هل من معارضة حقيقية في لبنان؟ وماذا تعارض؟ [2 من 2] العلاقات السورية - اللبنانية والوضع الاقتصادي في رأس الأولويات ... لكن السطة لا تريد أن تسمع ! (تحقيق في صحيفة النهار)
تحقيق رلى مخايل
ساهمت "الجيوستراتيجيا"، التي استخدمت كذريعة، في تشويه النظام الديموقراطي، وتعطيل دور المؤسسات الراعية له، وبذلك فقدت الحياة السياسية اللبنانية سمة ميّزتها لفترة طويلة عن محيطها العربي. فأصبح تداول السلطة اسير "كلمة السر" الاتية من دمشق. ووجد المعترضون على الواقع القائم انفسهم اسرى "موقع" لبنان في الصراع الاقليمي، فأنقسموا بين موالين ومعارضين لمعطيات هذا الصراع. اشكال الانقسامات والمواقف تبلورت وفق الانتماءات التقليدية لهم. والجو العام السائد: شعور بعدم القدرة على التغيير، وعجز عن الوصول الى الحكم او محاسبة احد لأن المسؤولين أنفسهم لا يشعرون انهم يدينون بمواقعهم للشعب. فكيف تبدو التجربة؟
اجتماع للقاء قرنة شهوان.
... وللجبهة الوطنية للإصلاح.
ناصر قنديل.
سمير عبد الملك.
ألبير منصور.
يبدو الصراع الداخلي بتفاصيله اليومية يدور على جبهتين: صراع داخل الحكم على طبيعة الاداء، وصراع من داخل الحكم وخارجه بين حكام حاليين في السلطة وحكام سابقين وجدوا انفسهم خارج نعيمها. في حين يبرز الموقف من موقع لبنان في الصراع الاقليمي كخط الاشتباك الوحيد ذي المعنى السياسي. وكانت ترجمته العملية بروز معارضة حقيقية للوجود السوري في لبنان. لكنّ الانقسام حول موقع لبنان في الصراع الاقليمي، بحسب النائب ناصر قنديل، لم يستطع ان يزيل عن هذه المواقف الطابع الطائفي. فعنده ان "الكتلة الاساسية في البلد المعترضة على العلاقات اللبنانية- السورية اي لقاء قرنة شهوان، رغم بحثها عن فرقاء مسلمين وتظهير بعض علاقاتــها على انهــا نوع من التفـاهم الســياسي الضمني حول موقفها، لم تستطع ان تجد شريكا بين المسلمين يتبنى خطابها السياسي".
حالات اعتراضية
في لبنان اليوم حالات اعتراضية عدة لكنها تبقى حالات تشكل قوى ضاغطة ذات تأثير ودور محدودين. ومن هذه الحالات الاعتراضية: لقاء قرنة شهوان، التيار العوني، حركة الشعب، الحزب الشيوعي، المنبر الديموقراطي، لقاء الوثيقة والدستور، حركة التجدد الديموقراطي....، وكذلك في الامكان الاشارة الى ان حزب الله يشكل حالة من الحالات الاعتراضية في بعض الامور المتعلقة بالشق الاجتماعي.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: كيف يمكن هذه الحالات الاعتراضية ان تتحول معارضة حقيقية؟ علما ان على المعارضة الحقيقية ان تأخذ معطيات الواقع السياسي اللبناني في الاعتبار، وموقع لبنان في الصراع الاقليمي - اذا ما اعتبرنا هذا الموضوع هو الاشكالية التي قلبت المعادلة الديموقراطية في لبنان- فتعالج هذه المعارضة القضايا المتعلقة بالصراع العربي - الاسرائيلي، والعربي - العربي، وبالتالي علاقة لبنان بالعالم العربي وخصوصا سوريا وصولا الى الوضع الداخلي المتمحور حول قضايا النظام والصيغة والاوضاع المعيشية. اضافة الى ان هناك خصوصية للوضع اللبناني تعطي صدقية للمعارضة او تحولها حركة اعتراضية الا وهي تركيبتها لجهة صحة تمثيلها الواقع اللبناني من الزاوية الوطنية.
فكيف تبدو تجربة بعض الجبهات اواللقاءات المعارضة؟ وكيف يقوم اعضاؤها ومؤسسوها الوضع العام؟ وما هي آفاق التغيير؟
تجربة الجبهة الوطنية للاصلاح
في هذا الصدد، يؤكد الوزير السابق البير منصور عضو الجبهة الوطنية للاصلاح ان المعارضة الحقيقية غير موجودة حاليا، " فبعدما تجاوزنا في الجبهة البناء الوطني لأسسها لناحية تنوع تركيبتها على الأقل، نحاول اليوم وضع برنامج سياسي شامل يتضمن رؤيتنا الى مختلف المسائل بدءا من العلاقات اللبنانية السورية وضرورة تصحيحـها الى اوضــاع الصيــغة والنــظام والاوضاع المعيشية". ويتابع:" لا شك في ان المعارضة الحقيقية تحتاج الى موقف واضح وصريح لأن العلاقات اللبنانية- السورية في أزمة كبيرة وبالتالي لا بد من معالجتها من الموقع الوطني اللبناني ومن الموقع العربي المعالجة الصحيحة".
وتتبنى الجبهة في هذا الخصوص موقفا واضحا لناحيتين:
- تنفيذ الاتفاقات المعقودة تنفيذا دقيقا من دون اي تحايل او تفسيرات او تبريرات. فالجبهة، كما يقول منصور "ضد كلّ صيغ التعاطي الراهنة ونطالب بتصحيحها على قاعدة السيادة والاستقلال والتعاون والتضامن وفي كل ما يتعلق بمواجهة المصالح المشتركة من موقع الشراكة العادلة والمصير المشترك."
- تكريس النهج الديموقراطي لقواعد تطبيق النظام الذي يؤمن بعده الحقيقي أمرين اساسيين: "تأمين صحة التمثيل الشعبي وتأمين تداول السلطة لجهة تركيز وسائل ومؤسسات المساءلة والمحاسبة. ومن ناحية اخرى تأمين العيش المشترك وتفعيل حكم المشاركة الحقيقية الذي يمنع أي هيمنة طائفية ويمهد تدريجيا لتجاوز الحالة الطائفية ومساوئها الى اعتماد حسنات الحالة الوطنية. واخيرا الاهتمام الكبير بالشأن الاجتماعي والحياتي لجهة معالجة الكوارث الحقيقية التي اوقعنا بها تحالف المال والميليشيات واهمها المديونية الكبيرة وتعميم ثقافة الفساد في الدولة ومؤسساتها ونهب المال العام".
ويلفت منصور الى ان عدم تغيير قانون الانتخاب وعدم تمكين تمثيل شعبي حقيقي من الوصول الى الندوة النيابية، يمكن ان يدفعا الامور في لبنان في اتجاهين:
1-زوال لبنان كصيغة ونظام "وبالتالي انسحاق هذه التجربة اللبنانية الوحيدة في العالم العربي المواجهة للصهيونية امام العسكريتاريا العربية، القمعية المعادية لكل اصول الديموقراطية. وتكون الخسارة، ليست فقط للبنان، انما للعرب لأنني أعتبر أن امكان نهضة جديدة في العالم العربي يبدأ من لبنان، ومن فهم الواقع اللبناني.
2- لقاء جميع هذه القوى الراغبة في التغيير كل واحدة من زاويتها الخاصة على برنامج "حد أدنى" يحقق التغيير.
ويعتبر منصور ان التذرع بالاوضاع الاقليمية لتعطيل كل مسألة تغيير في لبنان، يأتي في سياق الاستغلال والفساد الداخلي.
"وهذه ذرائع تستعمل لتأمين استمرار تسلط مافيا المال والميليشيات التي تسلمت زمام الحكم من الطائف الى اليوم".
حركة التجدد الديموقراطي
من التجارب التي سعت الى تركيز فسحة مدنية متعددة الطائفة بهدف وضع جدول اعمال سياسي لمواكبة التحول الديموقراطي في البلاد، تجربة حركة التجدد الديموقراطي التي لم تحصر جدول اعمالها بنقطة واحدة. فعند أمين سر الحركة الدكتور انطوان حداد ان "السيادة، تحرير الارض، العدالة الاجتماعية، تحديث الاقتصاد، هي بالاهمية نفسها ولا نولي موضوعا اهتماما اكثر من الاخر. فالاصلاح هو برنامج متكامل يرتكز على كل هذه النقاط المذكورة". هكذا كانت حركة التجدد في طليعة القوى التي انكبت على الموضوع الاقتصادي والاجتماعي "ليس من حيث التحليل والانتقاد فحسب، بل من حيث تقـديم البدائل الواقعية التي غالبــا ما عادت اليها الحكومة بعد أن تكون رفضتها اصلا". و تقارب الحركة موضوع السيادة من خلفــية عقلانـية "اي ضرورة الوصول الى افضل شراكة استراتيجـية مــع سوريا من ضمن احترام استقلال الدولتين وسيادتهما. والامر عينه في ما يتعلق بادارة الصراع مع اسرائيل".
يتابع حداد:" نحن عملنا ولا زلنا نعمل على جدول اعمال واسع وغير حصري. وعبر اعتمادنا مبدأ عدم الاكتفاء بالانتقاد بل تقديم البدائل ساهمنا في بلورة حلول عملية للمشاكل والازمات التي تعانيها البلاد. احيانا قليلة اخذت السلطة باقتراحتنا ومعظم الوقت لم تفعل".
