إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
أخبار التجدد/

مصباح الاحدب: الحكومة انتقلت من تزوير الانتخابات بالمفرق الى التزوير بالجملة من المسؤول الأول عن رفع الشعور بالغبن، ان لم يكن رئيس الحكومة؟

الاسبوع المنصرم كان حافلا بالعبر والاستنتاجات. فقد كشفت هذه الحكومة بوضوح عن وجهها الحقيقي وعن المهمة الاساسية التي جيء بها من اجلها، الا وهي تعليب الانتخابات وتزويرها من اجل منع الارادة الشعبية الحرة عن التعبير عن رغبتها العارمة في تغيير الوضع الكارثي القائم الذي يطال كل مواطن من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب في كرامته وفي لقمة عيشه وفي غموض مستقبل اولاده.
فبعدما ركزت هذه الحكومة خلال الاشهر الماضية على وسائل الرشوة الانتخابية وصرف النفوذ "بالمفرق"، اي عبر التعيينات الادارية المشبوهة التي تفوح من معظمها رائحة المحسوبية والعائلية والمحاصصة، وعبر الاستخدام المعيب لأموال الدولة في صندوق المهجرين على قاعدة "من لا ينتخب معنا لا يحصل على تعويض"، وعبر التنكيل بالموظفين الذين لا يدينون بالولاء والطاعة الى رئيس الحكومة ووزرائها، وعبر تفليت عملاء الاجهزة في الشوارع وتزويدهم برخص السلاح وبالتعليمات المشبوهة لابتزاز فلان من المواطنين الشرفاء او حتى للاعتداء بوقاحة وباطلاق الرصاص على احتفالات لنواب محترمين،
فبعدما ركزت هذه الحكومة والاجهزة التي تختبىء وراءها خلال الاشهر الماضية على التزوير بالمفرق، انتقلت هذا الاسبوع الى محاولة تزوير الارادة الشعبية بالجملة. وقد شهدنا ذلك في ثلاث محطات تتصل كلها بالانتخابات وبقانون الانتخابات، الذي هو، بعد الدستور، القانون الاسمى لأي دولة تحترم نفسها، لأن عبره تنتقل الارادة الشعبية الى مجلس النواب.
المحطة الاولى كانت في الصحوة المفاجئة لأهل السلطة على المجلس الدستوري وعلى اهمية ملء فراغات مزمنة فيه تعود الى سنوات، وذلك بعدما قضت على استقلالية وصدقية هذا المجلس المخول البت في الطعون الانتخابية واستخدمته في انتخابات المتن الفرعية الاخيرة لاصدار قرارات همايونية معيبة. وقد تجسدت هذه الصحوة المريبة بتصدير "كلمة السر" الى مجلس النواب بانتخاب ثلاثة اعضاء جدد، احدهم هو شقيق رئيس الجمهورية. اي اننا اصبحنا في الانتخابات المقبلة امام المعادلة البسيطة التالية: اذا اراد احد المرشحين رفع ظلامته الى المجلس الدستوري من تدخل الاجهزة ضده مثلا، فالى من يرفعها؟ الى المجلس الدستوري الذي يرأسه شقيق رئيس الجمهورية؟ هذا هو مفهومهم للحياد. هذا هو مفهومهم لتكافوء الفرص بين المرشحين. هذا هو مفهومهم لفصل السلطات، وكانوا قد اتحفوا اللبنانيين بنموذج اولي عنه عند تشكيل هذه الحكومة عبر تعيين مدعي عام التمييز وزيرا للعدل.
المحطة الثانية لعدة التزوير بالجملة هي التحضير للتحكم بوسائل الاعلام وذلك على محورين: المحور الاول هو ابقاء سيف الاقفال النهائي والكامل مصلتا فوق رؤوس كل وسائل الاعلام المرئي والمسموع عبر المادة 68 السيئة الصيت في قانون الانتخابات كما حث مع محطة "ام تي في" عام 2002 ، والمحور الثاني عبر اعادة تكوين مجلس وطني للاعلام، مطواع وملحق بالسلطة واجهزتها تماما كما المجلس الدستوري الآنف الذكر.
المحطة الثالثة هذا الاسبوع والاكثر خطورة في مسيرة تزوير الانتخابات بالجملة، هي التقسيم الانتخابي للدوائر كما ورد في مشروع القانون الذي اقرته الحكومة، وخصوصا تفصيل الدائرتين الاولى والثانية من بيروت، الذي اتى مخالفا لأي منطق حسابي (9 مقاعد ل150 الف ناخب في الدائرة الثانية، فيما 200 الف ناخب في الدائرة الاولى لا يحصلون سوى على 6 مقاعد) ومجافيا لأي منطق وطني. لا بل ان هذا التقسيم بين الدائرتين الاولى والثانية، الذي اعلنت السلطة بوضوح انه يهدف الى تقليص حصة المعارضة وتعزيز حصتها، انما ينذر بتأجيج الاستقطاب الطائفي والشعور بالغبن لدى شريحة واسعة من المواطنين من جراء التصريحات والمواقف والحجج الاستفزازية وغير المسؤولة التي سيقت لتبرير هذا الاستهداف.
نقولها بكل وضوح، اننا نرفض هذا التلاعب الخطير بالتوازانات والمشاعر، ليس من موقع الدفاع عن حصة المعارضة المستهدفة مباشرة بهذا الاجراء، وليس من موقع الدفاع عن الطائفة السنية او عن حصة المسلمين السنة، بل من موقع حرصنا الدائم وعملنا الدؤوب منذ سنوات على التصدي لكل سلوك يؤدي الى تنمية الشعور بالغبن والاجحاف، اينما كان، ولدى كل الطوائف والمناطق والمجموعات.
نحن وقفنا في السنوات ضد تنمية الشعور بالغبن لدى فريق واسع من المسيحيين في لبنان. ان نفس هذه السلطة التي مارست كل تلك الممارسات في السنوات الماضية تفعل الشيء نفسه مع المسلمين. هذان وجهان لعملة واحدة. وكما رفضنا ذلك بالامس فاننا نرفضه اليوم. 
والامر الاشد مدعاة للقلق في كل هذه القضية هو الموقف الخجول لا بل الملتبس لرئيس الحكومة الذي اكتفى بانكار المسؤولية عن التصريحات، ولم يقم في المقابل بأي جهد لمنع التقسيمات. ان هذه التقسيمات اخطر الف مرة من التصريحات. فمن هو المسؤول الاول عن رفع الغبن وعن التصدي لنمو الشعور بالغبن لدى المسلمين، ان لم يكن رئيس مجلس الوزراء؟ ام ان دولته منهمك بتوزيع المال العام وشيكات صندوق المهجرين، رشوة انتخابية ورعبون ولاء ومحسوبية بدلا ان تكون حقا مكتسبا لمهجري الشمال اسوة بالمهجرين من كل المناطق؟ ام ان دولته واجهزته وخفافيش الليل مأخوذون بتسطير بيانات التحريض ضد المعارضة وتلفيق التهم الكاذبة الجبانة في حقها؟ ام ان دولته وازلامه منهمكون بتدبير الاعتداءات والتهديدات ضد النواب والمعارضين الشرفاء؟ وآخر حلقات هذا المسلسل جرت امس في الاعتداء على مكتب الزملاء في التكتل الطرابلسي، وما سكوت الرئيس كرامي عن هذه كل هذه الممارسات وامتناعه حتى عن استنكارها، ولو كلاميا، الا دليل قاطع عن مصدرها الحقيقي وضوء اخضر لعملاء المخابرات من اجل الاستمرار فيها وتكرارها.
تلك هي الانشغالات الحقيقية واليومية لدولته، اما الاضطلاع برئاسة الحكومة وقيادة السلطة التنفيذية والاهتمام بقانون الانتخابات وتقسيمات بيروت والاستهدافات السياسية والطائفية من ورائها فهي ليست من الانشغالات الرئيسية لدولته. في السنوات الماضية كنا نشكو من تجاوزات رئيس الجمهورية في حق صلاحيات رئيس الحكومة. هل اصبحت الخيارات المصيرية اليوم (كقانون الانتخاب) في يد الوزراء؟ ام ان كل تلك المراجل حول اولوية طرابلس على زغرتا التي كنا نسمعها ليلا نهارا ونستهجنها كانت مجرد مزايدات انتخابية؟  
في مقابل هذه اللوحة القاتمة للحكومة وسلطة المخابرات التي تقف وراءها، تبرز صورة المعارضة الوطنية التي ارسينا دعائمها في مؤتمر البريستول التي تسع صفوفها يوما بعد يوم؛ المعارضة الوطنية المتنوعة من كل الطوائف والمناطق، المعارضة التي تفخر بتعدديتها ولا تخجل بتنوعها ولا تخفي تبايناتها، لأنها معارضة مستقلة قرارها من ذاتها ولا تتحرك باجهزة التحكم عن بعد (ريموت كونترول)؛ المعارضة الديموقراطية التي تجرؤ على انتقاد بعضها البعض عندما يخطئ؛ المعارضة التي تلجأ الى آليات ذاتية راقية للتحكيم وحل الخلافات وليس الى ضباط المخابرات. معارضة على صورة لبنان الجديد الذي يستحقه اولادنا والذي يجدر بنا ان نبنيه معا من كل الطوائف والمناطق، وليس لبنان الامس المغرق في التمييز ولا لبنان اليوم القابع تحت الوصاية والقمع ومصادرة الحريات والكرامات.

← العودة إلى أخبار التجدد