مقال لانطوان حداد عن الوضع في العراق (صحيفة السفير)
لا للاحتلال و لا للاختزال: نعم للسيادة ونعم للديموقراطية
صحيفة السفير - انطوان حداد *
ثلاث مفارقات ميزت النهاية المأساوية للحرب الاميركية على العراق. اولى المفارقات سقوط بغداد من دون مقاومة تذكر، في اشنع هزيمة يمكن ان تلحق بدولة، وفي أسهل انتصار (اقله حتى الآن) يمكن ان يمنح لغاز او لمحتل.
المفارقة الثانية، وهي غير منفصلة عن الاولى، هي اقتصار المقاومة لقوات التحالف الاميركي البريطاني في طريقها الى بغداد على قوات النخبة لنظام صدام حسين ودائرته الاجتماعية الضيقة (ميليشيا الحزب وأفراد العشائر الموالية)، فضلا عن بعض المتطوعين العرب.
المفارقة الثالثة، وهي ايضا غير منفصلة عن الأولى والثانية، هي خروج 'بعض الجماهير' الى الشارع للترحيب بالغزاة والتعبير عن فرحهم برحيل الطاغية وتحطيم كل ما يرمز الى عهده الطويل.
لفهم هذه التراجيديا، لا بد اولاً من استبعاد نظرية المؤامرة، كذلك استبعاد نظرية 'خيانة الجماهير' وغيرها من التفسيرات السوريالية. ما حصل في العراق في الايام القليلة الماضية هو، ببساطة، ان الشعب وقوى المعارضة السابقة قد آثرا سقوط الحاكم المستبد على مقاومة الاحتلال. وفي هذا السلوك درس بليغ في علم الاجتماع السياسي يجب التوقف ملياً أمام عبره ومعانيه.
ان ما حصل في شوارع بغداد بعد سقوطها هو مراسم دفن احتفالية لشعار اختزالي حكم المنطقة العربية منذ نكبة فلسطين، هو شعار 'لا صوت يعلو فوق صوت المعركة'. فباسم المعركة القومية، تم الانزلاق تدريجا نحو أنظمة استبدادية. وبذريعة اولوية الصراع مع العدو، قمعت اصوات المعارضات (لا بل حتى الاصوات المختلفة، لمجرد انها مختلفة عن الخطاب الرسمي)، وملئت السجون وعلقت المشانق ونظمت حملات القمع. وفي العديد من الاحيان والاماكن، باتت كل حيوية في المجتمع مصدر شبهة وارتياب، وكل مبادرة لا تأتي من السلطة مؤامرة، وكل انفتاح على العالم عمالة للخارج.
اضاعوا طريق فلسطين فوجدوا انفسهم مرة في إيران ومرة اخرى في الكويت، ومرة في حلبجة ومرة اخرى في النجف وكربلاء. نادوا بالاشتراكية، فإذا بهم يبنون القصور. ونادوا بالتقدم والحداثة، فإذا بهم يعملون قانون القبيلة والعشيرة. كل ذلك باسم المعركة.
وكلنا يعلم ان المنطقة العربية وكل ما يحيط او يتصل بإسرائيل او بالنفط موجود تحت المجهر الاميركي منذ عقود، وكل ما يجري من اهتراء في العراق منذ حرب الخليج الاولى وحرب الخليج الثانية هو موضع مراقبة خاصة (وربما تدخل مستتر) من قبل واشنطن. فالعراق محاصر منذ الانسحاب من الكويت، والوضع العراقي معلق وممنوع من التطبيع، كل ذلك من ضمن رغبة اميركية جلية في الاحتفاظ به ورقة احتياط سياسي... الى حين الضرورة. فما ان احتاجت الولايات المتحدة بعد 11 ايلول إلى مسرح لتنفيذ حربها العالمية الجديدة، حتى وجدت في العراق ضالتها وفي النظام العراقي فريسة سهلة وهشة وساقطة قانونيا وسياسيا وشعبيا ومعنويا.
كل ذلك لا يغير شيئا في حقيقة ان ما يجري في العراق اليوم هو عدوان على دولة مستقلة وتدخل أجنبي فاقد الشرعية ومستنكر. سقط الحاكم المستبد نعم، لكن بقي الاحتلال، وبقي خطر التنازع الاهلي وخطر الفتنة الطائفية والعرقية وخطر التقسيم، وعظم النفوذ الاميركي في المنطقة، وتضاعف النفوذ الاسرائيلي، وازداد الخطر على الشعب الفلسطيني، وكثرت التهديدات للدول والقوى التي اعترضت على الحرب او تلك المناهضة لإسرائيل.
ان درء هذه المخاطر لم يعد ممكنا من ضمن منهج العمل العربي القائم حاليا والمعتمد منذ الخمسينيات. لا أدعي امتلاك وصفة جاهزة، لكنني سأكتفي في هذا الصدد بذكر ثلاث ضرورات:
اولاً مصالحة العروبة مع الديموقراطية. في نظري، العروبة ما زالت فكرة حية وهي ما زالت تختزن الكثير من الطاقة. والدليل على ذلك ان القضايا القومية مثل فلسطين، ومؤخرا الحرب على العراق، ما زالت قادرة على تحريك مشاعر (لا بل أفعال) مئات الآلاف لا بل الملايين، من الدار البيضاء الى البحرين مرورا بالقاهرة وبيروت ودمشق. لكن آن الأوان لأن يستمد النظام العربي ودوله مصادر القوة والحماية والدفاع من داخل المجتمع نفسه وليس من اجهزة القمع والاستخبارات او من آبار النفط.
ان هذا يقتضي تدشين منهج تعامل مختلف مع الناس، يعيد إليهم كراماتهم الانسانية وحقوقهم وحرياتهم الاساسية ويلتفت الى مصالحهم المادية ويرفع مستوى معرفتهم ومستوى معيشتهم ويقيم العدالة وحكم الحق والقانون في ما بينهم. هذا المنهج الديموقراطي البديل ينشئ علاقة تعاقد لا فكاك فيها بين الدولة والمجتمع ويخلق قوة لا تنضب ومناعة تفوق عشرات المرات تلك التي تؤمنها الاجهزة والجيوش وآبار النفط. في مواجهة مختلة التوازن مثل تلك التي نشهد، الديموقراطية لم تعد ترفا. ومن الخطورة ان ينقض البعض على الديموقراطية لمجرد ان العدو يعتمدها لتدبير اموره او لمجرد ان المحتل الجديد يدعي انه يأتي بها هدية للشعب العراقي على ظهر دباباته.
ثانيا مصالحة العروبة مع الهويات الوطنية والاقليات. الهويات الوطنية، او الكيانات القطرية، هي اليوم (وبعضها كان دائما) حقائق مجتمعية وتاريخية، حتى إن بعضها لا يقل اهمية او شرعية عن رابطة العروبة نفسها. وهذا لا ينتقص من العروبة بشيء، لا بل يغنيها ويرفع من شأنها. ان لرابطة العروبة موجباتها القومية لا شك، ومنها التضامن في وجه العدوان الخارجي والشراكة في بناء المستقبل، لكن رابطة العروبة لا تعطي الحق لأي دولة عربية بالتدخل في الشؤون الداخلية البحتة لدولة عربية اخرى. وما يحكى عن العروبة والهويات الوطنية، ينطبق وإن بنسب مختلفة، على العروبة والاقليات، التي يجب ألا يشعر المنتمون إليها بأي تهديد لهويتهم القومية او الاتنية او الدينية.
ان مجتمعات عربية عدة واجهت تجارب من هذا النوع متفاوتة القساوة ومتفاوتة الظروف والمسببات، لكن عميقة الاضرار. لقد آن الاوان لأن تنتظم العلاقات العربية العربية كلها في اطار التوفيق بين احترام الاستقلال والسيادة من ناحية وموجبات العروبة من ناحية ثانية. لقد آن الأوان لاستبعاد المناهج والاساليب التأديبية والالغائية والاستبدادية في التعامل مع الاقليات. وثمة امتحان مزدوج دقيق سوف يواجهنا في الايام المقبلة، هو اولا كيفية المساهمة والمساعدة في ان يكون للشعب العراقي بكل مكوناته الكلمة الفصل في تقرير مصيره ومصير العراق، وثانيا كيفية (وحدود) تعاملنا كعرب مع الوضع العراقي الجديد وأسئلته الصعبة. وفي طليعة هذه الاسئلة: ما هي موجبات العروبة في العراق? وأين تقف هذه الموجبات?
ثالثا مصالحة العرب مع المجتمع الدولي والعالم. لقد أسهمت العديد من المحطات في العقود الاخيرة بوضع العرب كجماعة والعروبة كفكرة (والى حد ما الإسلام كدين) في مواجهة عدائية مع الغرب ودوله ومجتمعاته ومعتقداته. ولقد بلغت هذه المحاولات مستوى الذروة في هجمات 11 ايلول التي لم يخفِ اصحابها ابدا انهم ينطلقون من قسمة العالم قسمة لا لبس فيها بين 'مؤمنين' و'كفار'. ورغم تبني الادارة الاميركية 'منطق الفسطاطين'، معطوفا على منطق التفرد الكوني، في التحضير للعدوان على العراق، فقد اظهرت حركة الاحتجاج الدولية على الحرب وجهود الدول المناهضة للحرب تسفيهاً بليغاً لهذا المنطق. لكن الأهم من ذلك ان هذه الحركة أثبتت بالملموس ان العالم ما زال على تنوع كبير وان استهداف العرب والعروبة والاسلام لا يحظى بأي نوع من الاجماع او الاكثرية، وان ثمة مكاناً محفوظاً للعرب في حوار الحضارات ان هم رغبوا وأعدوا العدة لذلك.
لا مفاضلة (ولا منافسة) بين السيادة والديموقراطية، ومن الخطأ الفادح الاختيار او تخيير الناس بين هاتين الضرورتين المتلازمتين والمتكاملتين.
في بداية هذه المواجهة، عندما اردنا التعبير عن رفضنا للحرب الاميركية على العراق، اخترنا الاحتجاج تحت لافتة 'لا للحرب، لا للدكتاتورية'. هذه اللافتة، التي يعود الفضل في استنباطها الى مجموعة من المناضلين الشباب والطلاب، مكنت العديد من اللبنانيين من إسماع اصواتهم ضد الحرب، لكن من دون اختزال قناعاتهم ومن دون تجيير اصواتهم الى الحكام، وخصوصا من دون الاساءة الى مشاعر شعب العراق وعذاباته الطويلة.
اليوم، وبعد الاحتلال الاميركي للعراق، نحاول القول، بالطريقة المركبة نفسها: 'لا للاحتلال، نعم للديموقراطية'، او بالاحرى 'نعم للسيادة، نعم للديموقراطية'، لكن من دون المزايدة على شعب العراق ومن دون إغراقه بالدروس والمواعظ الثورية. رأينا، ونقوله بكل تواضع، ان شعب العراق يستحق السيادة والديموقراطية معا ويحتاج إلى الاثنتين معاً. والكلمة الفصل في تحديد السبل الى ذلك تعود الى شعب العراق نفسه، فهو حتما سيجد الطريق للتعبير عن نفسه واستعادة سيادته وبناء ديموقراطيته، والتوفيق بين المهمتين.
* أستاذ جامعي، أمين سر حركة التجدد الديموقراطي