لقاء قرنة شهوان
اما لقاء قرنة شهوان، فأهم ما تميز به خطابه السياسي كسر حلقة الخوف من الكلام على الوجود السوري. فدعا الى ضرورة تصويب العلاقات على اساس احترام سيادة كل من البلدين واستقلاله. فاخذ يؤكد في كل فرصة الثوابت الوطنية التي ارتكزت عليها تجربة لبنان، اذ عند اعضاء القرنة ان لبنان اكثر من وطن انه نموذج ورسالة للعيش المشترك واشعاع حضارة لكل العالم. وبحسب أمين سر لقاء قرنة شهوان سمير عبد الملك شكل تعميم مفهوم الثقافة الوطنية عصب بيان تأسيس القرنة "والثوابت التي نادينا بها اصبحت من الاقتناعات"
ان اول خطوة للقاء كانت ان "نقلت الخطاب المسيحي الى خطاب وطني موجه الى كل اللبنانيين، اكان لجهة التمسك بالثوابت او بناء دولة الحق والقانون وتجديد العيش المشتركة او في ما يتعلق بالعلاقة مع سوريا". ففي مسألة الموقف من الوجود السوري يقول عبد الملك:" نحن نعتبر ان اي رهان او استقواء بالخارج دفعنا ثمنه وعلينا كلبنانيين ان نستقوي ببعضنا. ونحن نشدد على أسس التضامن الداخلي وتجديد الميثاق وتحقيق العدالة الاجتماعية واحترام حقوق الانسان".
يتابع عبد الملك:"نحن متمسكون بالنظام الديموقراطي وبالتنوع الذي تديره التوافقية. وأهم مبدأ هو تداول السلطة وان تكون هذه الـسلطة منبثقة عن الشعب الذي هو مصدر كل السلطات. والهاجس دائما ايجاد اطار لعمل مسيحي- اسلامي مشترك، وخارج هذا الوفاق لا يمكن للمطالب ان تتحقق".
اعادة الاعتبار لمعارضة جامعة
يبقى الهم الرئيسي كيف يمكن ان تتوسع هذه الحركات وتلتقي على برنامج وطني موحد، حتى لا تنحصر كل قضية بفئة لبنانية دون سواها، اي ان يظل التحرير شأن "حزب الله" وحده والسيادة شأن "قرنة شهوان" وحدها وادارة الاقتصاد شأن جهة اخرى الخ..... وكيف يمكن اعادة الاعتبار الى الحياة السياسية على قاعدة المعارضة والمولاة الحقيقية؟ في هذا الصدد يقول قنديل: "ان تحرير مفهوم الموالاة والمعارضة من قيدين شرط ضروري لاعادة هذا الاعتبار". القيد الاول، هو قيد الانقسام حول موقع لبنان من الصراع الاقليمي. "حيث قدمت السنة الاخيرة من حياتنا الكثير من المعطيات التي تسمح بالاعتقاد اننا تجاوزنا مرحلة الانقسام حول هذا العنوان. وربما اصبحنا اقرب الى صون قواعد هذا النظام الوطني حول موقعنا من صراعات المنطقة وازماتها. في هذا السياق ثمة امكان ليلتقي اللبنانيون حول كلام البطريرك نصرالله صفير الرافض دخول الاخرين على ثنائية العلاقات اللبنانية السورية خصوصا عندما يريدون الحاق الاذى بسوريا. وكذلك خلاصة تجربة المقاومة التي اسست لامكان وفاق حول دورها، الذي شكل لفترات احد اسباب الانقسام".
اما القيد الثاني، فهو تحرر الحياة السياسية من خطر تحول كل صراع سياسي الى انقسام طائفي. "وخلافا للاعتقاد السائد ان طريق ذلك هو الغاء الطائفية السياسية. اذ لا بد من اكتشاف طريق جديد اكثر واقعية هو بناء كتل سياسية متعددة الطائفة واعتبار هذا التعدد شرطا لولادة التكتلات السياسية".
وبرأي قنديل أن أي ارساء لحياة ســياسية جديدة يجب ان يأخذ في الاعتبار ثلاثة محاور: "صوغ تفاهم حول موقع لبنان الاقــليمي، صوغ موقف حول موقع الدولة من الطوائف عبر تنمية المــمارسة السيادية للدولة في علاقتها مع الطوائف، واعطاء الاولوية لثقــافة التمــانع بين السـياسة والتجارة، اي منع الجمع بين ممارسة الشأن العام وعقد المصــلحة مع الــدولة".
اليوم ما لم يتحرر العمل السياسي من كماشة الهاجس الاقليمي كي يستيعد النظام حيويته واجهزته ومؤسسـاته، وما لم تســتعد الحياة السياسية القوى المتعددة من احزاب وخصوصا النقابات التي كانت تشكل اقوى حضــور للمجتمــع المــدني ومؤســساته والقوة الاوســع تمثيلا والــعابرة للطوائف في آن واحد والمستقلة عن السلطة، لا يمكن ان نأمل في حياة سياسية جديــدة يمـكن ان تؤدي الى تظهير معارضة وموالاة حقيقيتين.