آخر تحديث: الخميس 6 أيلول 2018 - 11:28 AM إتصل بنا . خريطة الموقع . ابحث:




مختارات

تنفيذ برنامج الاستثمار في البنى التحتية تحديات مؤتمر باريس - د. مكرم صادر (النهار)

الاثنين 3 أيلول 2018

في 7 آب الفائت، نظَمت جمعية LIFE / فرع لبنان، ندوةً مغلقة في متحف سرسق حول مؤتمر سيدر CEDRE. شاركت فيها من لبنان كوادر مسؤولة أو مطّلعة على ما هو قائم على هذا الصعيد إلى جانب أعضاء LIFE الآتين من أهم العواصم المالية العالمية (نيويورك، لندن، باريس...). وسأحاول بكل أمانة علمية نقل مضمون المداخلات والنقاشات التي تخلّلتها الندوة تعميماً للفائدة من جهة ولإعادة الحوار والنقاش في نتائج مؤتمر "سيدر"، لما فيه من إيجابيّات للبلد. وأبعد من ذلك، فالمطلوب اليوم، حيث يبدو تشكيل الحكومة متعثراً، أن يشكِّل مجتمع الاقتصاد ضغطاً على طبقة تُمْعِنُ في الإستخفاف بعقول الناس ومصالحهم. 

تمحورت الندوة حول جلستين: تناولت الأولى حيثيّات مؤتمر "سيدر" وبعض جوانبه من جديد، وتركّزت الثانية على الإطار الماكرو- اقتصادي المفترض أن يساعد (أو يعرقل) برنامج الاستثمارات في البنى التحتية.

في المحور الأول، أظهرت المداخلات جملةً من التطورات الإيجابية، وأهمها أن العمل على متابعة وتنفيذ لبرنامج الاستثمارات مستمرّ بالرغم من الوضع السياسي القائم. ويجري التركيز في الوقت الضائع حكومياً على بلورة خريطة Mapping للمشاريع وللمستثمرين مع صياغةٍ أكثر تفصيلاً للآليات التنفيذية الممكنة، وكذلك العمل على تطوير الموقع الإلكتروني الذي يسمح. ويعطي المجلس الأعلى للخصخصة (HCP) الأولوية لثلاثة مشاريع. توسيع وتطوير مطار بيروت الدولي، بكلفة قد تكون بحدود 500 مليون دولار، وطريق خلدة – نهر إبراهيم مع ما قد تتطلّبه من استملاكات ومن خيارات لناحية الأنفاق على حساب الجسور، إنشاء مركز للمعلومات Data Center متطور جداً.

وتبيَّن من النقاش أن حزمةً من المشاريع وخصوصاً تلك العائدة إلى الطاقة والنفايات قد أُخرِجت من إطار برنامج الاستثمارات هذا، ربما لإبعادها عن رقابة وتمويل المؤسّسات الدولية فتسهل معها كل أنواع المحاصصات الطائفية، والمناطقية، ما يُغَلِّب بالنتيجة المصالح الخاصة على المصلحة العامة للبلد وللمواطنين.

وتمَّ التأكيد على انخراط المؤسّسات المالية الدولية - كما كان واضحاً في مؤتمر باريس- في مسار برنامج الاستثمار في البنى التحتية، لناحية تقديم المشورة Advisory، وتوفير التمويل Funding وحتى الحلول محلّ أيّ طرف أو جهة تضطرّ لعدم الاستمرار في التزاماتها المالية المعلن عنها في باريس.

تناول المحور الأول من الندوة بُعداً إضافياً مهما في إنجاز برنامج الاستثمارات، ويتمثّل بدور القطاع الخاص في توفير جزءٍ من الحاجات التمويلية المقدّرة بعدة مليارات من الدولارات، وهو مبلغ مرتفع حتى ولو توافرت السيولة عملياً لدى المصارف. وتمَّ التساؤل المحقّ أيضاً عن أدوات وتقنيات التمويل: دين أو مساهمة (Debt / Equity)، وبأيّ نسبة لكلّ منهما. وعلى افتراض جعل المساهمة بحدود الثلث سيكون مطلوباً توفير مساهمات خاصة في ملكية المشاريع تفوق المليار دولار. 

على صعيد المحور الثاني لندوة LIFE، تمَّ تناول مدى ملاءمة / عدم ملاءمة الإطار السياسي والماكرو- اقتصادي في لبنان للتعامل بكفاءة ولاستيعاب هذا الحجم من الاستثمار ومن المشاريع في وقتٍ يبدو تشكيل حكومة أمراً متعذّراً أو يكاد!.

وشمل التساؤل الجوانب المؤسّساتية والأوضاع المالية والنقدية. فرأى مسؤولون شاركوا في الندوة أن الإطار المؤسّساتي يتمتّع بجهوزية. فالمجلس النيابي استطاع أن يُنجز موازنات 2017 و2018 بعد انقطاع لمدة 11 سنة!. وبالرغم من الأزمة الحكومية المتمادية، فإن اللجان المشتركة في المجلس تناقش عدداً من مشاريع القوانين المُحالة إليها (11 مشروعاً). وبعضها يطاول ويُسهِّل وضع مقررات باريس موضع التنفيذ. كذلك، تبيّن من مداخلات المسؤولين المشاركين أن عمليّة قطع حساب المالية العامة للسنوات 1993-2017 شارفت على نهايتها. وهذا، إن تحقق، يُعتبر إنجازاً مهما على صعيد المالية العامة للدولة وشفافية حساباتها.

وحول قدرة الدولة على الالتزام بتخفيض عجز المالية العامة 5% من الناتج المحلي الإجمالي تدريجياً خلال السنوات الخمس المقبلة، أي بمعدّل 1% سنوياً، جاءَ الردّ أن هذا الهدف (الشرط) قابل للتحقّق، من جهة، بضبط عجز الكهرباء وتالياً حجم الدعم المقدّم لهذا المرفق، ومن جهة ثانية، بضبط حجم الإنفاق في موازنة 2019 حيث من الممكن تخفيضها بما يقارب المليار دولار، وذلك من خلال ضبط التحويلات غير المبرّرة الى العديد من الجمعيات وترشيد الإيجارات المدفوعة لقاء المباني الخاصة المستأجرة لوزارات ولإدارات حكومية وكذلك ضبط التحويلات للضمان الاجتماعي وغيرها من مسارب وقنوات الفساد والهدر المنظَّم الذي يزيد حسب تقديرات نُشِرت مؤخّراً عن 5% من الناتج المحلي الإجمالي. 

بالإضافة إلى فعاليّة الإطار المؤسساتي وترشيد المالية العامة، توقّفت الندوة عند الوضع النقدي وإمكانيّة استمراريته. وأكّدت المداخلة الرئيسية أن لا داعي للمخاوف غير المبرّرة ولا وجود لما يدلّ على قرب وقوع أزمة نقدية في لبنان. وليس أدلّ على ذلك من كون معدّل دولرة الودائع لم يشهد تغيّراً ملموساً خلال العام 2018 مقارنةً بالعام 2017 بل بقي عند المستويات التاريخية التي ميّزته (66/68 بالمئة). كما حافظ مصرف لبنان على مستوى الموجودات الأجنبية لديه وبحدود 44/45 مليار دولار، ما يتيح ضمان الاستقرار النقدي للسنوات المقبلة بانتظار معالجة الاختلال في المالية العامة وبانتظار تحريك العجلة الاقتصادية من خلال تنفيذ المشاريع الهامة المدرجة في برنامج الاستثمارات، وربما أخيراً بانتظار نضوج ملف استخراج النفط والغاز وما يرتبط به من تدفق إضافي للعملات الأجنبية الى البلد وتحسّن المدفوعات الخارجية. وردّاً على تساؤل حول موضوع العقوبات Sanctions لا سيّما الأميركية منها، تمَّ التأكيد على فعاليّة متابعة مصرف لبنان وجمعية المصارف لهذا الملفّ وعلى متانة العلاقة مع المصارف المراسلة. وتمَّت الإشارة كذلك إلى أهمية التعميم رقم 126 الذي يطلب فيه مصرف لبنان إلى المصارف الالتزام بما تلتزم به المصارف المراسلة حيال ما يخصّ العقوبات والمعايير الدولية.

ختاماً، أظهر النقاش العام في ندوة LIFE مجموعة مسائل بل تحدّيات ستواجه لبنان تهيئَةً لتنفيذ برنامج استثماري في البنى التحتية ، ونذكر منها ثلاثة. أولاً إن عملية تقليص حجم القطاع العام، وهي عملية قد بدأت، ستتطلّب وقتاً ولن تكون بسحر ساحر. وتكمن المسألة الثانية في معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي قد تنتج عن ضبط المالية العام والانفاق غير المبرّر، إذ يترتّب بالضرورة على الإصلاح المالي والإداري إزدياد معدّلات البطالة وتراجع معدّلات النمو في مرحلة أولى. أما المسألة الثالثة، فتعود إلى القدرة على التنفيذ الجيّد والمتابعة المجدية، إذ لا يكفي إقرار القوانين والتشريعات المطلوبة لتحقيق الإنجازات، بل ثمّة مشكلة في الهوّة القائمة بين التشريع والتنفيذ وما يحتاجه ردمها من إدارة عامة كفوءة ومؤهّلة ومن قطاع خاص كفوء ومؤهّل بدوره. وإن إنخراط الكوادر اللبنانيّين التنفيذيّين المنتسبين الى "لايف" LIFE والمتواجدين في أهمّ المؤسّسات المالية الدولية ببرنامج الإستثمار في البنى التحتية يشكّل مكسباً لحسن تمويل وتدبير المشاريع المدرجة في هذا البرنامج. فقد آن الأوان ليستفيد لبنان من طاقاته البشرية المنتشرة والتي تتمتّع بدرجة عالية من التقانة والخبرة.


أرشيف    إطبع     أرسل إلى صديق     تعليق



عودة إلى مختارات       عودة إلى الأعلى



2018 حركة التجدد الديمقراطي. جميع الحقوق محفوظة. Best Viewed in IE7+, FF1+, Opr7 تصميم: