مقال يقيم المعارضة ومنها حركة التجدد (صحيفة السفير)
المعارضة اللبنانية وتعميماتها
صحيفة السفير - احمد جابر
خلال عقد من عمر تسوية الطائف، تحركت قوى سياسية واجتماعية فوق ساحة الاعتراض، بعضها من قوى حزبية موروثة، انضمت خصوصا الى التحركات النقابية واستظلت برايتها، وبعضها الآخر قوى مجتمع مدني أعلنت عن نفسها للتو وباشرت في تأسيس مواقع لها ضمن البنية اللبنانية المهشمة، كان الغالب، الى حين، الطابع الديموقراطي العام، فلقد وفرت راية الاتحاد العمالي العام قوة دفع التباس عن قوى التحرك، وفي الخندق المقابل كانت قوى الحكم وكانت أساليبها ووسائطها. هذه المقدمة الموجزة لا تدعو الى التأريخ، لكنها تدعو للتوقف أمام خلاصة، نراها افتتاحا لنقاش لاحق، مؤداها: أن في ضمور القوى المتحركة على خلفية اجتماعية ديموقراطية وتراجعها، ثم انفراط عقدها، يقرأ الوجه الآخر من 'صعود' وبروز حلقات الاعتراض الاخرى، على خلفيات متقاطعة او متباينة تعرض للجنبلاطية 'المتحركة'، فهذه لا تفهم الا من حالة الحركة، وسيُصدم، وقد صُدم كثيرون عندما تناولوها من وضعية الثبات. للجنبلاطية ثوابت داخلية في طليعتها موقع الطائفة ضمن 'المتحد الاجتماعي' اللبناني، وموقع 'الجبل الطائفة' في 'المجتمع الكياني' وفي توازنات النظام، وللجنبلاطية ايضا ثوابت اقليمية قومية، الغالب فيها العلاقة مع سوريا اليوم، يلجأ اليها كضمانات وأسيجة لنفاذ واستمرار الثوابت الداخلية، اي ان رابطة العلاقة بين الداخلي والخارجي جنبلاطيا، هو رابط مصلحة من تمثل الجنبلاطية في معادلة الكيان النظام، لان ثبات ورسوخ الموقع الجنبلاطي مرتبط بمدى تمثله لهذه المصلحة وبقدرته على استحضارها والدفاع عنها، وككل ظاهرة سياسية، او اجتماعية، نجد المسار متعرجا، لذلك لا تدفع 'الفورة' الجنبلاطية المعترضة، او انكفاؤها الموالي، الى الحماسة حينا او الى الاحباط أحيانا اخرى. رؤية 'الثابت والمتحرك' في الجنبلاطية، هو الطريق الى حسن التعامل معها، والى التوفق في إدراجها ضمن الحسابات الاعتراضية العامة، اذ ليس من شأن الجنبلاطية ان تتحرك وان تقدم مع حركتها وسائل إيضاحها او مستندات فهمها، فهذا الأخير، او عدمه، مشكلة لدى صاحبه وليس لدى الجنبلاطية. بناء عليه، كيف يصر بعض المنادين بالمعارضة على تثبيت الجنبلاطية ضمن برنامج بعينه؟ وكيف يحق لهم ان يقرأوا في لقاء الجنبلاطية 'العارض' معهم استعمالا لها واستقواء بها؟ وكيف غاب عن بالهم ان يقرأوا العكس؟ ثم من يستعمل من؟ صاحب الرأي المفرد الملحق بقوة اجتماعية؟ أم صاحب القوة الذي يبتلع كل الآراء؟ هذا ليس تسفيها لمنطق سياسي محدد، بل محاولة لفهمه واستيعابه ثم الوقوف منه موقفا نقديا اذ في نقده يمكن تبين الحدود الواقعية لقدرة الناقد على الفعل، بقواه اولا وقبل اي اتكاء على قوى اخرى، وهنا لا يفيد التسرع في الالتفاف حول 'رمز' كما يضر الارفضاض النزق من حوله.
في مكان آخر، وضمن سياق مشابه، برزت 'قرنة شهوان' في محاولة لاستحضار 'الطائفة' في المحفل السياسي اللبناني العام، يشجعها على ذلك، رفض واسع من شطر هام من 'القاعدة المسيحية' لشكل تمثيلها السياسي 'المفروض' ورفض آخر من الشطر 'الثاني' من البلد، لطروحات سياسية صنفت في خانة 'الانقلابية'. عليه، اختارت 'قرنة شهوان' الدخول من بوابة الاعتدال، بخطاب لم تغب عنه هذه السمة، فهي توجهت الى الداخل باعتراف بحصيلة تسويته. وخاطبت المحيط بما لا يتجاوز المألوف، وكرّست عناوين حوارية تصلح مادة للأخذ والرد بين الكتل اللبنانية. والى هذا وذاك، حاولت الإسهام في إصلاح أعطاب الذاكرة الشعبية عندها مما اعتراها من عثرات وأوهام حول مواضيع الداخل اللبناني، وحول مواضيع ارتباطه بمحيطه العربي. إذاً، لم تكن المشكلة مشكلة خطاب، لكن الأمر لا يقف هنا، والنصر يبدأ عندما تنتهي من تلاوته وليس عند فراغك من كتابته. هنا ايضا جوبهت قرنة شهوان بأوهامها أولا، فالنصر في مكان والقوى والمزاج في مكان آخر، هذا لدى قواها، والنية والقصد في مكان وتلقف البلد للنص وللحركة ايضا في مطرح مخالف، وما ظنته قرنة شهوان إحياء لثنائية مع الجنبلاطية، (من موقع اعتراضي)، وما شُبه لها من اختراق للضفة الاخرى من الوطن، كان عابرا مع الاولى، ومعزولا ومتضائلا في الحالة الاخرى. بل نستطيع القول ان قرنة شهوان وهي تسعى لتوظيف الجنبلاطية كانت هذه الاخيرة تجهد في ذات السبيل، وحاجة 'القرنة' الى مدى أوسع يبرر ما تذهب اليه من 'لاطائفية' جعلها تلح على بعض من وجوه وقوى في الاستعمال، مما حول 'أندادها' المفترضين الى شبه 'أصداء لها'. هنا ايضا لم تكن القضية قضية قرنة شهوان وهي تسعى لتكريس مرجعيتها الطائفية على حساب مرجعيات اخرى عندها، بل كانت المشكلة طريقة فهم طروحات القرنة وحقيقة قواها وفحوى طموحها، فنسبت اليها عروبة صافية وديموقراطية خالصة، ووطنية جامعة، بانت حدودها واقعيا في جملة من التحركات السياسية الواقعية ايضا، برغم انها قد تكون ما زالت مستقرة في أذهان 'المحبين'. قد تكون الفرصة مؤاتية لوقفة جردة حساب، أمام ما الحقيقي ضمن قرنة شهوان ديموقراطيا؟ وما الفعلي تطلبا لحكم ضائع؟ وما الثابت الطائفي؟ وما المتحرك من إدارة علاقات في امتداده؟ وهل يمكننا إجراء عملية حسابية بين غير المتشابيهن؟ حيث الديموقراطي الجديد او القديم، والرئيس السابق اللاحق، والنادم على فعلته (كغيره من نادمي الطوائف والاحزاب) الذي لم يدلنا على مواضع ندمه.
بين تطلّب 'قرنة شهوان' لتصحيح التمثيل السياسي لجمهورها، وبين سعي الجنبلاطية الدائم لتكريس تمثيلها وتفعيله، ثم 'أجرام' اعتراضية سبحت بين القطبين، على اختلاف في المنبت ومغايرة في الخلفيات الفكرية والاجتماعية، في هذا السياق تندرج حركة التجدد الديمقراطي التي يرأسها النائب نسيب لحود، والتي تتحرك ضمن القاعدة الطائفية ذاتها، وتحاول من خلال أسماء ديموقراطية الانتساب الى دائرة فعل أوسع.
قد يكون من طموحات حركة التجدد السعي الى ملامسة حركة ليبرالية لبنانية، تشكل واحدا من شروط التجاوز على الخطاب الطائفي المتقابل والمغلق، لكنها ما زالت حتى الآن حبيسة ضيق رقعة تحركها واضطرارها الى الاتكاء على جمهور طائفي أوسع من خلال 'القرنة' وهي تحاول توسيع رقعتها الخاصة، إلا ان الامر يفترض توجها معاكسا، فالاتكاء بالنصّ على قوى معترضة عليه، ودونما قدرة على الفعل ضمنها، يعيد تقليص مساحة الحركة وفضاء النص. ويبدو الأمر أكثر ملامسة للمعاينة عندما نعلم ان جزءا أساسيا من 'شرعية' حركة التجدد و'هيبتها' ينهض على رمزية اسم النائب نسيب لحود ويستند الى جمهوره. وهذه الحالة تشكل عنصر اضافة من جهة، وعنصر 'اشكالية' من جهة اخرى، طالما ان نفوذ التجمع مستمد من نفوذ الشخص ومن طبيعة حركته السياسية. وفي وقفة سريعة عامة، لا نستطيع القول ان حركة التجدد الديموقراطي قد أقامت قطعا مع بعض الطروحات التي باتت تنتمي الى 'حقبة صراعية' بين اللبنانيين، وهي حتى الآن لم تقدر على تجاوز سقوف طروحات معينة ايضا، والأمران يعرقلان انتساب الحركة الى 'الفضاء الليبرالي' الأوسع الذي تسعى الى ارتياده. حضور بالقطع وليس بالقطيعة وثبات موضعي بالتجاوز على الموضع، لعلها المعادلة التي تحكم تطور وضعية حركة التجدد الديمقراطي او تحكم عليها.
في مكان اجتماعي آخر استنبت 'المنبر الديموقراطي'، في تجاوز لوضعية سابقة، قامت على صيغة لقاء يضم مثقفين وحزبيين ومهتمين بالشأن العام، يقولون رأيا في 'الممنوع' على غير ارتباط بحضور دائم، او التقيد باسم محدد. شكل التجاوز هذا انتقالا نحو اتخاذ وضعية سياسية، تختلف عن 'الوضعية الثقافية' التي سبقتها، وهذا لا يقع خارج المألوف، لكن التدقيق في شروطه يصبح أكثر إلحاحا. فعلى النقيض من استناد الجنبلاطية وقرنة شهوان الى كتلتيهما، استند المنبر الديموقراطي الى النص، وفي تشابه مجزوء مع حركة التجدد الديموقراطي، استمد عامل حضوره الأبرز من الشخص، النائب الأسبق حبيب صادق بما يمثله من رصيد ديموقراطي نزيه، ومسلك شخصي رفيع وحضور ثقافي وازن ورصين. في معالجة اشكالية النص الواقع، او الحاضر الغائب، لم يبادر مؤتلفو المنبر الديموقراطي الى صياغة رؤيتهم للحفر في مسقط رأسهم الأصلي، على طريق تكوين واستنبات كتلتهم الخاصة بهم، التي من دونها يستحيل مخاطبة الكتل الاخرى بالنقد او بالتماهي، وبالتواصل او بالافتراق. على العكس من ذلك، قعد المتحركون باسم 'المنبر' دون الصعاب الفعلية والحقيقية الماثلة في 'الشطر الاسلامي' واكتفوا بظلال الجنبلاطية حينا، و'تظلم' قرنة شهوان احيانا اخرى. والحال ان اعادة صياغة خطة انقاذية للوطن، تفترض ان يحفر كل مبادر في موقعه اولا، فاذا برزت الصعوبات، فلا يكون المخرج بمغادرة المكان الى أمكنة اخرى. على هذا الصعيد، عجز المنبر عن ان 'يكون إسلاميا'، بمعنى المؤسس لخطاب معتدل يكبح جماح العروبية الاسلامية الكافرة، عن طريق التأسيس لمخاطبة مختلفة للمصالح، وهو قصّر دون ان يكون 'يساريا' بمعنى الداعي والمبادر الى طرح اشكالية اليسار السابقة والراهنة، والى نقاش المخارج والبرامج الممكنة واقعيا، وقد اكتفى من هذا وذاك، بوجود اليساريين السابقين والحاليين في صفوفه، وضمّ نفسه الى مقولات لبنانية عامة، من دون ان يستطيع تزخيم هذه المقولات، او كبح شططها بواسطة قوى خاصة من عنده. وعليه ظل المنبر الديموقراطي في منزلة بين المنزلتين، فلا هو شيء من خطاب موجه للاسلام السياسي المعقلن، ولا هو جزء من خطاب اليسار 'المتجدد'، وهذه وضعية تتيح له ان يبقى ساحة لتلقي ردود الفعل، او لممارسة الانفعال، من دون ان يصل الامر الى حد الفعل المؤثر والمطلوب.
ضمن ساحة الاعتراض المتنقلة هذه، للحديث عن اليسار بمكوناته السابقة موضع آخر، لكن ما يهمنا الآن تسجيل خلاصة مفادها: اذا كان هذا هو واقع ما نقع عليه يوميا من قوى اعتراض ومن آراء معارضة، فكيف تستقيم الدعوة، مع افتراضها ناجزة الخطب، متقاطعة الاهداف، متقاربة القوة، الى وحدتها للتصدي لما هو مطلوب منها من مهام؟ قد يكون من الأجدى مطالبة كل مهتم بالشأن اللبناني العام، ومعه كل قوى الاعتراض، بتحديد فهمه للعناوين العامة التي يرزح تحت وطأة التباسها البلد، فالوضوح حولها، يمهّد لافتتاح مسار طويل نحو إعادة صوغ استقلال البلد، وتعيين موقع الطوائف فيه، وتحديد سبل بناء ديموقراطية حقيقية بين ربوعه، ومعالجة قيود التدخل العربي في لبنان، والتوافق على حدود التدخل اللبناني في الوضع العربي... الخ. مواضيع، يفضي بنا التطرق اليها الى القول: لبناء المعارضة، لا بد من الاعتراض على النظام وعلى طرائق هذه 'المعارضة' ومقارباتها وإعلاناتها.