مقال لباسم الجسر عن الاحزاب اللبنانية(1) (صحيفة السفير)
'طفرة' الأحزاب والتجمعات السياسية على جسم لبنان (1) عدد الأحزاب الكبير ونوعياتها ودورها وأنظمتها توهن الوطنية والديموقراطية
صحيفة السفير - باسم الجسر
كما ان 'الثوب لا يصنع الراهب' مثل فرنسي كذلك لا تصنع الانتخابات والمجالس النيابية والتعددية الحزبية، الديموقراطية في لبنان. وكيف حين تكون الانتخابات مشوبة، بشهادة الجميع، بالعيوب والضغوط والمعطلات؟ او حين تكون الحياة النيابية اقرب الى التمثيلية منها الى التمثيل الشعبي الحقيقي؟ او تكون 'السلطات' متداخلة ومتشابكة ومعطل بعضها للبعض الآخر؟ او حين يبلغ عدد الاحزاب والتكتلات والحركات والتجمعات السياسية، من طائفية وغير طائفية، هذا الحد الذي بلغه في جمهوريتنا.. السعيدة؟
من الخارج، وبالنسبة لمعظم الدول العربية او دول العالم الثالث، تلوح الديموقراطية اللبنانية افضل من غيرها بكثير. هذا ما يردده بعض محبي لبنان. وما يمنن به حكام لبنان الشعب منذ ما حكموه. وما هو، نسبيا، صحيح. اما اذا سلط على جسم هذه 'الجمهورية الديموقراطية البرلمانية اللبنانية'، وعلى الاحزاب اللبنانية اشعة لتكشفت عن التهابات، لا تقلق ناظرها فحسب، بل تحمله على الشعور بالاحباط وبالخوف على مصير الجمهورية وربما الوطن.
لقد كتب الكثير عن النظام السياسي الطائفي الذي يعطل نشوء المواطنية اللبنانية، وبالتالي الشعور او الولاء الوطني عند اللبنانيين. ولم تتوقف العقول السياسية اللبنانية، منذ اجيال، عن البحث عن قانون الانتخابات الامثل او الافضل او الاقرب الى تصحيح او تحسين التمثيل الشعبي. ومنذ ان وضع اتفاق الطائف (والأجدر تسميته باتفاق الطوائف او بالميثاق الوطني الطائفي الجديد)، والمجتهدون في تطبيقه او تبريره او شرحه، يحاولون، كل من موضعه الطائفي، تفسيره بالشكل او المحتوى الذي يناسبه او يزيد من 'حصة' طائفته في الحكم او التقرير. الا ان هناك 'علة' لم تحظ، حتى الآن، بما تستحق من اهتمام او عناية، ونعني: 'الطقم السياسي اللبناني' اي هذا العدد الكبير من الاحزاب والسياسيين والزعماء والمرجعيات والقوى، الذي يبدو اكبر بكثير من جسم او حاجة او طاقة وطن صغير كلبنان، وقدرته على استيعابه.
صحيح ان لا ديموقراطية من دون احزاب سياسية. وان ديموقراطية 'الحزب الواحد' هي التي أودت بالاتحاد السوفياتي والانظمة الاشتراكية، ونكبت الامة العربية بأنظمة سياسية دكتاتورية او شبه دكتاتورية، لم تحقق لهذه الامة شيئا مما وعدت به قبل استيلائها على الحكم، وأودى بعضها ببلاده وبالأمة جمعاء الى أحلك المهالك والمصائر. ولكن ان ينشأ، في بلد صغير كلبنان، ويستمر ويتجمع ويتنازع، هذا العدد الكبير من الاحزاب والتيارات والقوى السياسية، فظاهرة غير طبيعية، وغير صحية، بل وغير ديموقراطية ايضا وهي تستحق التوقف عندها وطرح السؤال الذي لم يطرح، بشكل جدي، حتى الآن، وهو: هل من مصلحة لبنان، ومصلحة 'الامة'، ان تبقى كل هذه الاحزاب؟ وان يتزايد عددها؟ وان يشتد تنازعها وتزاحمها على الحكم؟ ام ان العكس هو الأصح؟
الاحزاب العقائدية
قد يكون الحزب الشيوعي هو اكبر الاحزاب اللبنانية سنا (سبعين او ربما ثمانين عاما). ولكن احزابا ك 'الحزب القومي السوري' و'الكتائب' و'النجادة'، بل و'الكتلة الدستورية' و'الكتلة الوطنية'، التي نشأت في الثلاثينات من القرن العشرين، ليست اصغر سنا منه، بكثير. وهذه الاحزاب التي ما زالت حاضرة في المشهد السياسي اللبناني رغم تفاوت حجم دورها او اهميته تغيرت ادوارها الوطنية، او الطائفية، والوجوه التي تقودها اكثر من مرة منذ تأسيسها. كما تغيرت الاوضاع والمعطيات الوطنية والسياسية التي دعت الى نشأتها.
لقد نشأت احزاب وتكتلات سياسية عدة بعد الاستقلال منها ما لم يعمر سوى سنوات قليلة، وانطفأ او اضمحل بسبب ظروف قاهرة او مع تغير 'العهود الرئاسية'، او مع غياب مؤسسه او مؤسسيه. ولكن عددا كبيرا منها استمر، متناميا او متحجما، حتى ايامنا هذه فحزب 'النداء القومي'، مثلا، الذي ورث 'حزب الاستقلال' (عزيز هاشم) وولد مع الاستقلال 'حول' رياض الصلح والعائلة الصلحية، لم يعمر طويلا، وانتهى فعليا بعد غياب رياض الصلح و'الحزب الدستوري' الذي تعهد انشاءه فيليب تقلا، على انقاض الكتلة الدستورية، لمعارضة عهد كميل شمعون، في الخمسينات، لم يكتب له الاستمرار، اذ لم يقدر له، كما قدر 'للكتلة الوطنية'، مع العميد ريمون اده، قيادة جريئة تجدد مبررات استمراره او تعطيه زخما سياسيا جديدا الا ان 'الحزب التقدمي الاشتراكي' الذي انشأه كمال جنبلاط، مع عدد من المفكرين ومن شخصيات معنوية تنتمي الى كل الطوائف، نجح في الاستمرار وفي احتلال موقع مميز ومهم على الخريطة السياسية والوطنية اللبنانية، في الخمسينات والستينات والى يومنا هذا. ولكن هذه الاستمرارية وهذا الحضور، انما يعودان، في الدرجة الاولى، الى شخصية كمال جنبلاط ثم نجله ووريث زعامته وليد جنبلاط والى القاعدة الشعبية الدرزية التي تدين بالولاء السياسي له. صحيح ان الحزب التقدمي الاشتراكي، لعب ادوارا تقدمية ووطنية لبنانية وقومية عربية تتعدى هويته الدرزية او الجنبلاطية، وان هذه الادوار اكسبته حضورا دوليا وعربيا مميزا. ولكن سر استمراريته وتأثيره في السياسة اللبنانية، انما يعود، بالدرجة الاولى الى تزعم البيت الجنبلاطي له.
والى جانب هذه الاحزاب الجديدة او المتجددة، نشأت في الخمسينات احزاب 'عقائدية' و'قومية' و'يسارية' و'طائفية' و'علمانية' و'ثورية'، عدة منها ما انطفأ في السبعينات، او الثمانينات ومنها ما لا يزال مستمرا بأشكال او احجام ما.
فحزب 'البعث' الذي انقسم الى حزبين، 'سوري' و'عراقي' الانتماء استقطب عددا كبيرا من المثقفين والشباب المؤمنين بالقومية العربية والاشتراكية في لبنان، كان لهم وجودهم ودورهم على الساحة السياسية اللبنانية، في الخمسينات والستينات، ونجح بعض قيادييهم في دخول المجلس النيابي (عبد المجيد الرافعي في طرابلس)، وشاركوا فعليا في تحريك الشارع الاسلامي وقيام الجبهات القومية اليسارية (وفي ثورة 1958)، ودعم المقاومة الفلسطينية. ولكن النزاع بين نظامي البعث العراقي والسوري قسمهم الى حزبين متنازعين سياسيا رغم رفعهما الشعارات القومية والسياسية ذاتها. كان لحزبي البعث وجود سياسي وقتالي من ضمن الجبهة الفلسطينية الاسلامية التقدمية، خلال الحرب اللبنانية (حتى بعد ان أبعد عبد المجيد الرافعي والبعثيين 'العراقيين' عن لبنان). وبطبيعة الحال قطف البعثيون 'السوريون' واصدقاؤهم ثمرة نضالهم بعد انتهاء الحرب وقيام الحكم اللبناني الجديد برعاية سوريا، بدخولهم المجلس النيابي والحكومات اللبنانية.
للحصول على النص الكامل سحب الملف PDF