دعا الى نفضة لعصرنة الادارة ومكننة الاحوال الشخصية زياد بارود لـ "الصياد": ادعو الى حكومة للبنان لا الى مجلس وزراء لتعيين ناطور
وزير ناجح، لكن العادة جرت، الا يعود الوزير الناجح الى الوزارة.
هل مطلوب النجاح مرة واحدة، هل يكسر العهد الجديد رتابة سائدة؟
حوار الصياد مع الوزير زياد بارود حوار حول النجاحات، ومساءلة ازاء الاخفاقات.
والوزير يهدي نجاحه الى فريق عمله، ويرى ان اهم شيء عمله، هو انني جعلت وزارة الداخلية وزارة كل الناس، ونجحت يوم ٧ حزيران ٢٠٠٩، لانني مارست حيادا بين الجميع، ولم استبدل الادارة، بادارة موازنة.
اعطوه حقيبة الداخلية، وهي حقيبة الكبار والافذاذ من رجالات البلاد. من كميل شمعون وسليمان فرنجيه ومن صائب سلام الى عبدالله اليافي. عندما لمع الشاب الحريص على النجاح، في لجنة فؤاد بطرس، اتصل به الوزير السابق وبادره: الله يوفقك يا ابني، لقد وضعوك امام اكبر واخطر امتحان.
هل يعود الى الداخلية في الحكومة المقبلة؟
يبدو انه متردد، كأنه ذلك العام، الذي خرج من داره والدنيا تحبل بالامطار، وهو حائر. هل يحمل شمسيته؟ اخذها او لا آخذها. وهو ضاق ذرعا بها وبه حنين اليها.
ما هي خلاصة تجاربه، عن وزارة اتعبت الحكام وارهقت الناس واراحت العقلاء، واستفزت من تركوا عقولهم في اجازة؟
الخلاصة انه شاب ديناميكي، مثقف، ولا يتعب من العطاء، وجاهز لكل امتحان.
هو يتردد في العودة، لكن الرأي العام يطالب به بالحاح، ويريده ان يحل قضية التسول مع وزارة الشؤون الاجتماعية لان لهم ملوكا يحركونهم.
في وزارة الداخلية كان هذا الحوار الهادئ حينا والصاخب احيانا، واعجوبة النجاح تحالفه في مواقفه والكلمات: نطالب به بالداخلية.
هذه الوزارة تسمى وزارة الكبار. فقد تعاقب عليها كبار رجالات لبنان، بدءا بكميل شمعون، مرورا بسليمان فرنجيه وصائب سلام وعبدالله اليافي وناظم عكاري، اي انها كانت مصنعا لرجالات حكمت لبنان. هل تشعرون الآن بعد الانتخابات التي اجريتموها، والتي نالت اعجاب الناس انكم انتسبتم الى عالم الكبار، وانكم صغير السن لكنكم اثبتم انكم كبير في الممارسة؟
- دعني اعترف انه عند استعراض اسماء الكبار، في بداية تولي الحقيبة الوزارية تشعر بمسؤولية كبيرة وبعبء كبير سيلقى على اكتافك. فهذه الوزارة انتجت بعد ٧ حزيران نجاحا مقبولا، وبالتالي فان عليكم تصور الوضع قبل هذا التاريخ، ومدى العبء الذي كان ملقى على اكتافها، والخوف من عدم القدرة على انجاز ما هو مطلوب. انما الثقة التي منحني اياها فخامة الرئيس كبيرة. وربما كان مغامرا في ذلك، وقد يكون كثر قد قالوا له ماذا يملك بارود من خبرة، وما هو عمره ليتولى هذه الوزارة. فكانت هذه الثقة الكبيرة بالنسبة الي حافزا لأكون بحجمها، وبالتالي لرد الامانة كما يجب.
واكتفي بالاجابة على السؤال بالقول انني سعيد ومرتاح لردي الامانة بحجم الثقة، والدخول الى عالم السياسة من باب وزارة الداخلية امر قد يرى فيه بعضهم شيئا جميلا لكن في الواقع من حيث الممارسة، كان من اصعب الامور وتحديا كبيرا، وكان من الممكن ان افشل فشلا ذريعا.
انا مرتاح لانني انجزت دون الطموح للذهاب بعيدا لانجاز اكثر، ومع الامكانات المتوافرة لم يكن باستطاعتنا فعل المزيد، عند الانكليز يقولون انك كوزير، لا تعينّت وزيرا، فأفضل هذه الكلمة، لانها معبرة اكثر. وانا استطعت ان اخدم كوزير، اما موضوع السياسة الاوسع، فهو مخاض طويل، وسنوات لا يمكن اختصارها بعدة اشهر في الوزارة.
مدين من دون مقابل
هل انتم مدينون بشهرتكم الى فؤاد بطرس ولجنته، ام الى عهد العماد سليمان ونهجه، واختياره الذي كبر المسؤولية واعلاها؟
- انا مدين الى عدد كبير من الاشخاص ولا عيب في ذلك. الدين بهذا المعنى هو عرفان جميل، وانا سعيد لكوني مدينا لعدد كبير من الاشخاص اولهم والداي، فانا مدين لهما بتربيتي، ومدين بكل التجارب التي مررت بها، وابرزها مع اللجنة التي كانت برئاسة الوزير السابق فؤاد بطرس الذي امتلك تجاهه، شعوراً كبيرا بالمحبة والاعجاب والتقدير، وهو نموذج بالنسبة اليّ، والتجربة معه اغنت ثقافتي السياسية، وطريقة عملي في الشأن العام واكن له كل التقدير وهو من رجالات لبنان الذي يعتز بهم الانسان. وانا مدين ايضا لرئيس الجمهورية الذي اختارني. وهناك كثر لم يجرؤ احد على استدعائهم للخدمة ومنحهم الثقة، بالطبع انا مدين لشخص اعطاني فرصة، ومدين لكل شخص تعاون معي، ولا عيب ان تكون مدينا بمعنى العرفان بالجميل، تجاه اشخاص كثر ساهموا في تكوين شخصيتك. وهذا الدين لم يكن لقاء مقابل وهذا ما يريحك.
يا ابني الله يوفقك
بعد الانتخابات اتصل بكم الوزير السابق فؤاد بطرس وهنأكم، ما هي العبارة التي تذكرون انه بادركم بها على نجاحكم في ادارة الانتخابات؟
- اكثر جملة محببة لدي عندما قال يا ابني، فهذه الكلمة فيها الكثير من العاطفة والمودّة، والكلام بالسياسة مع الوزير بطرس دائما مهجوس بالخوف على البلد، فهو لديه الخبرة والخشية على البلد. واول زيارة عند تعييني وزيرا كانت له، وكان يعبر عن خوفه عليّ في هذه الاجواء والبلد صعب، هكذا كان يقول، وهذا شكّل حافزا اضافيا لي. طبعا هناك تحد في اي عمل تقوم به في حياتك العادية وليس في الوزارة فقط، والمهم التعاطي معه بحد ادنى من الخسائر والكثير من الايمان بان ما تفعله قد يحقق الهدف. انا شخص مؤمن وامارس ايماني بهذه الطريقة، وكل ما قمنا به كان بفعل عمل فريق وليس شخص واحد. هناك افراد عملوا حتى منتصف الليل وموظفون عملوا بجهد ووقت اكبر من مرتباتهم، لانهم كانوا يعتبرون ان هناك محطة اساسية هي الانتخابات، وغيرها من المحطات، وبالامس كنا عند الشرطة القضائية التي حققت انجازا كبيرا، حيث تمكنت خلال ٢٤ ساعة من استرداد ثلاث سيارات سرقت. فهذه انجازات يقوم بها اشخاص مؤمنون حقا بعملهم، وبان البلد يستحق العطاء، ولا يفكرون بمرتباتهم، اذا ما كانت تناسب العمل الذي يقومون به.
بدأت من فوق
سواكم، اتى بفريق عمل تعاون معه، لكنكم الوزير الاول الذي يهدي نجاحاته الى الفريق الذي عمل الى جانبه، هل هذا نوع من التواضع او نوع من التشاوف، بانكم قادرون على الاختيار، وانتقاء العناصر الكفية؟
- انا اتيت الى الوزارة ولم ابدأ من الصفر، هذا هو الواقع، لقد سبقني الى الوزارة اشخاص قاموا بانجازات وراكموا نجاحات استفدت منها، انا لست من الذين يعتبرون ان الدنيا تبدأ يوم قدمت الى وزارة الداخلية. النقص الذي واجهني كان على مستوى الادارة، لجهة بعض الكفايات. هذا لا يعني انها ليست موجودة في الادارة، انما الكفايات الموجودة لا تكفي لانجاز الكم الهائل من العمل المطلوب. وكان يفترض بي الاستعانة بالآخرين، وهؤلاء كانوا ممن عملت معهم سابقا، وعدد كبير منهم متطوعون، وكانت تتملكهم رغبة في النجاح، لان الفشل في التجربة، كان سيقود الى القول ان المجتمع المدني فشل، في تحقيق حالة تغييرية معينة على الرغم من التواضع في الامكانات.
لذلك كانوا معنيين بهذه التجربة، المهم النتيجة، وما حصل اننا فتحنا ابواب وزارة الداخلية، وهذا لا يعني انها كانت مقفلة، انما كانت من التجارب النادرة لوزارة ذات طابع امني، ان تفتح ابوابها، لتضيف اليها طابعا يجعلها وزارة كل الناس.
وعلى المستوى السياسي لم يكن بالامكان بناء حياد وزارة الداخلية على التصاريح، لذا كنت منذ توليّ الوزارة ولغاية اليوم امارس حيادا فعليا في التعاطي مع كل القوى السياسية، وبنيت ثقة معها، وهذا ما جعلني انجح في ٧ حزيران. فالوزارة انفتحت على جميع القوى السياسية من جهة، وعلى القوى الحيّة في المجتمع المدني الذي له الحق في ان يكون جزءا من المعادلة ولدينا مصلحة في ذلك من جهة اخرى. وفي اكثر من محطة كانت تجربة المجتمع المدني المتخصص والمبادر وصاحب الكفايات مكملة لعمل الادارة ومنسجما معها. وانا لم استبدل الادارة بادارة موازية فهذه بقيت كما هي وبقيت صلاحياتها انما الى جانبها، وبالتنسيق معها، وتحت اشرافها قمنا باشراك أشخاص بامكانهم مساعدة الادارة، لذلك كان هناك تكامل لا تداخل بينهما.
نماذج في الداخلية
مرت وزارة الداخلية بثلاثة نماذج، صائب سلام بعد كميل شمعون، سليمان فرنجيه، بعد عبدالله اليافي وميشال المر قبل الوزير السبع والوزير الوكيل احمد فتفت، هل ميشال المر مرمر الناس في الوزارة وجعلها ندوات للوزراء وللتثقيفات، فجاء زياد بارود وفجرها.
- صدقا اقول ان هذه الوزارة لم تبدأ عندما تسلمتها وكل المداميك بنيت فوقها، ولست في وارد تقييم تجربة غيري، فالتاريخ هو الذي يقيم، والناس ومجلس النواب يحاسب. وانا بنيت على الجيد من المداميك الموجودة لنصل الى مرحلة تصبح الوزارة كمؤسسة، ولا يجوز ان تبقى مرتبطة بشخص الوزير. فتكون مرتبطة بمؤسسات ضمنها، قوى الامن الداخلي مؤسسة ضامنة، الدفاع المدني والميكانيك كذلك، وهذه يجب ان تكون مؤسسات عاملة بمعزل عن شخص الوزير. ولا بد من تعزيز دور المديرين العامين ليس في وزارة الداخلية، انما في جميع ادارات الدولة. تجربة الرئيس فؤاد شهاب والمراسيم التنظيمية التي بنت فعلا دولة المؤسسات، من ديوان المحاسبة الى مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي في العام ١٩٥٩، ولم تستكمل مع الاسف، كانت تركز على المديرين العامين كمخرج من تسييس الوزارات. وكانت الرؤية ان المدير العام المتخصص التكنوقراط، يستطيع النجاح في ادارته بمعزل عن النفس السياسي لدى الوزير، صحيح ان الاخير يساعد، لكن يجب ان تستمر المؤسسة بمعزل عنه. ولا يجوز ان ترتبط حياة الناس ومصالحها بشخص الوزير.
معدل الاستقرار محدود
لكنكم قمتم بانتخابات من دون مديرين عامين، كيف توفقون بين قولكم هذا وعجزكم عن تعيين مديرين عامين في وزارتكم؟
- احسنت، هذا هو نتيجة ما حصل معي، لو كان باستطاعة الادارة العمل بمفردها، لكانت الانتخابات نجحت بغض النظر عن هوية الوزير. وخلاصة ما جرى تأكد لي انه لا يمكن ان ننجح على مستوى الاداء العام وخدمة الناس الا عندما تصبح ادارتنا سائرة بمعزل عن الخلافات فيها، نحن في بلد معدل الاستقرار فيه لا يتجاوز بضع سنوات، اذ كل ثلاث او اربع سنوات لدينا مشكلة، وهذه المشاكل يجب الا تنعكس على حياة الناس، ولنحقق ذلك. نحن بحاجة الى ادارة متماسكة، وتسير بشكل متواز مع السياسة، دون ان يكون لها انعكاسها السلبي على الادارة. وربما النفس الذي يسعى فخامة الرئيس، لوضعه في الادارة، هو التركيز على ان تعمل الادارة بشكل مواز مع العمل السياسي على مستوى مجلس الوزراء. فهذا الاخير مؤسسة سياسية بامتياز ولا يجب ان تكون مؤسسة ادارية، وعندما نحول مجلس الوزراء الى مؤسسة تعيين ناطور في وزارة لا تعود مؤسسة ترسم سياسات عامة. فتعيين ناطور، يجب ان يكون في حده الاقصى من صلاحيات المدير العام في الوزارة وتذهب بمجلس الوزراء غير السياسات الكبيرة. واذا نظرنا الى جدول اعمال مجلس الوزراء اليوم، نجد فيه امورا غير طبيعية لا يجوز ان يبحثها، وهناك ايضا امور يجب الا ينظر فيها الوزير انما يجب ان تنتهي عند رئيس مصلحة في الوزارة. هذه الامور جميعها، لم نجرِ عليها تمرينا منذ العام ١٩٥٩. علينا بموازاة كل الامور السياسية الكبرى التي نعمل عليها ان نجري نفضة كبيرة على مستوى الاصلاح الاداري، لنحوّل ادارتنا الى ادارة عصرية، وهي ليست كذلك اليوم، فسجلات الاحوال الشخصية لا تزال عثمانية وتعاطي المواطن مع الادارة لا يزال يستلزم الوقوف في صفوف طويلة...
