آخر تحديث: الاثنين 11 كانون الأول 2017 - 08:50 AM إتصل بنا . خريطة الموقع . ابحث:




يوميات

لماذا لا يجوز نقل المقعد الماروني من طرابلس؟ - أنطوان الخوري طوق (النهار)

الخميس 15 حزيران 2017

 في غمرة الحديث عن نقل المقعد الماروني من طرابلس تحضرني الإضاءة على علاقة طرابلس بالجوار المسيحي عموماً وبالجرد الماروني تحديداً، سواء طوي الحديث عن نقل المقعد أو لا يزال مطروحاً، وذلك بعيداً عن الحسابات الانتخابية والنزاعات والمناكفات السياسية والحساسيات الطائفية والمذهبية، كذلك بعيداً عن التحولات الديموغرافية والسياسية التي أصابت المدن اللبنانية عموماً وطرابلس بصورة خاصة.

إنّها لمفارقة أن نتحدث بهدوء وحنين عن علاقة طرابلس بالجوار في أزمنة الصخب والضجيج والنبرات العالية لتغييب كل ما هو مشترك وحقيقي وأصيل في علاقات اللبنانيين بعضهم ببعض عبر فرزهم شيعاً ومذاهب وإقطاعات وحصصاً ودساكر، حيث بات الاختلاط بين المختلفين مذهبياً وسياسياً مشروع صدام ونزاع يومي، وبحيث بات الصفاء الطائفي والسياسي مطلباً وملاذاً وحصناً محكم الغلق في أزمنة صمت النخب وأصحاب الذاكرة اللبنانية الوطنية الجامعة.

نحن من جيل يقتات من أعشاب الذاكرة ومما تبقى من صورة لبنان الوطن الجميل الذي لا نزال نؤمن به ونريده على رغم كل الاحباطات والهزائم النازلة بثوابتنا الديموقراطية والعلمانية. نحن نؤمن بلبنان التنوع والتعدد، نؤمن بحق الاختلاف ونؤمن بالعيش معاً وبلبنان الدور والرسالة. وربما لأنّنا نعيش في أزمنة الكراهية والانقسام والخوف من الآخر المختلف، بتنا نميل الى كل ما هو رقيق وحقيقي في تاريخنا الاجتماعي والثقافي والى نفض الغبار عن كل ما هو مشترك ونافع في تكوين أنماطنا الحياتية والثقافية المشتركة في مواجهة ثقافة العنف والاقصاء والالغاء .

عندما أتحدث عن طرابلس تعود بي الذاكرة وأنا طفل صغير الى العام 1958 يوم فتحت بشري أبوابها للطرابلسيين إذ لم تبقَ غرفة شاغرة في بشري، فتفتحت عيناي على حاجّة طرابلسية متشحة بالبياض تصلّي قياماً وقعوداً فوق سجادة صغيرة في بيتنا وهو بيت كاهن ماروني مزدان بالصلبان وصور القديسين، كما تفتحت عيناي على وجوه وأسماء عائلات طرابلسية عريقة كانوا جيراناً لنا في الحيّ.

كما أتذكر يوم اصطحبني والدي الى طرابلس وهو في طريقه الى المدرسة الاكليريكية وذلك لأتصوّر من أجل شهادة السرتيفكا، تركني وقتها في عهدة المصور وسائق السرفيس قائلاً لي: لا تخَف، لن تضيع في طرابلس فهي ضيعة كبيرة، أنت لست في غربة، فالناس يعرفون بعضهم وهم يعرفوننا ونعرفهم، فإذا إحتجت الى شيء أقصد المحل الفلاني فنحن نتموّن من عنده كل سنة.

هكذا نشأت فكرة: أنت في طرابلس يعني أنت بين أهلك، الى حين ارتبطت عاطفياً بكل شارع وزقاق ووجه من وجوه المارة في الزاهرية وساحة التلّ وشارع عزمي وشارع المطران وسوق البازركان والتبانة وساحة النجمة وطريق المينا، وأنا أنهي دراستي الثانوية في مدرسة الآباء الكرمليين.

هكذا وأنا أتحدث عن طرابلس، أنا إبن الجرد الماروني، تفوح من ذاكرتي روائح عطر الليمون وماء البحر وماء الورد والزهر، وحلويات الحلاب والكعك الساخن والبن المحمص والفلافل ورائحة القهوة بالهال والتنباك المتصاعدة من الأرصفة والمقاهي الشعبية. وتصدح في البال أصوات المؤذنين ومدافع الإفطار في شهر رمضان.

للآذان في طرابلس مذاق خاص لا تجده في المدن الأخرى، وأصوات باعة الجلاب والتمر والترمس واليانصيب وسائقي السرفيس وأدعية المتسولين وإلحاح أصحاب البسطات والمحال التجارية واللهجة الطرابلسية المحببة وأصوات باعة الصحف والمجلات.

تنفتح الذاكرة على سينمات "ريفولي" و"كابيتول" و"بالاس" و"الاوبرا" و"دنيا"، وعلى "قهوة فهيم" و"قهوة التلّ العليا" و"الأندلس"، على تلك المقاهي الشعبية بوجوهها الاليفة حيث صبحية واحدة تكفي للخروج منها بصداقات عدّة تمتد لآخر العمر .

غريبة حقاً طرابلس، هذه المدينة الأليفة الحلوة المعشر والجيرة، التي لا تشعرك بأنك لست من نسيجها، فهي لا تسأل عن أصلك أو دينك أو موقعك الاجتماعي. كل ما فيها أليف وكل ما فيها قريب المتناول. فالعلاقات الإنسانية تنعقد بسرعة مذهلة، مدينة لها ذاكرة وجوه وأصوات وأمكنة أليفة،و أمكنتها ليست هجينة ولا طارئة بل ضاربة الجذور في التاريخ بكل تحولاته.

نشأنا في بيئة لا تعرف من المدن إلّا طرابلس: "بكرا مننزل ع طرابلس"، "بكرا منجيب من طرابلس"، "مين نازل ع طرابلس"، "ما فينا نعيش بلا أسواق طرابلس"، و"الطرابلسي دمّتو منيحة". وفي زمن الحرب "ضيعانك يا طرابلس".

فطرابلس هي أهراء الشمال مذ كان يقصدها أهل الجرود في قوافل على ظهور البغال للتمون الى يومنا الحاضر، وطرابلس هي المستشفى والصيدلية والمحكمة وجهاز العروس وأثاث البيوت وسوق الخضر. طرابلس هي المكتبة، هي الكتاب المدرسي والجامعي، هي مكتبة الأب سروج ومكتبة الشبيبة ومكتبة ميخائيل فرح الذي من معجن مكتبته كنا نتمون بأسعار بخسة وأحياناً كثيرة بالدَين بكل طريف وعميق وممنوع، وعندما قُتل في حرب السنتين أحسسنا بأنّ شيئاً ما في طرابلس بدأ يموت ويختفي. وطرابلس هي المدرسة: الطليان والفرير واليسوعية ومار الياس وراهبات عبرين وراهبات اللعازرية والآباء البيض والأميركان، وعندما خرجت بعض المدارس منها أحسسنا بأنّ قلب المدينة أصبح عليلاً.

في مدرسة الآباء الكرمليين كنا في غالبيتنا من أولاد الجوار من بشري وعكار والبترون والضنية وزغرتا والكورة، لا نعرف من هو الفقير ومن هو الغنّي، من هو المسلم ومن هو المسيحي، إلّا بما تشي به الاسماء. كما أنّ بشري وإهدن وحصرون وحدث الجبة كانت وجهة المصطافين من أهل طرابلس، والأرز كان منتجعهم الشتوي، كما كانت طرابلس مشتى أهل الجرد من بشري وحدشيت وحصرون وبلوزا وحدث الجبة قبل بروز ضهر العين، وما إستطاعت ذاكرة الحرب محو ذاكرة الصداقات والعلاقات الانسانية.

هذه المدينة المتعددة التي أسسها الفينيقيون وتعاقبت عليها الامم من الرومان الى البيزنطيين والعرب والفرنجة والمماليك والعثمانيين، مدينة المساجد والتكايا والزوايا وحلقات العلم والعلماء والافكار الليبيرالية الغربية، لم يكن تاريخها يوماً طائفياً، فمدارسها وكنائسها وخليط سكانها وأسماء شوارعها (المطران والراهبات والكنائس ومار مخايل ومار الياس ومار مارون ومار جرجس وسيدة الحارة...) كلها تدل على تنوعها وتعددها وأسلامها الذي لم يكن متشدداً، وربما التحدّي الحالي هو العودة الى هذا التاريخ اللاطائفي وهذا الإسلام الرحب بعيداً عن التعميم والتصنيف والتشهير .

بالنسبة إلينا كانت طرابلس هي الحداثة: الكتاب الجديد والمدرسة الجديدة والفيلم السينمائي الجديد والموعد الغرامي الاول والحذاء الجديد والقميص الجديد والتفاعل المسيحي الاسلامي .

حتى أنّ تعرّف أهل الجوار إلى الاسلام تمّ عبر طرابلس لا عبر مدينة أخرى، كما أنّ تعرّف الاسلام إلى المسيحية تمّ في طرابلس، كما أنّ التعرف والانفتاح على الأفكار السياسية والقضايا الوطنية والعربية تمّ عبر صحفها ومساجدها ومدارسها وتظاهراتها من الناصرية الى القومية العربية الى البعث الى القومية الاجتماعية السورية، الى الماركسية الى الثورة الجزائرية، الى الثورة الفلسطينية، وعبر منتدياتها الثقافية من الرابطة الأدبية الى الرابطة الثقافية، الى المجلس الثقافي للبنان الشمالي، الى حلقة الدراسات الشمالية، فإلى حركة الشبيبة الارثوذكسية والجمعيات البيئية والموسيقية ...

لذا فالانفتاح عليها وإنفتاحها على الجوار هو "بارومتر" الحياة اللبنانية المشتركة، وهو عودة لبنان الى ذاته. فقد كانت عن حقّ مدينة عريقة نحو المستقبل قبل أن يستعمل هذا الشعار في مدينة أخرى.

لقد تغيرّت الصورة بعد الحروب اللبنانية والسورية والفلسطينية والمذهبيّة التي عاشتها المدينة منذ 1975 وحتى الجولات العشرين في الامس القريب، إذ شهدت المدينة تحولات ديموغرافية وإجتماعية وثقافية وبروز بعض الحركات الدينية المتشددة التي مارست نوعاً من الرقابة على الحياة الاجتماعية والثقافية مما أدى الى ضعف الحضور المسيحيّ في المدينة وأفقد المدينة بعضاً من هويّتها المتنوعة وطابعها المديني الذي من أول شروطه الحريّة وروح المبادرة، فأصيبت الذاكرة المشتركة ببعض الكسور وربما التحدي الحقيقي في سياق البحث عن معنى للبنان هو السعي لاعادة تكوين الذاكرة الوطنية الجامعة، عبر إستبدال الخطاب الطائفي الرائج اليوم في لبنان بخطاب وطني جامع، وعبر إستعادة المدن اللبنانية أدوارها في التنوّع والتعدّد والتنمية بعدما تحوّل لبنان كله الى ضاحية لبيروت. وبعدما تريّفت المدن.

في هذا السياق لا ننسى المحاولات الخبيثة والمقصودة لشيطنة المدينة و"تدعيش" أهلها لإظهارها مدينة للتطرّف والارهاب والاصوليات، لكنّ طرابلس بقيت عصيّة على محاولات تحويلها بيئة حاضنة للتطرّف والارهاب، وبقيت على رغم كل شيء عاصمة الشمال .لكنّ بقاءها مدينة للتنوع والتعدد وحرية الاختلاف هو تحدّ مرفوع في وجوه المسيحيين والمسلمين معاً من هيئات مجتمع مدني وقيادات روحية وسياسية لا في المدينة والجوار فحسب، بل إنّه تحدّ لبناني عام .

هنا تبرز أهمية المقعد الماروني في طرابلس وتالياً الحضور المسيحي فيها. فلهذا المقعد دورٌ وطني شرط أن يكون شاغله من نسيج المدينة وذاكرتها ومتعمق بمعرفة أهلها وتاريخها وعلاقتها بالجوار الماروني تحديداً، وصاحب همّ فكري وثقافي مؤمن بفلسفة العيش معاً وبأنّ اللبنانيين هم مواطنون قبل أن يكونوا مسلمين أو مسيحيين .

فللحضور الماروني في "قلعة المسلمين" (وإن كنت لا أحبّ هذه التسمية على مدخل المدينة لأنّني أعتبرها إقصائية)، مذاقٌ خاص، وإلّا ما نفع مقعد نيابي هنا أو هناك على حساب لبنان النموذج والدور والميثاق والرسالة؟ مقعد طرابلس الماروني لا يقاس بعدد الناخبين الموارنة إنّما برمزية العيش معاً وقابليته، فهو صلة الوصل بين المدينة وأهل الجوار والعمق اللبناني .

إنّها لمَفارقة أن يتشبث المسلمون بهذا التمثيل الماروني بينما تعلو أصوات مسيحية تطالب بنقله، فهذا المقعد هو قيمة مضافة. فأن ينتخب المسلمون مارونياً في طرابلس ليس غبناً أو تعدياً بل هو الدليل على فرادة الحياة المشتركة بين اللبنانيين في شرق ملتهب وذاهب مسرعاً الى كهوف الماضي السحيق .

حبذا لو بإستطاعة جميع اللبنانيين أن يتشاركوا انتخاب ممثلي الأمّة بعيداً من أيّ إنتماء مذهبي أو مناطقي علّ التعبئة الوطنية تحلّ محل التعبئة الطائفية ومنطق المحاصصة.


إطبع     أرسل إلى صديق



عودة إلى يوميات       عودة إلى الأعلى



2017 حركة التجدد الديمقراطي. جميع الحقوق محفوظة. Best Viewed in IE7+, FF1+, Opr7 تصميم: