آخر تحديث: الخميس 10 آب 2017 - 11:02 AM إتصل بنا . خريطة الموقع . ابحث:




أخبار التجدد

بعد النداء الإهدني صوتٌ بشراويّ مُدوٍّ يطلق النفير دفاعاً عن القرنة السوداء
بقلم أنطوان الخوري طوق (النهار)

الاثنين 30 كانون الثاني 2017

بعد النداء الإهدني الذي وجهه المفكر أنطوان الدويهي في "نهار" الأربعاء الفائت لإنقاذ القرنة السوداء، ها هو رئيس بلدية بشري السابق، ورئيس لجنة جبران الوطنية سابقاً، والناشط اللاعنفي، البيئي، الثقافي، والمجتمعي، الأستاذ أنطوان الخوري طوق، يرسل إلى "النهار" صرخةً بيئية مدوّيةً تندّد بالمخطط المشبوه في القرنة السوداء. تأتي هذه الصرخة تتمةً لما كان نُشر سابقاً في "النهار" (24 و25 كانون الثاني 2017) عن المشروع الخطير القاضي باستباحة حرمة القرنة السوداء في جبل المكمل، وتحويلها منتجعات سياحية لصالح شركات خاصة.
"زرعنا تلالك يا بلادي زرعناها قلوب... ومشاريع مشبوهة" (بالإذن من وديع الصافي). لم يسبق للبنان ان شهد في تاريخه مثل هذا الشبق وهذا الجوع العتيق إلى المال والسلطة. فباسم المال يتمّ في وضح النهار ومن دون أي خفر أو حياء، هذا النهب المنظم لخيرات لبنان وثروته الطبيعيّة على سطح الأرض وفي باطنها، كما يتم هذا التدمير المنهجي لجمالاته ومواقعه الطبيعية، من المقالع والكسارات والمرامل ومعامل الاسمنت الى المشاحر وحرائق الغابات المفتعلة، الى النفايات والمكبات والمطامر العشوائيّة، فإلى ردم البحر، والى كل ما تصل إليه الايدي من تلزيمات ومناقصات وصفقات. ولم يسبق للبنان ان شهد مثل هذه الاستباحة لحق اللبنانيين في الحياة والصحة ولحقهم في بيئة سليمة ومتوازنة وهواء نظيف ومياه نظيفة ورغيف نظيف.
نحن الذين عشنا زمن لبنان الجميل، "لبنان الأخضر الحلو"، نحن الذين نتمسك بذاكرتنا اللبنانية الجامعة والعابرة لكل المجتمعات والانقسامات، لم يسبق لنا ان شهدنا مثل هذه الوقاحة في استباحة الشواطئ والانهار والاودية والجبال والقمم من دون أي اعتبار لأعراف أو أنظمة أو قوانين.
نحن نعترف للبناني الفرد (لا المواطن) بالكفاءة والذكاء والشطارة في التفلت من الأنظمة والقوانين، لكننا في الوقت نفسه نعتبر ان الثروات والمواقع الطبيعيّة هي ملك جميع المواطنين اللبنانيين، بصرف النظر عن طوائفهم ومذاهبهم وأحزابهم ومناطقهم. تالياً، هي غير خاضعة للاقتسام والمحاصصة او التواطؤ عبر الصمت المريب وغضّ النظر عن الانتهاكات اليوميّة لحقوق اللبنانيين في الرفاهيّة والعيش بأمان.
ما دفعنا الى هذه المقدّمات هو ما أعلنته شركة Realis Development العقارية عبر مديرها التنفيذي السيد باتريك غانم عن مشروع سكني سياحي أطلق عليه اسم "القمة" على سفوح القرنة السوداء- جبل المكمل على ارتفاع 2400 متر وعلى مساحة 450 ألف متر لبناء شاليهات (650) وفيلات (70) وفنادق ومطاعم ومقاه ومدارج ومصاعد بكلفة 500 مليون دولار، على ان يتم الاعلان عن المرحلة الأولى صيف 2017 وبكلفة مئة مليون دولار اميركي.
اذا قُدّر لهذا المشروع أن يبصر النور فسنكون أمام كارثة بيئيّة، من تلوّث لمصادر الينابيع والأنهر والبرك، ومن قضاء على الحياة البرية والنسيج الريفي، ومن تشويه للمناظر الطبيعيّة.
تعتبر القرنة السوداء أعلى قمّة في غرب آسيا والمشرق (3093 متراً)، وهي مشاعات مشتركة بين أقضية بشرّي وبلديّات الضنية وإهدن والهرمل. كما تعتبر القرنة من بين أهم الخزّانات المائيّة في لبنان والشرق الأوسط، إذ تغطّيها الثلوج طوال أشهر السنة. وفي ظلّ التغيّرات المناخيّة تبقى أهم مصدر للينابيع والأنهر (العاصي، عيون أرغش، قاديشا، رشعين، مار سمعان، نبع السكر وغيرها).
هنا نسأل أين الوزارات المختصّة من رفع الصوت وايضاح ما يجري ووضع قراراتها موضع التنفيذ ولا سيما أن وزارة البيئة كانت أصدرت قراراً في العام 1998 اعتبرت فيه جبل المكمل- القرنة السوداء موقعاً طبيعياً تحت حماية وزارة البيئة تمنع فيه أيّ أعمال على سطح الأرض وفي باطنها، كما يحدّد حرم هذه المنطقة من رأس الجبل علوّ 2400 متر نزولاً.
كما أن وزارة الموارد المائية كانت أوفدت خبراء جيولوجيين الى القرنة بحيث وضعوا دراسات وتقارير أوصوا فيها بمنع أي حفريات أو العبث بهذا الخزان المائي.
فأين وزارات الأشغال العامة والزراعة والداخلية والبلديات من الإسراع في الطلب من مجلس الوزراء إعداد مخطط توجيهي ومناقشته لحماية قمم الجبال والشواطئ، علماً أن هناك مشروع قانون مطروحاً منذ العام 2008 لحماية قمم الجبال.
وبما أن الجمعيات البيئية والناشطين في المجتمع المدني هم الذين بادروا إلى حماية المواقع الطبيعية في لبنان، وهم الذين قاموا بالتحريج وحماية الغابات ولا سيما خلال الحروب اللبنانية، وفي ظل غياب أي حماية رسمية، فإنه يقع على عاتقهم اليوم الوقوف في وجه هذه المشاريع المشبوهة وهذا التدمير لثروات لبنان الطبيعية وفضح أيّ تواطؤ بين أهل السياسة وحيتان المال.
كما أن الجمعيات البيئية في بشري وإهدن والضنية والهرمل والمجالس البلدية المعنيّة مدعوّة للتحرك معاً لوقف هذه المذبحة البيئية والعمل مع الوزارات المختصة لإعلان القرنة السوداء وقمم لبنان محميّات طبيعيّة.
لقد حان الوقت لسدّ هذه الشهيّة المفتوحة لابتلاع كل ما هو جميل وعامّ في لبنان.


أرشيف    إطبع     أرسل إلى صديق     تعليق



عودة إلى أخبار التجدد       عودة إلى الأعلى



2017 حركة التجدد الديمقراطي. جميع الحقوق محفوظة. Best Viewed in IE7+, FF1+, Opr7 تصميم: