آخر تحديث: الأربعاء 20 آذار 2019 - 05:39 PM إتصل بنا . خريطة الموقع . ابحث:




أخبار يومية

الرئيس السنيورة في احتفال إطلاق تقرير "التنمية الإنسانية العربية":
ضرورة إعادة النظر بالأساليب المعتمدة سابقا في العمل لاستعادة الأرض

الثلاثاء 21 تموز 2009

تمسكنا بالعيش المشترك في لبنان وبلبنان وطنا نهائيا لجميع أبنائه لا يثنينا
   أو يضعف فينا الانتماء العربي ولا تناقض بين لبنانيتنا ووطنيتنا وأصالة عروبتنا.

إنهاء الاحتلال وتوفير الظروف المواتية لحل شامل وعادل لمعاناة الشعب الفلسطيني وإنهاء النزاعات المسلحة في البلدان العربية شروط أساسية لأمن انساننا العربي.
 

أكد رئيس الحكومة المكلف تصريف الأعمال فؤاد السنيورة أن "تمسكنا بالعيش المشترك في لبنان وبلبنان كوطن نهائي لجميع أبنائه لا يثنينا أو يضعف فينا الانتماء العربي، بل على العكس من ذلك، انه يتكامل معه. إذ لا تناقض بين تمسكنا بلبنانيتنا ووطنيتنا وبين أصالة عروبتنا وعمقنا الثقافي والتاريخي والجغرافي وعلاقاتنا القائمة على الاحترام المتبادل مع جميع الأشقاء العرب الأقربين والأبعدين".
ودعا الرئيس السنيورة إلى "ضرورة إعادة النظر جذريا بالأساليب والطرق التي كانت معتمدة في السابق في العمل لاستعادة الأرض وفي العمل لتحصين امن المواطن العربي"، مؤكدا أن "العيش المشترك المسيحي-الإسلامي في لبنان، لا يمكن أن نفرط به أو نتهاون إزاء أي محاولات للمساس بثوابته ومكوناته. فسلمنا اساس استقرارنا، واستقرارنا أساس تقدمنا وتطورنا، ولهذه الأسباب عمل أعداء لبنان على ضرب أسس هذا التعايش وزعزعته، والذي أثبت على رغم كل الأزمات صلابته واستمراره".

وأكد أن "لا نمو ولا تنمية ولا تقدم ولا تطور ولا رفاه بالقدْر الذي نحتاجه في العالم العربي، ما دام الكيان الاستيطاني الإسرائيلي مستمرا في فرض هذا الصراع وبشكل متصاعد منذ أكثر من ستين عاما"، معتبرا أن "إنهاءَ الاحتلال، وتوفيرَ الظروف المؤاتية لإيجاد حل شامل ونهائي وعادل لمعاناة الشعب الفلسطيني كما العملُ على إنهاء النزاعات المسلحة في البلدان العربية الأخرى، هي شروط أساسية وغير قابلة للمساومة، إذا ما أردنا فعلا أن نحقق أمن إنساننا العربي بمفهومه العريض كما يتناوله التقرير".

كلام الرئيس السنيورة جاء في كلمة له خلال احتفال إطلاق تقرير التنمية الإنسانية العربية، صباح اليوم في السرايا الحكومية، والذي ينظمه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي - المكتب الإقليمي للدول العربية، برعاية الرئيس السنيورة بعنوان "تحديات امن الإنسان في البلدان العربية"، في حضور ممثل رئيس مجلس النواب النائب أنور الخليل، نائب رئيس الحكومة اللواء عصام أبو جمرا والوزراء: خالد قباني، بهية الحريري، محمد جواد خليفة، طارق متري وماريو عون، ممثل الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور عبد الرحمن الصلح، الأمين العام المساعد للأمم المتحدة المدير الإقليمي لمكتب الدول العربية أمة العليم علي السوسوة، الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مارتا رويداس وحشد من السفراء العرب والأجانب والنواب وشخصيات فكرية وثقافية وإعلامية.

استهل الاحتفال بالنشيد الوطني، ثم كانت كلمات لكل من عضو الفريق الاستشاري لتقرير التنمية الإنسانية العربية الدكتور كلوفيس مقصود، ممثل الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور عبد الرحمن الصلح، الأمين العام المساعد للأمم المتحدة المدير الإقليمي لمكتب الدول العربية أمة العليم علي السوسوة. (تبث لاحقا).

الرئيس السنيورة
ثم ألقى الرئيس السنيورة كلمة جاء فيها: "أود، في بداية كلامي، أن اعبر عن سروري واعتزازي لاختياركم بيروت والسرايا الحكومية خصوصا، والموجودة في قلب العاصمة بيروت مكانا لإطلاق تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009 والنقاش حوله بعنوان: "تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية". هذا الحوارُ الذي سينطلقُ من هذه الحاضرة ليشملَ مُدُناً عربيةً أخرى وتُشاركُ فيه نُخْبةٌ من المثقفين العرب وأهل السياسة وصناعة القرار وناشطون في المجتمع الأهلي. فبيروتُ هي المدينةُ العربيةُ التي لا تتهيَّبُ أن يُطْلَقَ هذا التقريرُ منها، خدمةً لحرية الإنسان العربي، وخدمة للثقافة المدنية العربية، مع الإشارة هنا إلى أنه لا علاقة لذلك بمدى اتفاقِنا أو اختلافِنا مع عدد من مندرَجاته أو الآراء والأفكار الواردة فيه. فمِيزةُ لبنانَ كانت وستبقى في قدرتِه على أن يبقى تجربةً رائدةً في الانفتاح الفكري والثقافي وواحةً دائمةً لإطلاق الحوار والنقاش وقَبول الرأي الأخر. هذا هو اختيار لبنان وهذا دورُهُ الذي دفع ثمناً غالياً للمحافظةِ عليه وهو حريصٌ على التمسك به وسيبقى كذلك، بإذن الله".

وقال: "إن اختياركم بيروت والسرايا الحكومية تحديدا لانطلاق الحوار حول هذا الحدث الهام، يشكل، بالنسبة الينا، رمزيةً بارزةً مكثَّفةً لأكثر من سبب. بيد أنّ السببَ الرئيس هو أنّ هذا الموقعَ الذي له الطابعُ التراثيُّ والتاريخيُ شكل في عودته بعد ترميمه في قلب بيروت جزءا مهما من التفكير والتقدير في شأن الحاضر العربي، والمستقبل العربي. فبيروت المهمومةُ بالانتماء والالتزام العربيَّين، لا تستطيع بل ولا تقبل إلا أن تبقى على ثوابتها وأخلاقها ودورها.
لقد دفع لبنان منذ أواخر الستينات أَثْمانَ التداعي العربي والصراع الإقليمي والدولي، وثمناً لجانبٍ من جوانب تنوعِه ودقةِ أَوضاعهِ الداخلية وحساسيتِها الفائقة. لكنّ الانتماءَ ليس ميزاتٍ ومكاسبَ وحسْب. ونحن فخورون بهذا الانتماء أيا تكن أعباؤه. وما تشهدونه اليوم في السرايا هو أحدُ مظاهر ذلك الانتماء ومسؤولياته.
إنّ أهميةَ هذا الموقِع الذي تُطْلِقونَ منه حوارَكُم هو أنه موقعٌ بُنيَ على الحوار والتلاقي وتداول السلطة، فهو بيتُ جميعِ اللبنانيين وأنا من موقعي ومن هذا المنبر ردّدْتُ عَشَراتِ المرات الجُمْلةَ التي تكادُ تكونُ محطَّ كلامٍ لي وهي أنني أؤمنُ بكلمةِ وسياسة التلاقي والحوار والتشاور ولا أؤمنُ بسياسة وكلمة الطلاق. ففي أصعَبِ الأَوقاتِ كان الحوارُ والاعترافُ بالآخَرِ هو نهجُنا وخَطُّنا ومَسارُنا. هكذا كان وهكذا سيبقى.
لذلك أن يكون الحوار في شأن الحاضر العربي ومُشكلاته، والمستقبل العربي وطموحاتِه منطلقه هذه السرايا الحكومية هو شيء كبير نقدره أكبر تقدير".

واضاف: "يقارب هذا التقرير مسألة التحديات التي يتعرض لها أمن الإنسان العربي، وهو الحلقةُ الخامسةُ في سلسلة تقارير التنمية الإنسانية العربية التي يرعاها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ويضعُها باحثون عربٌ ودوليون، من وجهة نظرٍ مستقبلية. ويقاربُ هذا التقريرُ الأَمْنَ بمفهومه العريض. أي الأمن الذي يؤدّي إلى تعزيز فُرَص التنمية الإنسانية، ويَحُثُّ الدولَ على الاستفادة من البيئةِ والحفاظ عليها، والعمل على الاستفادة من التنوع، ببلوغ أعلى درجات الأمن بأشكاله كافة ، وأخيرا وليس آخرا تفادي مصادر الخلاف".

وتابع: "لقد توقفت بإمعان، أيها الإخوة والأخوات، أمام المقولة الأساسية التي أطلقها التقرير والتي تقول إنّ "على الحكومات العربية والمجتمع المدني في تلك البلدان، إضافة إلى المجتمع الدولي أن تعيد محورة سياساتها حول صون الجوهر الحيوي لحياة الإنسان والحفاظ عليه لعلها بذلك تنشئُ الحدَّ الأدنى من الظروف المؤاتية والشروط التي تتيح لمسيرة التنمية الإنسانية أن تنطلق".
واطلعت في الأوراق الخلفية على النظريات والفرضيات المقترحة والتي جاء فيها: "إن الذي يهدد امن الإنسان العربي يتجاوز مسألة النزاعات المسلَّحة، ليشمل قضايا أخرى أساسية منها التدهور في البيئة والوضع الهش لعدد كبير من الفئات الاجتماعية والتقلب الاقتصادي الناتج من الاعتماد المفرط على النفط والأنظمة الصحية الضعيفة وعدم خضوع الأجهزة الأمنية للمساءلة وأخيراً- بحسب الأوراق الخلفية- يأتي الاحتلالُ والنزاعاتُ المسلَّحةُ والتدخُّلُ العسكري".

وقال: "إن ما هو وارد في هذا السياق بالغ الأهمية والفرادة وبخاصةٍ أنه نِتاجُ بحثِ وعملِ العشرات من خيرة مثقفينا ومفكرينا وأنا لا أملِكُ نَقْضَ هذا التوجُّه الفكري الذي ينطلق منه التقرير، بل أودُّ أن أُضيفَ أنّ مسألة المقاربة التي نعالج بها واقعَنا العربي بالغةُ التعقيد.
فلقد دلّت تجربة عالمنا العربي على ارتباط المشكلات والتحديات المختلفة للأمن بعضِها ببعض. وكنتُ قد قاربْتُها بإسهابٍ في مداخلتي في اجتماع القمة الاقتصادية العربية الأولى التي عقدت في الكويت في مطلع هذا العام، بحيث فصلت اعتقادي الراسخ بأن الاحتلال ووجود كيان إسرائيلي استيطاني في قلب وطننا العربي طبع تاريخه الحديث وَحَدَّ من قدرته على التلاؤم والتكيف مع متغيرات العصر ومتطلباته. فلا نموَّ ولا تنميةَ ولا تقدمَ ولا تطوُّرَ ولا رفاهَ بالقدْر الذي نحتاجه، طالما استمرَّ الكيانُ الاستيطانيُّ الإسرائيلي في فَرْض هذا الصراع وبشكل متصاعد منذ أكثرِ من ستّين عاماً. حروبٌ وهجماتٌ واحتلالاتٌ، واستعمارٌ استيطاني، شرَّد الملايين، وخَرَّب العمران، وأعاقَ البناءَ والنمو والتلاؤم والاستقرارَ في عالمنا العربي في العقود الستة الماضية. إن انعدام الاستقرار في بلداننا العربية المتمثل في الاحتلال العسكري والنزاعات المسلحة في الأراضي الفلسطينية وفي لبنان، ولكن أيضاً في السودان والصومال والعراق هو أمر تطرق إليه التقرير كأحد الأسباب الرئيسية لضعف مقومات الأمن لدى الإنسان العربي".

واضاف: "إنّ إنهاءَ الاحتلال، وتوفيرَ الظروف المؤاتية لإيجاد حل شامل ونهائي وعادل لمعاناة الشعب الفلسطيني كما العملُ على إنهاء النزاعات المسلحة في البلدان العربية الأخرى، هي شروط أساسية وغير قابلة للمساومة، إذا ما أردنا فعلاً أن نحقق أمن إنساننا العربي بمفهومه العريض، كما يتناوله التقرير".
وتابع: "لقد تركّز الاهتمامُ الإعلاميُّ لغالبية الأنظمة العربية ونُخَبها على مدى عقود طويلة ماضية على موضوع التحرير واستعادة الأرض. بل في الحقيقة إنّ الإمساك بالسلطة السياسية كان يتم تحت شعار العمل من اجل تحرير الأرض المغتصَبة. لكنّ النتيجةَ التي توصلْنا إليها بعد ستة عقودٍ أو أكثر أنّ هذا الجَهدَ العربي المضني لم يؤد إلى تحرير فلسطين واستعادة الأرض، وأطاح بلدانا عربية كثيرة وفي مراحل متعددة ماضية بجزء كبير مما كان يمكن تحقيقه على صعيد التنمية الإنسانية وهدد أمْنَ الإنسان العربي في كل المستويات البيئية والاقتصادية والثقافية والأمنية.
وأود أن أُسارعَ إلى القول إنّ كلامي هذا لا يعني التخلّي عن استعادة الأرض المحتلة وتحرير فلسطين لا، لا سمح الله، وعلى العكس من ذلك. بل إنّ كلامي يعني بكل بساطة ضرورة إعادة النظر وبشكل جذري بالأساليب والطرق التي كانت معتمدةً في السابق في العمل لاستعادة الأرض وفي العمل لتحصين امن المواطن العربي موضوع تقريركم، اقول هذا مع إقراري أنه من دون النجاح في الوصول إلى حل لأزمة الصراع العربي- الإسرائيلي حلا نهائيا وعادلا فلن نتمكنَّ من حماية الأمن الإنساني العربي. ليس لأننا لا نريد بل لأنّ أمْنَ المواطن العربي بات مرتبطاً بحلِّ هذه المسألة الجَوهريةِ التي يشكِّلُ استمرارُها من دون حلٍ استيلاداً لمشكلاتٍ وأَزَماتٍ أُخرى كالإرهاب والعنف وتصاعدهما، ومنه ما يتولد عن الإحساس بالمهانة والقصور والتقصير والعجز عن حل المسألة الأساسية".

وتابع: "لقد قلت عمدا ان هذا الشرط هو شرط أساسي، ولكني لم أقل إنه وحده كافٍ أو أنّ استمرار عدم تحققه يُعْفينا من مسؤوليتنا في بذل جهود مضاعفة لتحقيق التنمية لمجتمعاتنا وإنساننا العربي. فالحقيقةُ التي لا بُدَّ لنا من الاعتراف بها أنه بالرغم من التداعيات السلبية والمدمِّرة على الاقتصاد والإنسان والثقافة التي تسبّب بها استمرارُ الاحتلال والحروب المدمِّرة التي شَنَّها العدو الإسرائيلي على بلداننا العربية على مدى العقود الماضية، فإننا نتحمل أيضاً جزءاً وافراً من القصور والتقصير والتناحر والصراعات الداخلية وفي محصلة الأمر التأخُّر الذي وَقَعْنا فيه.
فمواجهةُ الاحتلال لا يجوز أن تكون مانعاً أو حائلاً دون توجيه الطاقات وبذل الجهود من اجل تطوير مجتمع مدني عصري منفتح تتعزز فيه مناخات الحرية، وتسودُ فيه سلطةُ الدولة، وينتظمُ فيه عملُ المؤسسات وحكم القانون. إنّ المقولةَ التي سادت على مدى عقودٍ طويلةٍ أَنه "لا صوتَ يعلو فوقَ صَوتِ المعركة" دفعت الكثيرَ منا إلى قبول الكثير من التجاوزات التي كانت ترتكب باسم الأولوية للمعركة الأساس. هذه التجاوزات للكثير من المبادئ والقيم التي تتوق إليها مجتمعاتنا العربية لم يَعُدْ بالإمكان التغاضي عنها وعن تداعياتها المرة. فالأمر أصبح يستحق منا التنبه والعمل على المراجعة والتركيز على متطلبات المستقبل توصلاً إلى تحقيق التنمية البشرية لأجيالنا الصاعدة والسعي إلى تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي وتوجيه الموارد المتاحة الوجهة الصحيحة والتأكيد على تعزيز الأمن والاستقرار واحترام سيادة القانون ومنع التعديات والتجاوزات وانتهاك الحريات بأشكالها كافة والعمل بتصميم على تعزيز مناخات الحريات. نقول ذلك وعلى الأخص طالما أن المعركة مع العدو الصهيوني مازالت قائمة وهي في جانب منها صراع حضاري. الحقيقة المرة ان تلك المقولة التي استند إليها العديد على اختلاف مواقفهم ومسؤولياتهم في تبرير التصرفات والتجاوزات، قد أثبتت فشلها الذريع، لاسيما وان المعركة مع العدو الإسرائيلي لم تربح ولا استطعنا أن نحقق التنمية والرفاه لشعوبنا".

وقال: "الحقيقة التي ينبغي أن تكون واضحة لنا جميعا أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي يجب أن يشكل حافزا لنا بدلا من أن يكون عائقا، تعلق بحجته الحقوق، وتنتهك الحرياتُ، وتُغَذَّى الصراعاتُ الطائفيةُ والمذهبيةُ ويؤجَّلُ الإصلاحُ السياسي والاقتصادي والاجتماعي وَتُعَطَّلُ المشاركةُ الفاعلةُ للمجتمع المدني في الحياة السياسية العربية. لنتصارح ولنقُلْها بوضوح إنّ الانتصارَ الحقيقيَّ لا يمكن أن يتحقق ويكون كاملاً ومُستداماً إلاّ إذا تحقق أيضاً بأبعاده الإنسانية والثقافية والفكرية. فما هو النموذج الثقافي والفكري والإنساني الذي تقدِّمُهُ مجتمعاتُنا العربيةُ في مواجهة نماذجَ قائمة على رفض التنوع والتأكيد على الفكرة الواحدة، وعدم احترام القانون وسلطة الدولة العادلة والمنفتحة وعدم القبول بالرأي الآخر.
ومن ناحيةٍ أُخرى، لقد أدّى نموذج الأنظمة المتسلطة والقامعة لشعوبها والحارمة مواطنيها من حقوقهم، إلى تغذية التشدد والانغلاق والغضب وهو ما غَذّى بدوره التطرفَ والإرهاب، بجميع أشكاله بما فيها الديني والسياسي والثقافي والفكري، وهو كان وما يزال، يشكل عائقاً قوياً في منع عالمنا العربي من تحقيق النهضة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية. وهي نهضةٌ تحتاجُها شعوبُنا لتلحق ولو متأخرةً بالعصر ومتطلباته. عصر المعرفة والعلم والإنتاج وتحقيق القيمة المضافة. عصر التنافس والتكامل الاقتصادي وحرية حركة انتقال الأشخاص والبضائع. عصر نابوكو وأنابيب الغاز والنفط العابر للقارات وعصر الشبكة الالكترونية وشبكات الربط الكهربائي الإقليمية، وشبكات الطرق وسكك الحديد العابرة للحدود، وخطوط النقل البحري والأجواء المفتوحة.
هذا هو الأمن بمعناه الواسع. هذا ما نحتاجه وهذا ما لم نحققه حتى الآن ولن نحققه إذا ما ظلّ الخلاف يحل محل الحوار، والخصام يحل محل التلاؤم، والتعطيل يحل محلّ التكامل، والاستبداد محلّ التعددية السياسية والديمقراطية والمجتمعات المفتوحة والقوية والآمنة بالحرية والعدالة".

واضاف: "إن لدينا، من جهة، تلك التحديات الاستراتيجية والسياسية الكبرى على مستوى الدول والكيانات، ولدينا، من جهة ثانية، التحديات الشاملة والعامة على مستوى دولنا العربية.
إن العمل العربي المشترك وبأبعاده كافة، السياسية والاقتصادية والتعليمية والفكرية هو السبيل الأوحد لإدارة الموارد المتاحة لنا، بمفهومها الواسع، وصونها وتنميتها وهو أمر ضروري في عمليات التقدم التي قصّرنا في الكثير من مجالاتها، وهي السبيلُ الأوحدُ إلى تحقيق الأمن لإنساننا العربي، بمفهومه الواسع والشامل.
في هذا الإطار فقد قام لبنان حديثاً بدور صغير ولكن مهم على صعيد العمل العربي المشترك من خلال العمل على تحقيق خطوة هامة على صعيد إتمام استجرار الكهرباء من مصر ضمن خط الربط السباعي، والعمل على استجرار الغاز قريباً من مصر بإذن الله، وهي خطوات صغيرة ولكن ثابتة وقَيِّمة على درب تعاون عربي جدي أكثر تلاؤماً مع حاجات شعوبنا وهي في الحقيقة أول خطوة تتم بين أربع دول عربية خارج إطار مجموعة دول التعاون الخليجي. وهو مسار نتمنى أن يتعمم ويتوسع على أكثر من صعيد وأكثر من منطقة عربية لما فيه مصلحة ومستقبل إنساننا العربي وتقدمه.
لقد أردتُ بحكم الانتماء، وبحكم موضوع تقرير التنمية الخامس أن أُقدِّمَ الاهتمام بالمسائل العربية. ومن العامّ إلى الخاصّ تأتي النقلة المنطقية إلى أمْن المواطن اللبناني والذي أساسُهُ العيش المشترك المسيحي الإسلامي وهو ركيزةُ وجود لبنان وتميزه وتألقه في دنيا العرب والعالم. وبالتالي فان عيشنا المشترك المسيحي الإسلامي، لا يمكن أن نفرط به أو نتهاون إزاء أية محاولات للمساس بثوابته ومكوِّناته. فَسِلْمُنا الأهلي أساسُ استقرارنا، واستقرارُنا أساسُ تقدمنا وتطورنا، ولهذه الأسباب عمل أعداء لبنان على ضرب أسس هذا التعايش وزعزعته، والذي أثبت رغم كل الأزمات صلابته واستمراره.
لكن ما أود التشديد عليه، هو أن تمسكنا بهذا العيش المشترك في لبنان وبلبنان كوطن نهائي لجميع أبنائه لا يثنينا أو يضعف فينا الانتماء العربي، بل على العكس من ذلك، انه يتكامل معه. إذ لا تناقض بين تمسكنا بلبنانيتنا ووطنيتنا وبين أصالة عروبتنا وعمقنا الثقافي والتاريخي والجغرافي وعلاقاتنا القائمة على الاحترام المتبادل مع جميع الأشقاء العرب الأقربين والأبعدين.
لقد دفعنا في لبنان أثماناً عاليةً للحفاظ على وحدتنا وتماسكنا واستقلالنا وتمايزنا وحريتنا ونظامنا المدني والديموقراطي. ولهذه الأسباب لا يمكننا أن نبدل في أسس قيام بلدنا كلما تبدل المزاج والأهواء. بل على العكس، فان التجارب علمتنا أن الارتكاز على هذه الثوابت القائمة على متانة العيش المشترك هو أساس حمايتنا واستمرارنا بلدا مميزا".

وتابع: "أهلا وسهلا بكم مجددا في بيروت التي تدهشنا كل يوم وتذكرنا دوما بأنها إذا ما أعطيت الأمن، فهي قادرة على أن تعطي الكثير وتكون وفية لدورها التاريخي لمصلحة اللبنانيين جميعا والعالم العربية كله.
لقد جاء في سورة الإيلاف قولُهُ تعالى: "الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف". هناك إذن مرتكزان لأمن الإنسان، أيِّ إنسان: الأمن من الحاجة بالازدهار الاقتصادي، والأَمْن من تهديد الحياة الشخصية بالحرية والعدالة والنظام. فلنُواجه هذين التحديَين بالعزيمة وبالتضامُن والتعاوُن وبالانفتاح وبالاعتدال والتسامح.
عاشت بيروت موئلاً للحوار والتلاقي والتلاقح بين الأفكار والثقافات.
وبقيت بيروت منارة للحرية العربية والتقدم العربي".

 


أرشيف    إطبع     أرسل إلى صديق     تعليق



عودة إلى أخبار يومية       عودة إلى الأعلى



2019 حركة التجدد الديمقراطي. جميع الحقوق محفوظة. Best Viewed in IE7+, FF1+, Opr7 تصميم: