السلطة والمعارضة حسب فارس خشان (صحيفة السفير)
مراجعة شاملة للساحة الداخلية بعد الحادي عشر من أيلول
السلطة والمعارضة: عود على بدء .. وتحصين مواقع
صحيفة السفير - خشان فارس
انعكست تداعيات الحادي عشر من أيلول، بطريقة فاقت كل تصور، على لبنان، وأضحى ما كان قبل ذلك التاريخ مجرد تمن، شرطا يتعلق بتنفيذه مستقبل هذا البلد المتعثر بحاضره.
فالمقاومة التي يمارسها <<حزب الله>> وتتخذ منها السلطتان اللبنانية والسورية ورقة ضغط فاعلة في وجه تفوق الآلة الإسرائيلية العسكرية، لتحقيق أهداف حيوية لكلا البلدين، مطلوب القضاء عليها.
وهو مطلب أميركي متجدد، ولكنه أضحى مرفقا اليوم بكثير من التهديد. مطلب لم تعد الإدارة الأميركية تسعى إلى تحقيقه بسلوك مساير ومهادن وبراغماتي، بل ان وتيرة الكلام المرتفعة لرئيس مجلس النواب نبيه بري التي جابه بها السفير الأميركي في بيروت فنسنت باتل عند اعتباره <<حزب الله>> منظمة إرهابية، <<جرّت عليه>> قطيعة أميركية واضحة.
حصل ذلك على الرغم من إدراك أميركي عميق، بنفوذ بري في مجلس النواب وقدرته على تعطيل إقرار مشاريع حيوية لهم.
إلى المقاومة وارتباط دورها بثابتة وحدة المسار والمصير مع سوريا، تبدو السرية المصرفية وهي ركيزة قوة النظام المصرفي اللبناني على <<مقصلة>> المجتمع الدولي، من خلال إلزام سائر دول العالم، بالقرار 1373 تاريخ 28 أيلول 2001 باتخاذ إجراءات، من شأن غياب الحكمة في تنفيذها أن تودي نهائيا بهذه السرية، لا سيما وأنها تتسلح بالإجراءات القمعية المنصوص عنها في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
ولا تبدو في مقابل هذه التطورات الانقلابية، أن ثمة عوامل قوة متوافرة في يد لبنان لتخطي هذا أو ذاك من المطالب الأميركية أو الدولية. فالرسائل الأوروبية الواردة الى بيروت، وإن تحلت بلغة هادئة، إلا أنها بالمحصلة تصب في خانة ما يطلبه الأميركيون بلغتهم الحادة.
ازاء ذلك كله، يفترض المنطق السليم ان تتأقلم اللغة السياسية اللبنانية، على مختلف مستوياتها ومواقع مطلقيها، مع هذه الاستحقاقات الداهمة، بحيث تكون السلطة عامل جذب لمعارضيها، وتتحول المعارضة الى عنصر صمود للسلطة حتى تتمكن من تحسين مواقعها التفاوضية.
فهل هذا حاصل في لبنان؟
السلطة: عود على بدء
تستدعي الإجابة عن هذا السؤال المحوري، أجوبة واقعية عن عدد من الأسئلة التفصيلية، لعل أبرزها معرفة متغيرات الأدبيات السياسية في ضوء الحادي عشر من أيلول. فعلى مستوى السلطة تبدو جسور الحوار مقطوعة مع معارضيها. ثمة محاولات حصلت قبل 11 أيلول وبعده لخلق دينامية تفاهم، ولكنها صبت كلها في خانة رفد طرف في السلطة بالدعم لتحسين شروط أدائه الداخلي، فباءت بالفشل وانعكست سلبا على مجمل الملف اللبناني.
وقد عبّرت رسالة الاستقلال التي وجهها رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، مساء الحادي والعشرين من تشرين الثاني الحالي عن هذا الواقع، عندما أشار الى انه لا يحق لأحد أن يحاول فرض رأيه على الدولة بوسائل غير مشروعة، أو أن يتسرع في محاولة فرض وجهة نظره من خلال التشويش والتحريض والفوضى، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالخيارات والقرارات الاستراتيجية والحساسة.
رئيس <<حركة التجدد الديموقراطي>> النائب نسيب لحود، وهو عضو فاعل في تجمعين سياسيين معارضين، وهما <<لقاء قرنة شهوان>> و<<المنبر الديموقراطي>>، لمس أن أدبيات ملتقياته السياسية معنية بالكلام الرئاسي، فسارع الى الرد ليجبه التهمة أولا، وليؤكد ثانيا ان مطالبة الدولة بتحقيق <<ثوابت المعارضة>> ستستمر بالوسائل المتاحة دستوريا.
كانت السلطة تأمل أن يكون الحادي عشر من أيلول مرتكزا لتوقف المعارضة عن الضغط ضد الموقف الرسمي المتمسك بخيار المقاومة في الجنوب بدل مطلب نشر الجيش للإمساك بالحدود، وبالعلاقة القائمة حاليا بين لبنان وسوريا بدل مطلب تعديل هذه العلاقة بغية تحصينها. ولكن ما رغبت به لم يحصل، وما ظنت أنها حصنته في السابع من آب، بالعملية الأمنية الواسعة التي شملت ناشطين في <<لقاء قرنة شهوان>> والتيارين <<العوني>> و<<القواتي>>، بدأ يتلاشى عشية الاستقلال، بحيث ظهر أن لبنان مقبل على حركة سياسية أفعل للمعارضة، وعلى تحركات طالبية اعتراضية واسعة.
وفي هذا الإطار، استعاضت السلطة عن حوار من شأنه تبريد الساحة الداخلية، على مدى <<الفترة الحرجة>>، بأسلوب حاد لمواجهة ذات مكتسبات داخلية بالنتيجة. وبدا أن الفعل الأمني يخدم هذا التوجه.
ففي 22 تشرين الأول الماضي كتبت <<لوموند>> تحقيقا عن مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط، اعتبرت فيه أن السلطة تتخذ من هذه المكافحة مبررا لضرب معارضيها. والمعارضة في لبنان لا تعتقد عكس ذلك، فما إن وجهت مرجعيات أمنية تحذيرات قاسية للطلاب، لعدم النزول الى الشارع بمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين لاستقلال لبنان، مشيرة الى ان الاتجاه العالمي يغلب حاليا منطق <<المصلحة العليا>> على منطق التحجج بشعارات حقوق الإنسان، حتى ارتفعت الأصوات المحذرة من عودة <<المشروع الأمني>> الى البلاد، بذريعة 11 أيلول والانعطافات الأميركية.
ولم تكن التحذيرات الأمنية القاسية مجرد رسالة لفظية وقائية، بل استتبعت برسالة عملية واضحة، إذ سجل للمرة الأولى، منذ العام 1990 على الأقل، دخول مجموعة عسكرية الى حرم جامعة القديس يوسف في منطقة مار روكز، حيث صودرت صور كانت تعرض هناك، عن الصدام العنيف بين رجال أمنيين والمعتصمين أمام قصر العدل من الطلاب في آب الماضي. هذه السابقة وفيها أيضا حس لنبض الشارع السياسي تعني أن التحذير القاسي في مكانه... فالحرم الجامعي لم يعد بعد اليوم حصنا منيعا يحمي الطلاب الممنوعين من العمل السياسي بالانتماء الى <<مجموعات سرية>> من قبضة الأمن وقضبان السجن.
في مقابل هذا الأداء السلطوي المتمسك بقواعد العمل السابقة للحادي عشر من أيلول، تبرز المعارضة مصرة على قواعد عملها القديمة أيضا. فلقاء قرنة شهوان، وهو أوسع تجمع للقوى المعارضة في الساحة المسيحية، حيث يلتقي <<الفكر السياسي>> للبطريرك الماروني نصر الله صفير ولتيار <<القوات اللبنانية>> (جناح سمير جعجع) و<<لكتائب>> الرئيس أمين الجميل، و<<الكتلة الوطنية>> وحزب الأحرار، ولغالبية الشخصيات السياسية المسيحية المعروفة بمعارضتها هذا اللقاء، ثابر على ثوابته المعروفة لا بل اتخذ من الحادي عشر من أيلول مبررا إضافيا للتوسع في توكيد أهميتها.
وقد بدا <<اللقاء>> أكثر إيمانا بدور <<لبنان السيد والمستقل>>، وباستعادة معناه، لأن ذلك لا يوفر مستقبل اللبنانيين فحسب بل <<ضرورة لمحيطهم>>. وهاجم من لعب دورا في إحباط هذا النهوض اللبناني بحيث <<كان مأمولا، بعد انتهاء الحرب، ان تقوم دولة الحق والسيادة، وان تشكل عامل اطمئنان للجميع، غير ان الممارسة جاءت منافية لوثيقة الوفاق الوطني وأحكام الدستور، مما أدى الى توجيه ضربة قاسية إلى مفهوم دولة الحق والسيادة>>.
وابتعد <<اللقاء>> عن عبارة دولة القانون، لأن السلطة قد تواجهه بها، لإحباط كثير مما يطالب به، ولجأ الى عبارة دولة الحق بحيث يتلاءم مطلبه هذا مع اعتبار أن ثمة قوانين قد تكون ظالمة وتحتاج إلى تعديل لتكون محقة.
المقاومة: الماضي والمستقبل
وأصر <<اللقاء>> على ثوابته السابقة ل11 أيلول فجدد مطالبته بانتشار الجيش في الجنوب <<لحماية الشعب والأرض>>. وهو إذ سعى الى تبني الموقف اللبناني الشامل من ضرورة التمييز بين الإرهاب والمقاومة، بدا غير مقتنع بضرورة استمرار أعمال المقاومة في الجنوب، بحيث اعتبر ان المقاومة <<ناضلت من أجل تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي>>، أي أنها لم تعد حاليا تناضل لذلك.
وأكثر، فهو مع خيار تحرير مزارع شبعا <<بالوسائل الدبلوماسية>>، إذ دعا الى ترسيم الحدود هناك وإيداعه الأمم المتحدة <<وفقا للأصول الدولية المتبعة>>.
ولا يذهب <<اللقاء>> في الاتجاه الرسمي بملف محاربة التوطين: فبالنسبة إليه ليست المقاومة في الجنوب هي من يحقق ذلك، لأن <<الاستقرار في المنطقة رهن بقيام دولة الاستقلال في فلسطين وعاصمتها القدس، وهو الأمر الذي يشكل الأساس مع استعادة الجولان ومزارع شبعا، في قيام سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط، وفقا للقرارات الدولية ما يحول دون توطين الفلسطينيين في لبنان>>.
ويعتقد <<اللقاء>> ان الدولة اللبنانية لم تبرز، في ضوء 11 أيلول، على مستوى الحدث والمسؤولية.
وينتهي ليؤكد بعد تمسكه بمطلب تصحيح العلاقات اللبنانية السورية على قاعدة جدولة انسحاب جيشها عن لبنان، الى اعتبار ان لبنان يملك طاقات كبيرة في الداخل والاغتراب تؤهله الى الاضطلاع بدور أساسي في هذا التحول المطلوب على صعيد المنطقة، شرط أن يستعيد سيادته واستقلاله وقراره الوطني الحر.
وشكلت هذه الإطلالة السياسية المعارضة الأهم، منذ الحادي عشر من أيلول، الإشارة الأولى الى اتساع التعارض مع ثوابت السلطة، والى مدى فشل ما قيل انه حوار سياسي، والى متانة تمسك كل طرف بما ينبغي تحقيقه.
وللسلطة دور أساسي في إيصال الأمور الى هذا المستوى، مع فشلها في تسويق بدائل عملت جديا على إبرازها في الساحة، ومع ظهورها عاجزة عن الاتفاق على إدارة جيدة لسائر ملفات الداخل اللبناني.
وقد يكون النائب نسيب لحود، أهم من عبّر عن أسباب تمسك المعارضة بمطالبها، إذ سأل: <<ماذا نطلب كي يقال لنا أرجئوها الى ما بعد مرور العاصفة الدولية؟ ومن يعرف كم ستطول هذه العاصفة؟ وكيف سنواجهها أفضل: بالإصلاح والحرية أم بالقمع والفساد والمحاصصة؟
وما لم تقله صراحة وثيقة <<لقاء قرنة شهوان>>، عبّرت عنه مواقف أطراف أساسية فيها.
فحزب الوطنيين الأحرار دعا في وقت لاحق، الى وضع حد للجزر الأمنية (المخيمات الفلسطينية) وطالب ببسط سيادة الدولة بأدواتها الذاتية على كامل تراب الوطن والعمل على ألا يبقى سلاح إلا السلاح اللبناني الشرعي.
وثيقة <<المنبر الديموقراطي>> وهو حليف في <<المقلب الآخر>> للقاء قرنة شهوان، لم تبتعد أبدا، عن ثوابت المعارضة المسيحية، بل تماهت معها في وجه السلطة وثوابتها.
كان من المقدر لهذا المنبر أن يشهد انحدارا في مستواه السياسي، بابتعاد <<الحزب التقدمي الاشتراكي>> عنه، لكن رئيسه وليد جنبلاط وبعد تردد حسم خياره وعاد الى رعاية <<المنبر>> ورفده بالمدى المعنوي الذي يحتاجه.
لم يعدّل الحادي عشر من أيلول كثيرا في خطاب وليد جنبلاط، بل زاد مفاصله الحادة حدة.
جنبلاط عدل خطابه من سوريا، قبل ذلك بكثير... ولكنه مع تداعيات 11 أيلول، رفض أن يكون سلاحا ضد <<حزب الله>>، فأعلن انه مع تحرير مزارع شبعا عسكريا.
وأعاد خطابه الهادف الى حماية خيار المقاومة، مع ما تعنيه من تحالف استراتيجي مع سوريا، صلات قطعت مع <<حزب الله>> الذي شاء الإفادة من توجه جنبلاط، ليكون <<رسول ود>> بينه وبين الأطراف المسيحية التي سبق <<لزعيم المختارة>> ان تحالف معها، منذ الانتخابات النيابية في العام 2000 واتخذت مداها الواسع بزيارة البطريرك صفير الى الجبل.
وتعاطت سائر الأطراف المسيحية بهدوء مع موضوع توصيف المقاومة، وبدت بحذر المترقب على استعداد للوقوف الى جانبها للحيلولة دون التضحية بها على مذبح المصالح المتشابكة مع الولايات المتحدة الأميركية.
وكانت لرسائل جنبلاط في هذا الإطار تأثيرات أساسية. إلا أن جنبلاط رفع وتيرة كلامه الحاد على المشروع الأمني في لبنان، واصفا القيمين عليه والمصممين على السير به قدما، مستفيدين من <<إغراءات 11 أيلول>>.. بالجهلة.
ولكن التغيير الطفيف في الخطاب الجنبلاطي لئلا يتماهى مع الموقف الأميركي الذي استعار منه الشعار السابق <<هانوي أم هونغ كونغ>> في التعاطي مع لبنان للحصول على رأس المقاومة، لم يمنعه من الوقوف مرة جديدة الى جانب <<المنبر الديموقراطي>> بوثيقته التي تنادي بأمور يؤيدها جنبلاط ولكن يقدم عليها أمورا أخرى وفي طليعتها التصدي للمشروع الأمني.
للحصول على النص الكامل سحب الملف PDF