إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
أخبار التجدد/

تقرير عن اليوم الثاني لندوة الخصخصة (صحيفة السفير)

مناقشات اليوم الأخير من ندوة خيارات الخصخصة في لبنان
بيع الموجودات والأصول قبل انفجار الأزمة أم بعده؟
فريقان ومستويان في السجال: هي السحر او الكارثة

صحيفة السفير - محمد زبيب

أي توقيت للخصخصة؟ قبل انفجار الأزمة، أم بعدها؟ هذا السؤال الذي رافق مناقشات الجلسات الخمس من ندوة حركة التجدد الديموقراطي عن خيارات لبنان في خصخصة المرافق العامة... وضع حدودا واضحة بين فريقين منقسمين، وأظهر وجود مستويين متباعدين في شكل ومضمون التعامل المحلي مع هذه القضية الوطنية الحساسة أي الخصخصة...
فريق ينظر الى الواقع الاقتصادي والاجتماعي المعيوش، نظرة سلبية تعتبر هذا الواقع ينطوي على كارثة كبرى، وترى أن الأزمة بنيوية شاملة، لا تنفع معها السياسات والإجراءات المالية الصرفة التي تعتمدها الحكومة، بل قد تزيد الأزمة تأزما، والبنية تشوها... وبالتالي فإن الخصخصة في ظل الواقع، لا تتجاوز هدف شراء المزيد من الوقت وتأجيل ساعة الانفجار، وهذا يعني أن الخصخصة ستقضي على أصول وموجودات الدولة وهي ثروتها الوحيدة وأحد مصادر دخلها من دون أن تقضي على الأزمة ومصادرها وأسبابها ونتائجها الأساسية... بل ان تأجيل الانفجار عبر بيع هذه الأصول والموجودات مهما كانت العائدات يعني أن الانفجار سيقع من دون أن تكون هناك أي وسيلة لامتصاص نتائج هذا الانفجار، لأن 'الثروة' القابلة للاستخدام ستكون قد فقدت، وأصبحت في عهدة أصحاب المصالح أنفسهم الذين يستفيدون من الواقع الحالي على حساب الأكثرية الساحقة للبنانيين.
وفريق آخر ينظر الى الواقع الحالي، نظرة سلبية أيضا، ولكنه لا يعتبره كارثيا. ويرى أنه يعاني من مشكلات جزئية ظرفية، تمكن معالجتها عبر المزيد من التوسع بالسياسات والإجراءات المالية التي تعتمدها الحكومة، وضمنها 'الخصخصة' الواسعة، بهدف 'ترشيق' القطاع العام وتقليص حجمه، وتأمين موارد لإطفاء جزء من الدين العام وبالتالي تخفيض خدمة هذا الدين والعجز في المالية العامة... وهذا يعني أن الخصخصة هي الوسيلة الأساسية لتفادي انفجار الأزمة.

مستويان

مستوى من النقاش يتعامل مع 'الخصخصة' باعتبارها تفصيل في الخطة العامة المطلوبة للإنقاذ، وهو تفصيل تسبقه تفاصيل كثيرة تتسم ب'الجذرية' تنطلق من الإصلاح السياسي للنظام وقوانين الانتخاب وإزالة التشوهات البنيوية في الاقتصاد والمجتمع، وتمر بالإصلاح المالي ولا سيما في جانبه الضريبي، وإصلاح الإدارة والقضاء على الفساد و'الصفقات' والمحاصصة، وترشيد الإنفاق العام والقضاء على مظاهره التوزيعية الطائفية، وصولا الى تحديد دور لبنان الاقتصادي وخياراته التنموية وإمكاناته وقدراته التننافسية وعقده الاجتماعي، وأساليبه في تحقيق العدالة والمساواة والمواطنية... أي أن الخصخصة جزء من عملية تغيير سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي، تتضح في خلالها أدوار الدولة ووظائفها ومفاهيم الخدمة العامة ومضامين التنمية التي لا مرادف لها سوى 'تنمية الإنسان'، وإلا لا تكون 'تنمية'، بل شيء آخر...
ومستوى آخر من النقاش يتعامل مع هذه القضية، باعتبارها 'تقنية' لا علاقة لها ببنية النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي ولا بنسق القيم المختلفة، وبالتالي يغرق هذا النقاش بالتفاصيل عن الأشكال 'الدارجة' وأساليب 'البيع' و'الشراء'، ودور 'السوق'... ويجتهد في عرض 'الموضة' وكأنها شرط لا مناص منه للعولمة والانفتاح و'التحرير' الاقتصادي الذي للبنان مصلحة فيه ورغبة! ولا يغفل هذا المستوى تزيين الخطاب ال'نيو ليبرالي' بشرح تقنيات الرقابة والضبط والمنافسة الكفيلة بتأمين مصالح جميع الفئات، بل يذهب أحيانا الى المغالاة في ربط 'الخصخصة' بمكافحة البطالة والتدهور المعيشي.
فريقان ومستويان، لا يتصلان، وإذا اتصلا فعلى خيوط رفيعة لا تحدث تغييرا يذكر، وتكاد تنحصر بمسائل تتعلق بعدم وجود موقف 'ضد' الخصخصة بالمطلق، أو بمسائل تتعلق بعدم جدوى تملك الدولة لعدد محدود من المؤسسات التي اضطرت الدولة لتملكه نتيجة حالات الإفلاس والفساد أو 'سوء الإدارة' عندما كان في عهدة القطاع الخاص!
انعقدت الندوة بالتعاون مع مؤسسة جان جوريس الفرنسية على مدى يومين (الجمعة والسبت الماضيين).

ليست السحر

من مثّل من، في اليوم الأخير من هذه الندوة؟ وكيف عكست الانقسام العام حول هذه القضية؟
لعل الخبير الاقتصادي شربل نحاس كان الأكثر وضوحا في طرح أفكاره، وقد يكون الأكثر حدة، فالخصخصة برأيه، جزء بسيط من القصة، وعائداتها إذا حصلت ستنفق على ريع الفوائد، لأنها لن تلغي الدين، ولن تكون العصا السحرية لانضباط المالية العامة، وجل ما ستفعله أنها ستمنح وقتا إضافيا قصيرا أو طويلا قبل الانفجار... وهي لذلك لن تكون متوافرة كوسيلة أو رافعة بعد الانفجار، وبالتالي سيكون الانفجار مدويا جدا.

ماذا تعني الخصخصة في لبنان؟
فالسمة الغالبة والكلام لنحاس كانت ولا تزال 'تخصيصا' واسعا لمنافع الخدمات العامة، يقابله 'تعميم' أوسع لتكاليف هذه الخدمات... فهناك اعتماد مطلق على ضرائب الاستهلاك، التي تذهب الى أصحاب الرساميل عبر خدمة الدين العام.
ماذا سيخصخص؟ في لبنان مؤسسات لا مبرر لوجودها أو لتملكها من الدولة، إلا تخصيص منافعها، وهناك مؤسسات تقدم خدمة عامة، ولكن عندما يتم طرح 'الريجي' للخصخصة مثلا، يتبدى أن المطروح هو تخصيص الرسوم والضرائب التي تجبى عبر هذه المؤسسة، وهذا ينطبق على 'الخلوي'، إذ يتبدى أن المطروح هو خصخصة رسم ال6 سنتات، لأن هذا القطاع هو في عهدة القطاع الخاص أصلا... فإذا كان هذا هو المطروح، فيمكن عندئذ خصخصة الجمارك، فما الذي يمنع؟!
'إن الفساد في لبنان وظيفة أساسية، لا تلغى بالوعظ'، والمطلوب عند نحاس تمويل إعادة تكييف عناصر الإنتاج وتخفيض الاختلالات مع الخارج، وليس إعادة تمويل العجز بالخصخصة أو بالقروض الدولية، فالدعم المباشر لإنشاء مجالات عمل تؤدي الى التصدير وإنتاج السلع والخدمات القابلة للتبادل، هو المدخل، وليس 'الهوس' بنموذج دبي، لأن هذا 'الهوس' يمكن أن يؤدي الى بلد يتكون من 'دبي' (أي سوليدير) ومن 'باب التبانة'، وبينهما'العسكر'.

 

آثار اجتماعية بالغة

وطرح وزير الاقتصاد السابق رئيس دائرة الاقتصاد في الجامعة الأميركية سمير المقدسي الإشكالية في بعدها الآخر أي بعدها الاجتماعي ، فمظاهر الأزمة في الاقتصاد اللبناني تتصل بالمديونية المتصاعدة وعجز الموازنة وارتفاع معدل البطالة والهجرة... وهنا يطرح السؤال: هل ان عملية 'الخصخصة' تأخذ بالاعتبار الآثار الاجتماعية، أم أنها تقصر اهتماماتها على الجوانب المالية؟ ويرى أن الخصخصة هدفها الرئيسي ترشيد استعمال الموارد المتاحة ورفع مستوى الإنتاجية، وليس كما يطرح في لبنان من أجل تحقيق ربح مالي مؤقت ولمرة واحدة... وكفى.
إن الآثار الاجتماعية للخصخصة كما يراها الخبير الاقتصادي نجيب عيسى على علاقة وثيقة بأشكال هذه الخصخصة وأهدافها وطبيعة نشاط المؤسسات المعروضة للخصخصة والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تتم في ظلها... ولذلك يجب أن تأتي في سياق إصلاح شامل وبرنامج يهدف الى الاستقرار ويضمن مستوى الأسعار والعمالة والتشغيل ومستوى المعيشة وتوزيع الدخل.

 

الريع السياسي

' لبنان: ريع سياسي، بطالة مقنعة، شبكة توزيع... وكلها وظائف سياسية واجتماعية في صلب النظام اللبناني'، بحسب ما يراه المستشار في شؤون التنمية أديب نعمة... لذلك 'الخصخصة' هي عملية متعددة المستويات في لبنان:
سياسية ليست من منظور مسألة الشفافية ومواصفات التقنية، وانما من منظور مسألة معالجة وظيفة الريع السياسية، ودولة 'المزرعة' و'المحاصصة'، فالخصخصة، إذاً، هي تقاسم حصص، أي ان 'الحصحصة' ستكون الشكل اللبناني ل'الخصخصة'.
واجتماعية بمعنى تعطيل الوظائف التوزيعية بدون بدائل وحماية للعمل والأجور.
واقتصادية تضع كل شيء في يد قطاع خاص 'متخلف' عندنا، لهدف قصير المدى وغير قابل للتحقق هو احتواء نمو الدين العام، أي أن منطق الدولة 'الشركة' سيكون الوجه الآخر للدولة 'المزرعة'، وهو متحالف معها لحاجة موضوعية...
'لا يمكن أن أجد إيجابيات للخصخصة' ينتهي نعمة الى هذه العبارة، فهناك تباطؤ في الدول النامية عموما في تطبيقها خوفا من آثارها الاجتماعية، نموذج العلاج بالصدمة الذي طبق في روسيا كان كارثة تامة. النسق الحالي من الوصفات النيوليبرالية هي استثناء وهي تعبير عن مرحلة انتقالية، نوع من مرحلة تراكم أولي لرأسمال في طور العولمة، ومحاولة فرض هذا النسق على الدول النامية كافة، وعلى الدول المتقدمة، مآله الفشل الأكيد في زمن متوسط، وربما أقل مما نتوقع.

 

للحصول على النص الكامل سحب الملف PDF

← العودة إلى أخبار التجدد