آخر تحديث: الأربعاء 20 آذار 2019 - 05:39 PM إتصل بنا . خريطة الموقع . ابحث:




أخبار التجدد

كلمة الوزير السابق غسان سلامة في وداع نسيب لحود

السبت 4 شباط 2012

 

على تلك الدرب جميعاً سائرون، انما الجوهر في كيف نسير. اما نسيب فقد مشى عليها بهي الطلعة، شامخ القامة، صادق الكلمة.
كان نسيب صادقاً مع الناس، ان خوطب صدق، ان قال عنى، ان صوحب وفى، وان تعهد نفذ. كان موقفه المعلن هو رأيه المضمر، وفي كل مقام كان له نفس المقال. وكان رأيه واضحاً، صريحاً شفافاً، فإن عجز الاخرون عن سماعه كان الصمت ملجأه، وكانت نظرة واحدة منه تردع المخادعين والمتملقين.

كان صادقاً مع كل واحد منا، وكان في الاساس صادقاً مع نفسه، لا يسمح لذهنه النقي ببداية توهم، ولا يدخل في تقييمه شيئا من تحيز ولا يرضى لعواطفه ان تنافس عقله ولا لأحاسيسه ان تمس ضميره.

كان نسيب عقلاً تجسد رجلاً. اقول رجلا ًمدركاً ككل واحد هنا، ان نسيباً ما اعدم واحدة من مزايا الرجولة.

كان حاسماً بلا تهور وحازماً بلا قسوة وعازماً بلا تردد. فما خاف يوماً من التفرد برأي ولا من مخالفة السائد من الافكار. وكان صاحب همة بقدر ما كان صاحب حجة، فإن اقتنع بأمر اندفع لتحقيقه دون كسل واصر على تنفيذه دون تمهل. وما زادته نوائب الدهر الا اصراراً على الفعل. فإن ورث ديوناً انشأ مؤسسة وان خانته السياسة زاد تمسكاً بضرورة اصلاحها وان فاته امر تفاقم عطش المعرفة لديه، وان واجه عقبة اعتبرها تحدياً مضافاً لا غدرا للتراجع.
كان نسيب مقداماً وكان الشجاعة نفسها وشجاعتك يا نسيب كانت مضربا للمثل.

تغلبت على حادث تعرضت له وانت في ريعان الشباب فترك اثارا في جسمك ولم ينل ذرة واحدة من عزيمتك فعدت تعمل كما لو انه ما كان. ويوم تحالفت الامراض عليك وتكالبت كنت في خصامها مقاوما مواجها مغالبا. تنظر للمرض دون وجل، تدخل في تفاصيل العلاج بالدقة المتناهية التي عرفت عنك.

كنت تستجمع القوة ضد اي استسلام وتجد الامل حيث غيرك وقع في اليأس، باصرار عز مثيله وارادة صنعت من فولاذ.
كنت تتألم يا الحبيب. آه كم توجعت، آه كم تألمت. لكن حدة الالم لم تنل منك يوماً لكن تكراره ما استنفذ من صبرك.
وكنا من حولك، اهلاً واصدقاء تعتصر قلوبنا لألمك ولكننا ما كنا نجرأ على ذرف دمعتنا الا وقد غبنا عن نظرك. فأنت المصاب المتألم الذي لم يكن يجيز لنفسه ضعفاً امام الخصم فكيف لنا نحن ان نبوح بضعفنا.
وشجاعتك يا نسيب ما كانت يوماً حكراً عليك، كانت تفيض منك كالنهر المتدفق.
من قوتك استلهمت الست ناديا الصبر على آلام ابنها ومنها استقت عبلى البطولة في اسعاف زوجها. ومنها ارتوى سمير وفاءً فاعلاً لأخ كاد ان يكون في منزلة الوالد.
ومنها انتقى سليم وجمانة ورلى اصراراً بالالتفاف من حولك. ومنها اخذ كل واحد منا امثولة في مصارعة القدر وفي معنى الكرامة.
انشأ نسيب صرحا مهنيا ضم المئات من العاملين وشاء ان يحيط نفسه بابناء وطنه اولا يبني معهم مؤسسات هائلة في دول اعطاها القدر امكانية النمو السريع، وما التقيت يوما باحد في اي من هذه الدول الا واشاد باخلاقيته ومناقبيته ومهنيته. يوم دخل السياسة كان نموذجيا بفصله ما بين الخاص والعام وقرر ان لا تدخل شركته في اي نشاط في لبنان، فللمهنة شأنها وللعمل الوطني الصافي شروطه وكان نسيب لا يخلط ابدا بينهما ويشقى لاقناع الاخرين بصوابية هذه القاعدة الاخلاقية.

واسس نسيب حركة لم يكن التجدد اسما لها وحسب بل كان هدفا يوميا فما كان ابعده عن سياسة اللافتات وهو المهجوس بالمضمون، بالمعنى وبالجوهر لا بالاشكال والتسميات فكان مدركا للجذور وانما مصرا على التحديث وكان يرى الطوائف ولكنه ينبذ الطائفية. كان يعرف للافراد ولكنه كان يعمل في سبيل المؤسسات.
وابعد من شركة عامرة ومن حركة طموحة، بنى نسيب لنفسه في لبنان والعالم مكانة عزّت على غيره.
فإن عرّفته على آخر، جاءك هذا شاكراً اتاحة الفرصة له بالتعرف على نسيب. وان عرّفك هو على آخر، كان يكفيك فخراً ان تقول انك من نسيب في منزلة الصديق.
فكان في لبنان مرشح الناس وكان في العالم الاوسع من طينة اللبنانيين الذين يثق محبو هذا الوطن باستقامتهم وبحنكتهم وبقدرتهم.
كان نسيب المهندس والمقاول والسفير والوزير والنائب وكان مميزاً في كل هذا، ولكن نسيب كان ايضاً على خفر شديد. صورته من بعيد كانت صورة المبادر الناجح المندفع، لكنك ما ان اقتربت منه حتى تكتشف نسيباً آخر، نسيب القلب، الحنون على كل واحد من افراد عائلته، العاطف على كل من العاملين معه، الكريم مع كل من اقترب منه، والمهتم بكل اصدقائه، يساعدهم في طموحهم، يعزيهم في احزانهم، ينصحهم في عثراتهم، يخفف عنهم همومهم.
فوراء الرجل المقدام والعقل النيّر والذهن الوقاد كان نسيب القلب الكبير المحب.
اقول كل يا نسيب حيث انت، انه مهما دفعك الحياء لإخفاء ذلك القلب فأننا اليوم نفتقده افتقادنا كل واحدة من مزاياك.

اعزي اهلك وهم يدركون ان حزننا لا يقل عن حزنهم ذرة. واعزي اصدقاءك وما اكثرهم، مطلقاً بإسمهم تحية وداع لمن جمعنا بشهامته. واعزي اللبنانيين عامة برحيلك. فلا صداقة تلهمني ولا التحيز يملي على يراعي. إن قلت ان لبنان فقد فيك رجلا عشق وطنه كما نذر وعمل في سبيله دون كلل متجاوزا عثرات العمر، متناسيا خيبات الزمن متعاميا عن قلة الانصاف. وان اردنا له ادواراً اكبر ومسؤوليات اعظم فلعلمنا بمن هو ولادركنا بما هو عليه قدير وبأنه لم ينظر يوماً لتلك المناصب كمراتب تشريف بل كأدوات للعمل والخدمة.
اما الحزن المديد يا صاحبي فكيف نقوي عليه وانت حيث انت، وانت الذي صدق فيك قول الشاعر "يموت قليلاً من يموت صديقه". وان كان يبدو الشامخ الصامد الصلب.
 


أرشيف    إطبع     أرسل إلى صديق     تعليق



عودة إلى أخبار التجدد       عودة إلى الأعلى



2019 حركة التجدد الديمقراطي. جميع الحقوق محفوظة. Best Viewed in IE7+, FF1+, Opr7 تصميم: