آخر تحديث: الجمعة 8 كانون الأول 2017 - 10:22 AM إتصل بنا . خريطة الموقع . ابحث:




أخبار التجدد

ازمة اللجوء السوري: فشل الادارة الحالية
وافكار لتصحيح المسار

السبت 8 تشرين الأول 2016

شارك الدكتور انطوان حداد في اعمال "المنتدى الوزاري حول التنافسية والحوكمة في الشرق الاوسط وشمال افريقيا" الذي عقد في تونس بدعوة من "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" التي تضم البلدان الـ35 الاكثر تطورا على الصعيد الاقتصادي. هذا المنتدى يعقد كل خمس سنوات بمشاركة وحضور وزراء الاقتصاد والمال والتعاون الدولي لتلك الدول مع نظرائهم في الدول العربية، واهميته انه يتم خلاله تحديد الخطوط العريضة لسياسات التعاون والاستثمار والتبادل بين المجموعتين. وفي ما يلي كلمة د. حداد التي القاها بصفته الاستشارية.

في أدبيات المقاربة الدولية المعتمدة لإدارة الأزمة الكبرى التي تعصف بالعالم، وفي صلبها مسألة اللاجئين، تتردد مجموعة من "الكلمات-المفاتيح" الطاغية، وفي مقدمها عبارة "الصمود" resilience، التي بتنا نراها تقريباً في أي وثيقة دولية وفي أي موضوع تقريباً، بما يعني أن الأولوية في هذه المرحلة العصيبة لم تعد للتطوير أو السير قُدماً بل للصمود ومنع الانهيار.

عبارة "الصمود" تلك تلازمها في حالة الدول التي تعاني أزمة اللجوء عبارة أخرى هي "كومباكت" compact أو "خطة الاستجابة للأزمة" التي تتم صياغتها بالتفاهم الوثيق بين الدول المضيفة والمانحة.
بالمعاينة المباشرة، أستطيع التأكيد أن هذه المقاربة أثبتت قصورها في الحالة اللبنانية، وعلى الأرجح في حالة الاْردن، وإلى حد كبير في تركيا، وهي الدول الثلاث التي تستضيف العدد الأكبر من اللاجئين السوريين.
أولاً، في لبنان لا يوجد شيء اسمه "الكومباكت"، إلا على الورق. على الأرض هناك فقط مجموعة إجراءات قطاعية متناثرة أبرزها في مجال التربية (استيعاب التلامذة السوريين في المداس اللبنانية)، وليس أي خطة وطنية متكاملة لإدارة أزمة اللجوء السوري. التقصير من جانب لبنان في تبني استراتيجية متكاملة واضح وهو موضع انتقاد واسع عندنا. ثانياً، إن الحديث عن "صمود" لبنان فيه الكثير من المبالغة والمجازفة.
الوضع الحالي في لبنان مقلق جداً وقد يخرج عن السيطرة. المسألة ليست مسألة لاجئين فحسب، فلبنان يعاني من مجمل انعكاسات الحرب السورية لا بل من مجموع التناقضات الدولية التي تحتضن الحرب السورية: صعود القوة الإيرانية، الاستقطاب بين إيران والسعودية والى حد ما تركيا، الانكفاء الأميركي، تجدد الدور الروسي، نشوء "داعش" وتحول الإرهاب إلى ظاهرة كونية، تفاقم التوترات المذهبية والإتنية، وقبل هذا كله بعقود، القضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي.
انعكاس كل ذلك هو أن جزءاً من لبنان بات شريكاً في الحرب داخل سوريا، وجزءاً من سوريا انتقل ديموغرافياً إلى لبنان، ومعه جزء محدود من العنف السوري. والوضع الحالي يمكن اختصاره كما يلي: أزمة سياسية مفتوحة تعطل النظام السياسي، العجز عن انتخاب رئيس، وحكومة مشلولة على شفير الانهيار. تزامناً، نشأ نوع من "الحصار الاقتصادي" واقعي ذي عدة أوجه، أهمها انقطاع خطوط التصدير البرية نحو أسواق الخليج، وانخفاض التدفقات المالية والتي تشكل تقليدياً رئة التمويل الخارجية للبنان. وقد انخفضت لسببين: تراجع عائدات النفط، وتزايد استخدام إيران للبنان منصة لاستهداف السعودية والخليج.
مع تراجع التحويلات واتجاه ميزان المدفوعات إلى التحول نحو السلبية، أجرى المصرف المركزي هندسة مالية لاستبدال جزء من الديون وتجديدها لمدة سنتين، إنما بمعدلات فائدة فلكية‏ وذلك للحفاظ على الاستقرار النقدي. الاستقرار النقدي مهم جداً في لبنان للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، خصوصاً استقرار الرواتب والأجور، ومنها أجور الجيش والأجهزة الأمنية التي تشكل مع البنك المركزي آخر قلاع مؤسسات الدولة والشرعية.
قبل ذلك، لبنان لم يكن "جنة" اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية. وفي طليعة التشققات التي يعانيها لبنان الانقسام الحاد شبه العمودي والمزمن حول المنظومة العسكرية التي يحتفظ بها "حزب الله" خارج الدولة والتي باتت أهم ذراع خارجي للاستراتيجية الإيرانية.
كذلك، هناك الفساد وانعدام المساءلة، اللذان يحتميان بنظام "المحاصصة" بين زعماء الطوائف، بذريعة حماية "المصالح الاستراتيجية" لطوائفهم في حين أنهما حقيقةً التجسيد المحلي لنظام الدولة الغنائمية. ويعتبر الفساد العائق الرئيسي أمام التنافسية والاستفادة من الحيوية الكبيرة للقطاع الخاص اللبناني المتميّز بروح المبادرة وثقافة ريادة الأعمال.
ضمن هذا المناخ، اندلعت الحرب السورية ومعها أزمة اللجوء. إن حجم هذه المشكلة بات معروفا. فباختصار ارتفع عدد المقيمين فوق الأراضي اللبنانية بين 2012 و2013 بنسبة تفوق الـ30 في المئة‏. وهذه نسبة غير مسبوقة في التاريخ الحديث لأي دولة.
لتبين فداحة الوضع، لا يكفي النظر إلى الناتج المحلي الاجمالي، بل إلى حصة الفرد من هذا الناتج. الناتج المحلي للفرد انخفض بنسبة 14 في المئة‏ (من 9400 إلى 7900 دولار) أي ان لبنان عاد إلى الوراء على هذا الصعيد عشر سنين على الأقل. صحيح أن الناتج المحلي للفرد لا يصلح لقياس توزع الدخل، لكنه على الأقل يؤشر إلى الدخل المتاح للأفراد. وفي ما يلي بعض المؤشرات الاساسية:
• الضغط على البنى التحتية بات غير محمول، وانقطاع الكهرباء في بعض المناطق يصل إلى 20 ساعة يومياً.
• البطالة بين اللبنانيين ارتفعت من 9 في المئة‏ إلى 20‏، والعمالة غير النظامية بينهم باتت تناهز 30 في المئة‏. بين السوريين البطالة تفوق 50 في المئة معظم من يعمل منهم موجود في القطاع غير النظامي.
• نسبة الفقر بين اللبنانيين ارتفعت من 27 في المئة إلى 35 في المئة، وهي تصل بين اللاجئين السوريين إلى 75 في المئة.
• الخسائر المتراكمة للبنان بلغت 12 مليار دولار على مدى أربع سنوات، ما يعادل ربع الناتج المحلي.
الجميع معجب بلبنان وبصمود لبنان وسخاء اللبنانيين، لكن هذه نصف الحقيقة، إن لم يكن ربعها. فقدرة لبنان على الصمود تتآكل كل يوم. والوصفة التقليدية المطروحة أمامه عبر نموذج "الكومباك"، اي الاكتفاء باستيعاب اللاجئين ودمجهم في سوق العمل، وصفة قاصرة تنم إما عن جهل فادح أو عن تقصير وتخل عن المسؤولية. لا يمكن لأي اقتصاد من 4 ملايين نسمة وحجم القوى العاملة فيه مليون ومئتا ألف شخص أن يهضم مليون ونصف مليون نسمة إضافية وأن يُطلب منه خلق نصف مليون فرصة عمل إضافية، لا في خلال خمس سنوات ولا في خلال عشرين سنة. وأعتقد أن الأمر نفسه ينطبق نسبياً على الاْردن. حتى تركيا، التي تتفوق على لبنان عشرات المرات من حيث الحجم، تغصّ بمواجهة هذا التحدي. إن أي خبير اقتصادي عاقل يدرك هذا الأمر، هذا إذا وضعنا جانباً كل التوترات وردود الفعل والمزايدات العنصرية المقيتة التي تثيرها مسألة اللاجئين في لبنان كما في أماكن وبلدان هي تقليدياً أقل توتراً من لبنان.
ان الاستيعاب الاقتصادي عبر سوق العمل لا يمكن أن يكون إلا جزءاً من إدارة ازمة اللاجئين. الحل المتكامل، الواقعي والعادل والمستدام، يجب ان يقوم على رؤية مثلثة تعطي الاولوية ذاتها إلى ثلاثة ركائز:
1. الاستيعاب الموقت في سوق العمل لجزء من العمالة السورية التي لا تشكل منافسة مباشرة للبنانيين؛
2. العودة الآمنة (أي الكريمة والطوعية) للاجئين، التي يجب بدء العمل على توفير ظروفها من دون انتظار الحل السياسي الكامل، وذلك إلى مناطق تحظى بالحماية الدولية داخل سوريا؛
3. التقاسم الفعلي للأعباء من قبل المجتمع الدولي، ليس عبر المساعدات المالية فحسب، وهي بالمناسبة أقل بكثير من الحاجات ومما يستحقه لبنان، إنما باستيعاب عدد أكبر من السوريين الذين يرغبون بالانتقال الى بلد ثالث.
في المحور الثالث هذا، أي استيعاب اللاجئين في بلد ثالث، ننظر الى الأرقام فنراها مضحكة مبكية: بضع مئات هنا وبضعة آلاف هناك. أليس من المخجل ألا يكون هذا الأمر مطروحاً بجدية على بساط البحث حتى الآن؟


أرشيف    إطبع     أرسل إلى صديق     تعليق



عودة إلى أخبار التجدد       عودة إلى الأعلى



2017 حركة التجدد الديمقراطي. جميع الحقوق محفوظة. Best Viewed in IE7+, FF1+, Opr7 تصميم: