعية يسوّغ لها تسلم ادارة البلاد، الرضا المستند الى الاقتناع من قبل المحكومين هو قاعدة الخضوع والالتزام بالحكم، ثمة عامل أشد أهمية الى جانب الشرعية هو القدرة على احتكار العنف وممارسته حفظا للمهابة والاستقرار، بين الشرعية والقدرة على احتكار العنف علاقة عكسية، كلما زادت شرعية الحاكم واستتبت موازينها، كلما قلّ بطش السلطة وعنفها، وكلما أهتزّت شرعية السلطان كلما زاد جوره وظلمه.
الصراع المتفجر في دول الاقليم على مدى السنوات الست الماضية، هو خلاف حول طبيعة الدولة ووظائفها، هو صراع على أي شرعية سترسو سلطة الدولة أو الدول الناشئة، وما هو مستوى قدراتها لاحتكار العنف وفي أي المواقع تتحدد مبررات استعماله، والبحث في بناء مستقبل حديث للعرب في القرن الواحد والعشرين هو بحث في بناء دولة حديثة في عصر العولمة.
على مدى التاريخ الانساني تطور مصدر شرعية السلطة من الحاكم الاله في عصور ما قبل الديانات السماوية الى سلطة الملك الذي يستمد سلطته من الله، الى مرحلة المرسل الذي يحكم تطبيقا لشريعة يتم تأويلها وتفسيرها من قبل المؤسسات الدينية، السلطة في كل تلك المراحل كانت استبدادية تنبثق من خارج الناس، ودائمة تورث داخل العائلة المالكة، وممارساتها لها قدسية لا تخضع لمساءلة.
أنجزت الراسمالية في أخر مراحلها، الدولة الحديثة فأنزلت السلطة من عند الله الى الناس، غدت القداسة لا تحتوي السياسة، الشعب مصدر السلطات، القانون الانساني والدساتير الوضعية لبناء الحياة السياسية، السلطة متداولة ومتعاقبة وتخضع للمساءلة. على قاعدة ما تقدم يعيش العالم العربي والاسلامي خارج هذا الوقت، في زمن مضى وتجاوزته البشرية جمعاء، ولا يجد تبريرا سوى البحث عن باب للخروج من حبائل المؤامرة الخارجية، فهل من مؤامرة ؟ وجوابي نعم!
المؤامرة الحقيقية على أي وطن هي بقاء حكامه بالسلطة دون تداولها الى الأبد، بحيث تتحول أجهزة الأمن بديلا للمجتمع وحراكه السياسي، ويتم تزوير الانتخابات التمثيلية، ان جرت، ليصبح الحاكم معصوما دون مساءلة، وتتركز بيده السلطات كافة فلا يعمد لفصلها، ولجعلها مستقلة، ولا تخضع السلطة التنفيذية للسلطة الاشتراعية ورقابتها، ولا تستقل السلطة القضائية لتنفيذ القانون وحفظ العدالة، ويحوّل أولاد الحاكم وأنسباؤه موارد البلاد الى ثروات شخصية، وتصبح السلطة جمهورية كانت أم ملكية غنيمة يتم توريثها. المؤامرة هي هذه (ان صحت تسميتها بالمؤامرة) هي سلطة اقل شانا من “دولة المماليك” لا شرعية لها من ناحية أولى ولا قدرة لها على احتكار العنف من ناحية ثانية أو مواجهة التحديات الخارجية، التحدي الاسرائيلي أم التحدي الايراني.
سلطة بطشها سافر وفاشل معا، دول الاستبداد العربية الراهنة انهارت الواحدة تلو الاخرى فسقطت شرعيتها الداخلية بعد أن فشلت في تحقيق تنمية وطنية داخل دولها في مواجهة شعوبها التي تعاني من الفساد والفقر والبطالة، وفقدت دورها الاقليمي ومنظومة حمايتها الخارجية ، بعد أن افتضح عجزها عن مواجهة تداعيات القضية الفلسطينية وتعثر عملية السلام، وفشل النظام العربي الرسمي مجتمعا في اقامة شراكة عربية اقتصادية وسياسية، وبانت مياومته السياسية في تجاهله طويلا واستفاقته المتأخرة لسياسة الهيمنة التي تمارسها ايران على دول المشرق العربي. نستطيع أن نمضي طويلا في تعداد فشل السلطات العربية في
الميادين كافة، وهدرها لموارد العرب البشرية والطبيعية، لكن جذر المشكلة واحد وبسيط أنه: غياب دولة حديثة بمقاييس العصر وطبقا لمعاييره.
لا جدوى من كل محاولات بناء وصياغة شرعيات مستجدة لسلطات ناشئة كولاية الفقيه الشيعية في كل من اليمن أو العراق أو لبنان، أوالسلفية الوهابية التي تريد استعادة دولة الرسول في يثرب على طريقة الدولة الاسلامية في العراق والشام، أو استحضار نموذج الخلافة الراشدية وصولا للسلطنة العثمانية في أحزاب الاسلام السياسي المختلفة. أما الايغال والمبالغة في ممارسة عنف منفلت باسم هذه الشرعيات فلن يوسّع دائرة الخضوع لشرعيتها او يمدها بحلول لمعضلات الواقع العربي وتحديات الاقتصاد والتنمية والتشغيل والصحة والتعليم وغيرها.
المحاولات هذه (بناء شرعيات مستجدة) رغم خصوماتها، تشبه التدافع على باب مخبز ينتج معجنات كثيرة ومختلفة، تنوع الاختيارات في المخبز يعود الى عجين واحد، وتنوع الاختيار للشرعيات فرضية ساذجة، لأن كلها ترسل السياسة الى رف القداسة، فتعيد انتاج منظومة الاستبداد، على خط آخر، لا فائدة أيضا من اصطناع وظائف دول جديدة تتماشى مع أجندات أقليمية ودولية، كمحاربة الارهاب، وتأمين مصادر الطاقة وخطوط نقلها وتسويقها، وفتح الأسواق أمام التجارة الدولية وزيادة معدلات استهلاك الفرد. كلها محاولات خارج زمن العالم وساعة توقيته.
الدولة الحديثة المطلوبة هي دولة القانون والمؤسسات القانون الوضعي والمؤسسات المنتخبة من الناس وهي تستند الى مواصفات اهمها:
أولا- الالتزام بالشرعية الدستورية ، أي قبول قواعد واضحة وثابتة لما يعرف ب”اللعبة السياسية”، وهي ضوابط وحدود طوعية لا يجوز اخضاعها للانتهاك او الابتذال والاستنساب. هذا الالتزام الطوعي هو مفتاح الاستقرار الداخلي، وهو حجر الاساس في البناء الديموقراطي
ثانيا- ارساء ثقافة التعاقد السياسي التي تؤسس للحق في الاختلاف وضرورة الحوار وحتمية تداول السلطة، لان جوهر الديموقراطية هو ادارة وحماية التعددية، والحكم الديموقراطي ليس الاستحواذ على السلطة عندما يعتقد الحكام انها وسيلة لتأبيد حكمهم، او عندما يتوسلها المعارضون من اجل الحد منها او القضاء عليها.
ثالثا – اقامة الحكم الصالح Good Governanceومكافحة الفساد: اي الحكم القائم على قواعد اخلاقية صارمة تحول دون التضارب بين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية او الخاصة، او صرف النفوذ، او استغلال المنصب العام، ان تعميم الفساد يحط من قدر السلطة في نظر المواطنين وصولا الى تدمير فكرة المؤسسة ومن ثم الدولة.
رابعا- اقتصاد المعرفة هواقتصاد عالم اليوم، المعرفة التي باتت بفضل ثورة الاتصالات المصدر الاكثر كثافة للدخل والثروة، حتى أن القيمة المضافة للخدمات وللسلع وقدراتها التنافسية باتت تقاس بقدر ارتفاع المكون المعرفي في انتاجها. ان اقتصاد المعرفة يتطلب، ثورة في نظام التعليم يركز على الانفتاح والعالمية واكتساب اللغات الدولية الحية، وضخ استثمارات مرتفعة حكومية وخاصة في البحث العلمي والتكنولوجي وتحفيز الاستثمار في هذا القطاع، واعتماد سياسة وطنية للتشغيل توصل ما بين نظام التعليم والنشاطات الانتاجية.
خامسا- التنمية المستدامة، التي تشتمل معا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتي تطرح اشكالية الاقتصاد الانتاجي في مقابل الاقتصاد الريعي الذي لا يخلق ما يكفي من فرص العمل، اضافة لمسألة تنويع الاقتصاد وعدم اعتماده على قطاع وحيد أو شبه وحيد للانتاج، وكذلك ارتفاع الانتاجية، التي تعزز تنافسية
القطاع المعني والاقتصاد الوطني ككل. وارتفاع الانتاجية بات عنصرا حاسما مع فتح الاسواق الوطنية ورفع الحواجز امام انتقال البضائع والخدمات في ظل ما يعرف بالعولمة. وتشتمل التنمية المستدامة على الحفاظ على التوازن البيئي وتأمين العدالة الاجتماعية.
سادسا- اعادة بناء المنظومة السياسية الاقليمية العربية وجامعة الدول العربية كمنظومة استراتيجية للعمل العربي المشترك، والعمل لقيام شراكة عربية اقتصادية تتيح حرية انتقال الافراد والرساميل والاعمال والبضائع وبناء شبكة خدمات اقليمية عربية للنقل والمواصلات والاتصالات والطاقة الكهربائية والنفطية.
الربيع العربي كان يمكن أن يمضي قدما في تحقيق دولة تتدرج خطاها لتلبية هذه المواصفات، لو لم تتحرك قوى الثورة المضادة لارجاع عقارب الساعة الى الوراء، ولو لم تتنافس السعودية وايران معا للانقضاض على الربيع العربي وتنجحان في تغيير جدول الأعمال، من المطالبة بالحرية واسقاط الاستبداد، الى وضع الحرب الاهلية على جدول اعمال شعوب المنطقة، فاستفاقت الفتنة الشيعية – السنية من سباتها وانتهى ربيع مصر بعودة الجيش الى الحكم وخرجت ايران تقاتل في العراق وسورية ، فيما خرجت السعودية تقاتل في اليمن والبحرين، أما دولة الامارات فقاتلت في ليبيا فيما انخرطت القوى الدولية والاقليمة في الصراع الدائر بعد اتساع دائرة تطرف الأصوليات السنية والعمليات الارهابية في عواصم العالم.
قد يتراءى للمرء لوهلة أولى أن معركة الحرية واسقاط الاستبداد أصبحت وراءنا وأن المشهد الجديد قد استتب على خيارين:
الأول: مواجهة سياسة الهيمنة الايرانية والاندماج في عداد الأكثرية العربية من اهل السنة بزعامة دول الخليج والسعودية.
أما الثاني: فهو الانخراط في محور طهران- دمشق والاندماج بالأقليات الشيعية المرتبطة بايران بدعوى مواجهة الارهاب التكفيري.
لكن تبصرا عميقا في نتائج الانزلاق لواحد من الخيارين سيظهر فداحة النتائج الكارثية لتفجر صراع قد لا ينتهي، ولمدى الدمار الذي سيطال مجتمعاتنا، ولعبثية نهايته المفجعة كخسارة مضاعفة على ضفتي الخصومة. يتبدى بسبب فداحة المواجهة
خيار ثالث، هو تأجيل المواجهة بافتراض تغيير في السلوك الايراني ناتج عن انقلاب موازين القوى لصالح الاصلاحيين على حساب الحرس الثوري، غير أن ذلك ليس الا سرابا خادعا، فالاتفاق في ايران بين جناحيها المعتدلين والمتشددين لا يعني اتفاقا مع العرب. وستبقى ايران بمعتدليها ومتشدديها دولة اقليمية تريد نفوذا ومجالها الحيوي هو العالم العربي، مما يجعل الاتجاهين معا يوافقان على سياسة تمدد النفوذ الايراني في الدول العربية.
هذه معركة على العرب خوضها ليس بهدف العداوة مع ايران بل لاقامة علاقة متكافئة معها تمنعها من التغلغل وزعزعة الاستقرار في المجتمعات العربية من خلال تجييش الشيعة العرب في مخططاتها. الخطر الايراني الذي علينا مواجهته لا يكون بمواجهة سنية – شيعية، بل بمشروع عربي يكون هدفه الابعد بناء دولة حديثة بالمواصفات المبينة اعلاه اما الهدف الاقرب المتاح فيعتمد على:
* مشروع سياسي اصلاحي يوسع قاعدة السلطات في بلادنا عبر توسيع المشاركة الشعبية وتحسين حياة شعوبنا ودولنا، ويبعد عن مجتمعاتنا تجاوزات اجهزة الامن وسياسات القمع. لديه وجه ثقافي غير اقصائي، فيه تراكم من التسامح والانفتاح بحيث يحقق مشاركة المراة والشباب، ولا يهمش احدا.
* مشروع يعنى بادماج الشيعة العرب وبقية الاقليات بما يمنع ايران من اللعب في النزعات الاقلية والانفصالية، ويشدد على شراكة الشيعة العرب في مشاريع الاكثرية السنية التي تصيغ مشروعها السياسي في افق رحب ويوجه طاقات الامة نحو خيرها. ويوضح لبعض السلفيين والجهاديين الذين يقومون بشتم الشيعة وتكفيرهم بان ما يفعلونه يساعد ايران على ان تجد انصارا لها.
* مشروع يستند الى بنية اجتماعية تتبنى سياسة تعاون اقتصادي وانماء يمنع استغلال الفئات المهمشة للقيام باعمال عنف تصل الى حدود التماهي مع المنظمات الارهابية.
* اقامة محور عربي حقيقي أساسه السعودية ودول الخليج العربي من جهة ومصر من جهة أخرى، وتحقيق مصالحات حقيقية في الساحة الفلسطينية والاهتمام بشعب العراق وازماته، واتباع سياسة تضامن عربي فاعلة، وتفعيل الدور المصري وتذكيره بما عليه من واجبات في مواجهة سياسة التمدد الايراني.
* تنسيق لا بأس به مع تركيا. وتفعيل سياسات منظمة المؤتمر الاسلامي والتمسك بموجبات القانون الدولي واحترام سيادة الدول في العلاقات الخارجية.
* اما في لبنان فان”حزب الله” لم يسيطر على قرارالشيعة بالاقناع، فعلى مدى 30 سنة تُرك الشيعة الديموقراطيين لمصيرهم يخوضون مواجهة داخلية ضد المخابرات السورية والإيرانية و”حزب الدعوة” العراقي وقضى منهم في هذه المواجهة 5 آلاف ناشط مدني وكادر ديموقراطي، وهذا خطأ استراتيجي.
المواجهة المباشرة بدأت منذ 25 أو 35 سنة بنى الحزب خلالها مشروعه بطريقة تراكمية وبمنهج القضم وباجندات سياسية مركبة، وصولا الى الامساك بمفاصل اساسية في الدولة وتعطيل المواقع الاخرى التي لم تصل يده اليها، فيما كانت الدول العربية تتلهى بممارسة المياومة السياسية وتتقلب مواقفها، جزء من المسؤولية فيما وصلنا إليه اليوم كان نتيجة إسناد الملف اللبناني لإدارة النظام السوري، وجزء منه أيضاً التحالف القطري الإيراني، وجزء آخر سياسة الـ”س – س” ، وتمكين الرئيس السوري بشار الأسد من زيارة بيروت بعد أن طرد منها. فيما كانت ايران تساعد حزب الله بالسلاح والمال وفي تجنيد المشايخ وبناء المساجد والحسينيات وتجنيد الآف المقاتلين وتأسيس عشرات مراكز البحوث وهناك اليوم ماكينة إعلامية من 200 وسيلة اعلامية وتلفزيونية تمولها إيران.
نقطة البداية في لبنان هي تعديل ميزان القوى في البلد عموماً وفي الطائفة الشيعية خصوصاً من خلال تأسيس تحالف سياسي عريض يضع حداً لتمدد الحزب داخل الدولة في لبنان ويستند الى إستراتيجية عربية شاملة.
لكن التغيير الجذري مشروط بالتغيير في سوريا لأن إزاحة نظام الأسد هناك سيكون لها انعكاس أكيد وتلقائي على “حزب الله” في لبنان.”




إطبع     أرسل إلى صديق


عودة إلى أرشيف أخبار التجدد       عودة إلى الأعلى



2017 حركة التجدد الديمقراطي. جميع الحقوق محفوظة. Best Viewed in IE7+, FF1+, Opr7 تصميم: