آخر تحديث: الجمعة 23 حزيران 2017 - 10:43 AM إتصل بنا . خريطة الموقع . ابحث:




يوميات

سمير فرنجيه: رحيل بعض منا - انطوان الخوري طوق (النهار)

الأربعاء 12 نيسان 2017

كل واحد منا يغريه أن يكن فيه بعض من سمير فرنجية:

بعض من المثقف الطليعي الحداثوي النهضوي المبادر،

بعض من المثقف المناضل الذي له قلب واحد في جوف واحد،

بعض من الرؤياوي الاستشرافي العميق التجذر في حقول المعرفة وهموم الاوطان والبشر.

بعض من المثقف الذي يختزن التجارب الفكرية والسياسية بحلوها ومرها وتناقضاتها وخيباتها دون أن يستسلم أو يرفع الرايات البيض مهما قست الظروف وتبدلت الازمنة وإستفحلت الاوجاع.

يغريك سمير فرنجية الحرّ الذي تحامته العشائر والطوائف والاحزاب فلجأ إليه الابعدون شرقاً وغرباً، وكل المؤمنين بالحريّة والمناضلين الذين لا يجيدون فنّ إمساك العصا من الوسط ، الذين لم ينصرفوا عن النبيل لصعوبته ولم يستسلموا الى التافه لسهولته ولم يحولوا المعرفة الى إمتياز شخصي أو الى مشروع للترقي والرفاه الخاص.

يغريك هذا النبل في السياسة ،وسمو الاخلاق في الممارسة وهذه القدرة على الابداع والجرأة في طرح المبادرات والبدائل وهذا العناد في الدفاع عن القضايا والقيم والثوابت الانسانية والوطنية.

يغريك هذا التعفف والترفع في أزمنة العهر والزنى السياسي ، في أزمنة التقاتل على المغانم والحصص والشهيّات المفتوحة للسطو على الخيّر العام .

تغريك عراقة الديمقراطية في أزمنة الشبق السلطوي وشهوة الاقصاء والالغاء ونكران رفقة الدرب حتى الجحود.

تغريك هذه الاناقة والرصانة في أزمنة الارتجال والابتذال والركاكة ، وهذا الايجاز البليغ في أزمنة الثرثرة والصخب.

يغريك هذا الصدق في تسمية الأمور بأسمائها الحقيقية في أزمنة التزوير في هذا الحفل التنكري الكبير.

يغريك شبق القلم المسنون ورائحة الحبر النظيف والكتابة على حافة الهاوية بدم القلب وحريق الاعصاب .

أجل كل واحد منا يغريه أن يكون فيه بعض من سمير فرنجية:

بعض من العصب المشتعل والشجاعة الى حدّ المخاطرة والمجازفة في مواجهة الاحتلال والاستبداد في أزمنة الغدر والقتل والتخوين.

بعض من هواية خوض المعارك الصعبة مع الانظمة القمعية والعقليات الميلشياوية والذهنيات السائدة والنفاق السياسي.

يغريك سمير فرنجية هذا المسكون بهواجس المصالحة والحوار والعيش معاً، المسكون بهواجس السلم الاهلي واللاعنف وثقافة قبول الآخر .

يغريك هذا الساعي الى الجمع وبناء الجسور في أزمنة الضرب والطرح والقسمة ،

وهذا المغرّد خارج السرب وكل سرب والمهاجر عكس التيار والمتباهي بالتنوع اللبناني والمتوسطي ،العابر للحدود والثقافات والباحث دوماً عن تجديد معنى لبنان وعن المساحات المشتركة بين اللبنانيين.

يغريك هذا الماروني الجردي اللبناني العربي السائر على دروب جلجلة هذا الشرق الحزين والمصلوب على هموم وتطلعات هذه الجغرافيا القلقة الصعبة ، والحالم بدحرجة الحجر عن قضاياها العادلة والمحقة.

فعجباّ لهذا العلماني المتنور الربيعي الهوى الغيور على المسيحية والاسلام والمنقب بصبر طويل عن كل ما هو مضيء ومشترك ومتجدد.

عجباً لهذا المعمرجي الذي يشقع مداميك الاستقلال والمواطنة حجراً حجراً ولبنة لبنة من مؤتمر الحوار الدائم الى قرنة شهوان ،الى إنتفاضة الاستقلال ، فالى سيدة الجبل بعيداً عن الارتزاق والشعبوية وإفتعال المواقف.

كل واحد منا يغريه أن يكون فيه بعض من سمير فرنجية:

بعض من الاناقة الارستقراطية في مواجهة البذاءة ومن الاندفاع البروليتاري في الانقضاض على كل ما يجعل العالم مرعباً وبشعاً وظالماًَ.

بعض من هذه السخرية الذكية والعميقة الممزوجة بالحب والتفاؤل والغضب.

بعض من سرعة البديهة وحضور الذهن وحيوية العقل النقدي .

بعض من حلاوة الحديث وحلاوة المعشر وحلاوة الصداقة.

بعض من هذا القلق الوجودي الذي لا يجد مكاناً يرتاح إليه أو حدوداً يقف عندها.

وبعض من هذا العطش المزمن وهذا النهم الفكري الذي لا يشبعه الآني والعادي والمألوف من الفكر والسياسة والثقافة .

لقد ترك في كل واحد منا بعضاً منه، ففي حنايا كل كتاب بعض من أوراقه الفكرية والسياسية ، وفي أدراجنا العديد من مسودات أحلامه ومشاريعه التي لم تكتمل .

يغرينا بعض منه ، وبعض من نسيب لحود وبعض من هاني فحص وبعض من ريمون إده وبعض من كمال جنبلاط.

إنّه ذاكرتنا الوطنية الحلوة الجامعة ، ذاكرة التجديد والحداثة،وذاكرة العقول والايدي النظيفة.

فيا عجباً لهذه القدرة على إلهام الحالمين بكل ما هو حقيقي وأصيل وجميل.

وعجباً لهذه القدرة على إلهام الأحرار التائقين الى التفلت من كل هيمنة داخلية وخارجية ، الاحرارالزاهدين بالمناصب ، والمترفعين الأقوياء الذين لم يبيعوا أقلامهم وحناجرهم في أسواق النخاسة ولم يضعفوا أمام مستبد .

ورغم كل شيء يبقى الكومندور والبيك الاحمر سمير فرنجية، ملهم المؤمنين بالسلام المبني على الحوار والحرية والعدالة وبالقدرة على العيش معاً كما يبقى إحدى الفرص اللبنانية الثمينة الضائعة.


إطبع     أرسل إلى صديق



عودة إلى يوميات       عودة إلى الأعلى



2017 حركة التجدد الديمقراطي. جميع الحقوق محفوظة. Best Viewed in IE7+, FF1+, Opr7 تصميم: