مقال لباسم الجسر عن الاحزاب اللبنانية(2) (صحيفة السفير)
'طفرة' الأحزاب والتجمعات السياسية على جسم لبنان (2) الديموقراطية ضحية الأحزاب أم الأحزاب ضحيّة للتحولات العالمية والإقليمية؟
صحيفة السفير - باسم الجسر
هل ان وفرة الاحزاب والزعامات والحركات والتكتلات السياسية الحزبية هي سبب تعطيل او تشويه الحياة السياسية الديموقراطية؟ ام ان الواقع الوطني والسياسي الراهن في لبنان، قبل الحرب وأثنائها، وخصوصا بعدها، والتحولات العالمية والاقليمية بعد انتهاء الحرب الباردة، هي ما تلقي بثقلها على الأحزاب السياسية في لبنان، وتشلّ او تعطل تفاعلها مع المجتمع المدني اللبناني ودورها في النظام الديموقراطي البرلماني اللبناني؟
في كتابه الممتاز عن 'الاحزاب السياسية في لبنان'(1)، حاول الدكتور فريد الخازن الاجابة على هذا السؤال وغيره من الاسئلة الكثيرة التي يطرحها عدد من الباحثين في هذا الشأن(2). وفي استعراض سريع لأهم ما توصل اليه المؤلف والباحثون الآخرون الذين يستشهد بدراساتهم ومؤلفاتهم، تتجلّى حقائق سياسية مرّة بل وخطيرة.
ماذا يقول الدكتور فريد الخازن وزملاؤه من العلماء والباحثين في السياسة، عن الأحزاب اللبنانية؟
شهد لبنان، بعد الحرب، تراجعا في الحريات والديموقراطية. فالأحزاب تشدد على اعتماد الديموقراطية ولكن ليس هناك محاولات جدية او كثيرة في هذا الاتجاه 'فالاحزاب تسودها حالة من الرضى على الذات رغم انها تعاني في اكثرها ازمة قيادية' (نهاد حشيشو)(3).
إن مشهد الاحزاب لا يدعو الى التفاؤل لا من حيث الأداء ولا من حيث القدرة على إحداث تغيير ديموقراطي. فعلى الاحزاب ان تبدأ بتطبيق وعيش الديموقراطية في داخلها. ولكن هل تلتزم الاحزاب بالديموقراطية إذا تبين لها انها في غير مصلحتها؟ (الياس عطا الله)(4).
ويقول فريد الخازن: ان النظام القائم بعد الحرب في لبنان لا يشجع على تقبل الديموقراطية. فالوصاية السورية والشخصانية تحولان دون ذلك. وهناك اسباب اخرى أهمها غياب او ضعف المجتمع المدني وتأثير المال على المؤسسات الاعلامية وتراجع الحريات.
ان العالم، يقول الخازن، دخل في حقبة ما بعد الايديولوجية. والاحزاب في العالم تحولت عن وظائفها وأصبحت آلات للضغط اكثر منها آلات للوصول الى الحكم، ويتساءل: اين هي الاحزاب اللبنانية من هذه التغييرات العالمية؟ اين هي التحولات التي طرأت على وظائف الاحزاب في لبنان وآلة عملها؟ انها لا تزال لها وظائف تقليدية في نظام الوجاهة اللبنانية. لقد كانت الاحزاب اللبنانية متفاعلة مع القضايا المطروحة في السبعينات ومتفاعلة مع قواعدها. اما الآن فإنها تدور في فلك منفصل عنها فالثورة او السيطرة على المجتمع في عصر العولمة مفاهيم ساقطة. واصبحت الديموقراطية الليبيرالية والاقتصاد الحر هي الشعارات المرفوعة في كل انحاء العالم. وان الاحزاب في لبنان في غربة عن هذه القضايا الجديدة.
ويستثني الخازن، وباحثون آخرون، الاحزاب الاسلامية المتصلة بتيار او نهج عالمي. مع الملاحظة بأن هذه الاحزاب الاسلامية في لبنان ترفع شعارات كبيرة تفوق قدرتها، ليقول: ان الاحزاب اللبنانية ما زالت اسيرة أفكار وعقائد وذهنيات تعود الى حقبة الحرب الباردة وما قبلها وباستثناء 'حزب الله'، فإن جميع الاحزاب اللبنانية تعاني ازمات: أزمة الدور وأزمة الهوية وأزمة البرامج والانتماء وأزمة السلطة الحزبية. اما القاسم المشترك بينها فهو ضمور الديموقراطية في مسلكها الحزبي وفي دورها السياسي وفي النظام والمجتمع المدني.
أزمة الثقافة السياسية والثقافة الحزبية
لقد تناول أكثر من باحث اشكالية الثقافة السياسية والحزبية في لبنان والدول العربية، واتفق بعضهم على ان مشكلة الحزبي انه يعتقد بأنه يمتلك وحده الحقيقة، وبالتالي يسعى الى الغاء الآخرين. وهكذا 'تحولت ملاعب الاحزاب السياسية الى ساحات ودورها الى ثكنات ورجالها الى مقاتلين (رغيد الصلح)(5). ويقول هاني فحص: '...تكاد احزابنا التي عرفناها ونعرفها تكون واحدة بطبعات مختلفة الالوان والاحجام والمقدمات والخواتيم. لا يؤثر اسقاطها او سقوطها سهوا، في التماثل المنهجي شبه التام بين حزب مؤمن وحزب ملحد، بين حزب علماني وحزب طائفي او مذهبي، بين حزب يميني او حزب يساري، بين حزب عمومي وحزب شخصاني'(6). ويضيف شوكت سليم اشتي في 'التجربة الحزبية في لبنان'(7)، مقارنا بين التربية الحزبية السياسية في كل من الحزب الشيوعي وحزب الكتائب: '... ان سمات التربية الحزبية في كلا الحزبين واحدة وهي: الطليعية، التمايز، رفض الآخرين، التبريرية، النصّية، الاسلوب التلقيني، الانتظام، التعاون، العصبوية'. وان هذه التربية الحزبية حوّلت الحزب الى نقيض دعوته، وأثمرت عن قيام مجتمع حزبي موازٍ لمجتمع الأكثرية غير الحزبية وأقامت سداً منيعاً بين المجتمعين'.
المجتمع المدني والمجتمعات الحزبية
في ختام كتابه، يقول فريد الخازن، مستشهدا بدراسات وأبحاث باحثين آخرين في مشكلة الاحزاب السياسية في لبنان: ان الاحزاب في لبنان ترفع شعارات واهية. فالخلافات بين الاحزاب في العالم تدور حول رئاسة الدولة، اما عندنا فالاحزاب تتنافس على سبب وجودها ثم ان التربية الحزبية السياسية في لبنان لم تستطع تقديم نموذج حزبي سياسي مختلف عن السائد في صيغة البنية التنظيمية والعلاقات الحزبية التي تحكم حياة الحزب داخلياً. وان عليها ان تنخرط في مجتمعها المدني على اساس قبول الآخر، وأن 'تتخلّى عن عضويتها الممتازة في الحياة السياسية' محمد كشلي(8). انها اشبه بنواد مغلقة تطغى عليها اصولية فكرية او طائفية او علمانية.
ثم ان الحرب حولت بعض هذه الاحزاب، بعد ان دخلتها، من احزاب غير طائفية الى احزاب يغلب عليها اللون الطائفي او المذهبي الواحد.
للحصول على النص الكامل سحب الملف PDF