إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
أخبار التجدد/

كلمة رئيس حركة التجدد الديموقراطي النائب نسيب لحود في جلسة مناقشة البيان الوزاري

دولة الرئيس، ايها الزملاء،
كلمة قصيرة في هذه الحكومة، سبق وقلناها او قلنا معظمها... ثم ننتقل الى الاساسيات.
هذه حكومة الانقسام والشرذمة في زمن المصاعب والشدة، في زمن عزت فيه الوحدة وندر فيه الحوار. هذه حكومة المحاصصة وتوزيع المناصب والمغانم، في زمن القحط والهجرة. هذه حكومة الحصار السياسي لبعض الاخصام وحكومة التذاكي على المرجعيات. هذه حكومة التمديد للأزمة، وللنهج المدمر الذي قاد البلاد الى هذا المستوى من الانحدار والخيبة. هذه حكومة كل تلك المساوئ والشوائب. ولن يشفع بها لا شخص رئيسها، الذي نحترم، ولا مزايا بعض اعضائها. ولن يشفع بها الكلام المكرر في بيانها الوزاري المقتبس تقريبا بلا تصرف وبلا عناء من أرشيف حكومات مطلع التسعينات. ولن تشفع بها حتما الصورة الحضارية التي يوحي بها حضور المرأة للمرة الأولى داخل السلطة التنفيذية. بالعكس تماما. نحن بصدق ايها الزملاء نخشى على رصيد هؤلاء السيدات والسادة المحترمين يوم كشف حساب هذه الحكومة، في القريب العاجل غير الآجل.
كما ذكرنا، ننتقل فورا الى الأساسيات.
 
دولة الرئيس،
ابعد من هذه الحكومة، ابعد من اي حكومة، فان الحكومات المتعاقبة في السنوات التي تلت انتهاء الحرب في لبنان، لم تكن في الواقع هي السلطة التقريرية الحاكمة في البلاد، كما اراد اتفاق الطائف، هذا الاتفاق المحوري في حياة اللبنانيين، الذي يقول البيان الوزاري لهذه الحكومة بخجل وبكلمات قليلة لا بل بكلمات معدودة انها تريد متابعة تنفيذه، والتي كان لأحد الوزراء الذين في صفوفها اليوم ملاحظة ثاقبة ووصف دقيق منذ عشرة اعوام، قال فيه بوضوح ان ثمة انقلابا قد دبر على اتفاق الطائف، افرغه من مضمونه واحل مكانه تركيبة سلطوية لا تمت الى نص الطائف ولا الى روحه بصلة.
تلك هي المشكلة الاساس يا دولة الرئيس، وليس الحكومة الماثلة امامنا اليوم لنيل الثقة. نعم يا دولة الرئيس، مجلس الوزراء، ومنذ اكثر من عشر سنوات، ليس السلطة التقريرية الفعلية في البلاد. الحكومة او مجلس الوزراء، بات منذ سنوات الواجهة الشكلية للسلطة الحقيقية الموجودة في مكان آخر، وفي أحسن الأحوال بات الشريك الضعيف للنظام الأمني-السياسي-القضائي الذي يقبض على مفاصل الحكم.
هذا النظام الأمني-السياسي-القضائي، أو السلطة الفعلية في البلاد، محصن ضد تداول السلطة. هذا النظام لا يخضع لأي مساءلة او محاسبة، لأنه يضمن الاستمرار لنفسه عن طريق كبت الحريات، والقمع المنظم للمواطنين والطلاب والمعارضين، الكبت المستتر غالبا الذي تمارسه الاجهزة تحت جنح الليل كل يوم وفي كل المناطق، أو القمع المفضوح في وضح النهار كما حصل في 7 آب وغير 7 آب على أبواب الجامعات والمدارس.
هذا النظام يضمن استمراره ايضا عن طريق الانتخابات المضبوطة، أي غير العادلة وغير الديموقراطية، عبر قانون مفصل قدر المستطاع على قياس المحظيين، وعبر ادارة انتخابية وهندسات ومحادل ونقل نفوس وضغوط وتهديدات واغراءات ورشاوى، مصممة كلها كي تكفل اقصاء المعارضين والاخصام. حتى ان بعض من ينجو من الادارة الانتخابية المنحازة وغير النزيهة لوزير الداخلية، تحضر له الكمائن والمؤامرات في المجلس الدستوري، الذي اصبح مع بعض المواقع القضائية اداة طيعة في يد النافذين، بدل ان يكون ضمير الدستور وحصن العدالة.
هذا النظام يضمن استمراره كذلك عن طريق السيطرة على البلديات وعلى أموال البلديات، وعن طريق ضم هذه المؤسسات بمجالسها وشرطتها وموظفيها وجرافاتها وشاحناتها الى عدة الشغل السياسي والماكينة الانتخابية لأهل السلطة. اما البلدات والقرى التي تتجرأ على انتخاب مجالس بلدية مستقلة او معارضة فتقطع عنها الأموال وتتكفل وزارة الداخلية بعرقلة كل اعمالها الى حين استقالتها او اشهارها ولاء الطاعة.
وكي تقفل دائرة السيطرة والهيمنة باحكام، يصار الى تقييد الاعلام وتوجيهه وتدجينه والتدخل اليومي في شؤونه. وكل اعلامي وكل صحافي في لبنان يعرف هذا الأمر ويعاني منه اشد المعاناة.
وكي يكفل النظام الامني-السياسي-القضائي اعادة انتاج نفسه، يصار الى تحويل الناس من مواطنين واصحاب حقوق الى رعايا وزبائن سياسيين واصحاب حاجات، حاجات لا يمكن تلبيتها الا عبر الولاء والطاعة العمياء. ومن من المواطنين لا يدرك معنى هذا الكلام او لم يختبر هذا الاذلال في واقع حياته اليومية او في تعامله مع ادارات الدولة ومؤسساتها؟
دولة الرئيس، ايها الزملاء،
نظام الزبائنية السياسية هذا، الذي ازدهر في ظل الرعاية الامنية-السياسية المذكورة، هو الدافع الاول لانتشار الفساد المنظم على النطاق الواسع وشبه المعمم الذي نشهده اليوم. حيث تكاد لا تخلو منه أي مؤسسة وأي موقع اداري. وما فصول بنك المدينة ومؤسسة الكهرباء وقطاع المحروقات وكوبونات النفط العراقي والكسارات والمقالع وغيرها من الملفات الفضائحية الا الجزء العائم والمرئي من جبل الفساد السياسي المنظم، المرعي على اعلى المستويات. وما بقاء تلك الملفات كلها معلقة وتلك الازمات برمتها مفتوحة، وما التقهقهر المريع لموقع لبنان في التصنيف العالمي لمؤشرات الفساد، الا الدليل الدامغ على الرعاية السياسية التي يحظى بها الفساد في لبنان. تقول الحكومة في بيانها انها ستتصدى للفساد الاداري. من يتصدى للفساد السياسي المنظم يا دولة الرئيس؟

دولة الرئيس، ايها الزملاء.
ان النظام الامني-السياسي-القضائي، الذي انقلب على اتفاق الطائف، والذي يختبئ خلف الحكومة، خلف كل حكومة، ويعطل الديموقراطية والمساءلة والمحاسبة وتداول السلطة ويضغط على الاعلام، ويرعى الزبائنية السياسية والفساد المنظم، هذا النظام يستظل النفوذ السوري في لبنان ويستظل الوجود العسكري والأمني السوري في لبنان. ان هذا الاستظلال يا دولة الرئيس يلحق ضررا كبيرا، ليس بلبنان فحسب، بل بسورية ايضا، وبمصالحها الاستراتيجية وبالعلاقات المميزة التي يفترض انها قائمة بين البلدين الشقيقين.
ملاحظتنا الأولى والأساسية أيها الزملاء أن هذا التداخل يعطل النظام الدستوري اللبناني ويشل عمل المؤسسات اللبنانية، ويجعل جزءا كبيرا من القرارات الاساسية التي يجب أن يتخذها اللبنانيون أنفسهم، ومن دون سواهم، من مسؤولية دمشق أولا. ولنا في تعديل الدستور ثلاث مرات في السنوات العشر الاخيرة، وكلها بمناسبة الانتخابات الرئاسية، مثال صارخ عن تعطيل النظام وتعليق الدستور وانتقال السلطة الفعلية في القرارات السيادية من بيروت الى دمشق.
ملاحظتنا الثانية أيها الزملاء تتعلق بضيق الزاوية للادارة السورية للبنان، حيث الشأن الأمني يطغى على اي شأن آخر، وحيث الأجهزة الأمنية والاعتبارات الأمنية تعلو فوق أي اعتبار آخر لا بل تمحوه احيانا، وكأن لبنان مجرد ملف امني -- نعم ملف، وكم سمعنا هذه الكلمة تتردد على لسان المسؤولين في البلدين.
ملاحظتنا الثالثة أيها الزملاء هي أن هذا النمط من العلاقات اللبنانية-السورية، المعطل للدستور اللبناني وللنظام الديموقراطي والمرتكز على أحادية الرؤية الأمنية، هذا النمط من العلاقات لا يتمتع بأي مناعة ولا أي حصانة حيال التقلبات في العلاقات الدولية. هذا النمط من العلاقات الثنائية الذي بدا لفترة ما انه نقطة تفوق ورصيد ايجابي في حساب القوة الاقليمية لسورية، اصبح اليوم عبئا ثقيلا ومبعث ادانة دولية وذريعة ضغط وتهديد وعزلة، ومدخلا نحو المآزق الصعبة. ولنا في القرار 1559 أمثولة حية عن ذلك.
ملاحظاتنا تلك ايها الزملاء قائمة منذ سنوات. ولم نوفر مناسبة في السنوات المنصرمة الا وأعربنا عنها ونبهنا من مخاطرها ودعونا الى اصلاحها، بالمبادرة الذاتية بين الدولتين وليس تحت الاكراه الدولي، من اجلنا نحن، من اجل شعبينا، من اجل تضامننا، من اجل مصالحنا الوطنية والقومية والاستراتيجية، من اجل تحصين صمودنا في وجه العدوان الاسرائيلي، ومن اجل تحسين اوراقنا في ادارة الصراع مع اسرائيل.
هذا هو جوهر نضالنا الدائم لتصحيح العلاقات اللبنانية-السورية.
هذا هو جوهر دفاعنا الدائم عن اتفاق الطائف.
هذا هو جوهر انحيازنا الدائم الى الحرية والى النظام الديموقراطي.
هذا هو جوهر دعوتنا الدائمة الى احترام الدستور.
هذا هو جوهر رفضنا التمديد لرئيس الجمهورية.
هذا هو جوهر الامتناع عن المشاركة في الاستشارات النيابية الاخيرة.
هذا هو جوهر معارضتنا للحكومة الحالية.
 
واليوم ايها الزملاء، ماذا نقترح؟ ماذا نريد؟
على صعيد العلاقات اللبنانية-السورية:
اولا- نريد بكل بساطة ان ننتقل من ادارة سورية للبنان الى ادارة لبنانية للبنان، ادارة لبنانية تعكس الارادة اللبنانية وحدها وليس اي ارادة اخرى خارج الحدود.
ثانيا- نريد ان يجري هذا الانتقال بالوسائل الديموقراطية، وبالوسائل الديموقراطية وحدها، وبالمشاركة والحوار الحر بين اللبنانيين، كل اللبنانيين.
ثالثا- نريد ان يجري هذا الانتقال بالتفاهم مع سورية، وليس ضد سورية، وبما يكفل مصالحها الاستراتيجية المشروعة، وبما يؤسس لعلاقات محترمة بين بلدين شقيقين سيدين فعلا ومستقلين
ويمهد لشراكة استراتيجية فوق الشبهات، اي تحت القانون الدولي، واقوى من التبدلات الجيوستراتيجية.
على صعيد اتفاق الطائف والنظام السياسي:
اولا- نريد اعادة الاعتبار الى اتفاق الطائف، بكل مندرجاته، بروحه الواضحة التي لا تقبل التأويل.
ثانيا- نريد وقف الانحراف المزدوج القائم حاليا نحو نظام رئاسي في المظهر ونظام أمني في الجوهر يستغل الأجهزة والقضاء لتأبيد وجوده عبر ضرب الحريات وقمع المعارضة ومنع تداول السلطة وتغطية التجاوزات والمصالح غير المشروعة.
ثالثا- نريد انتخابات نيابية حرة ونزيهة، فعلا وليس قولا، انتخابات تجري، ليس وفق قانون ديموقراطي وعادل فحسب، بل تحت اشراف نزيه ومحايد، مغاير تماما للدور الذي لعبته وزارة الداخلية في السنوات العشرة الاخيرة.
رابعا- نريد البدء بتفكيك ماكينة الفساد السياسي المنظم المتحكمة بكل مفاصل الدولة والحياة السياسية والحياة العامة في البلاد.
فضلا عن ذلك، نريد الكشف عن الجناة في محاولة اغتيال مروان حمادة وقتل مرافقه، وعن المحرضين والمخططين. والى حينه، فان هذه الجريمة السياسية الكبرى ستبقى مسؤولية النظام القائم والسلطات الأمنية المولجة الحفاظ على حياة الناس وارواحهم.

دولة الرئيس، ايها الزملاء،
هذا هو جدول اعمالنا في حركة التجدد الديموقراطي، بعضه مستجد، فرضته الانتهاكات والتعديات الاخيرة، لكن غالبيته مزمن ونناضل من اجله منذ سنوات. وهو جدول، نعيد التذكير انه لبناني مئة في المئة، وهو لا يضمر لسورية الا مشاعر الاخوة والصداقة.
تلك هي اقتراحاتنا للخروج من الأزمة المستفحلة والمأزق المحلي والدولي الضاغط. وتلك هي أيضا التحولات والاصلاحات السياسية المطلوبة والتي نعتقد انه من دونها لا اصلاح اقتصادي، ولا ثقة اقتصادية، ولا عدالة اجتماعية، ولا نمو مستدام، ولا تنمية متوازنة، ولا مستقبل للشباب اللبناني فوق ارض لبنان.
موقفنا من هذه الحكومة ومن السلطة التي تقف خلفها اعلناه سلفا. اننا نحجب الثقة عن هذه الحكومة.
وشكرا.

← العودة إلى أخبار التجدد