حاولنا في وزارة الداخلية تطبيق فكرة الشباك الواحد، حيث تقدم المعاملات في غرفة واحدة وتسلم في غرفة اخرى من دون ان يحتك المواطن بالموظفين.
عصر السفير فريد حبيب
اشرتم الى المديرية العامة للاحوال الشخصية وهي احدى اهم مؤسسات الدولة، هل استطعتم ان تنشئوا في وزارتكم اسسا لمديرية مؤهلة للقيام بهذه المهام التي تدنت مستوياتها، منذ عهد السفير فريد حبيب الى اليوم؟
- الفريق القيم على الاحوال الشخصية يقوم بجهود مشكورة، ولا يمكننا الحديث عن تقصير، لكن هناك امر مزمن على مستوى الاحوال الشخصية، ولم اصدق انها لا تزال على هذه الحال، اعلم انه كان هناك حرب على مدى سبعة عشر عاما، لكن من العام ١٩٩٠ ولغاية ٢٠٠٨ مر ١٨ عاما والناس خلال هذه الفترة تبلغ سن الرشد، بينما الاحوال الشخصية ما زالت عثمانية بمعنى طريقة العمل والسجلات فيها تعاني من الاهتراء هذه ذاكرة البلد ونفوس الناس ولا يمكن ان تبقى على هذه الحال، وكنا منذ اشهر منشغلين في الانتخابات، ولم نقارب موضوع السجلات في الاحوال الشخصية التي تحتاج على الاقل سنتين لمكننتها. وقمنا بدراسة كاملة ووصلنا الى نتائج مرضية لجهة تأمين تمويل على شكل هبة من اجل مكننة سجلات الاحوال الشخصية على غرار الافادات العقارية، فلا يجوز بعد اليوم كتابة اخراج القيد بخط اليد.
الخطير في الامر اننا نتعاطى في هذه السجلات مع قيود الناس منذ الولادة الى الزواج حتى الوفاة. هناك عمل يجري والتحويل اصبح شبه منتهٍ وعندها نستطيع الانتقال بالاحوال الشخصية الى وضع افضل.
من احد ابرز العيوب الانتخابية التي تؤخذ عليكم وعلى سواكم، ما جرى من عملية نقل نفوس قبل الانتخابات الاخيرة؟
- اسمح لي بتصويب السؤال، تؤخذ على سواي، لانني لم انقل اي نفوس، او اي اسم او قيد منذ تسلمي الوزارة وحتى الانتخابات، وكل القيود التي نقلت كانت بعد العام ٢٠٠٥، طبعا نفذت في قوائم انتخابية في العام في ٢٠٠٦، ٢٠٠٧، ٢٠٠٨، و٢٠٠٩، فمن نقل قيده، حقه علينا ان ينفذ، ولا استطيع ان استنسب في تسجيل اسم فلان وارفض الآخر، فكل من اخذ نقل نفوس، نفذ قبل وصولي للوزارة، والقضاء هو الذي يقرر بعدم التنفيذ لست انا، وليس امام القضاء اي طعن بنقل النفوس. ولم انقل اي قيد حتى ضمن المنطقة الواحدة، وقد وردتني مراجعات تطالب بنقل قيودها ضمن القضاء نفسه من بلدة الى اخرى ورفضت.
لكل وزير اسلوبه
قلتم قبل قليل انكم فتحتم وزارة الداخلية للناس لكن سواكم فتحها للنواب لتسويق سياسة الدولة لدى النواب وتمرير التسويات في المناطق، اي نموذج هو الافضل؟
- هي طريقة عمل ولكل اسلوبه. انا اخترت التعاطي المباشر مع الناس وبالطبع تعاطيت مع النواب فهم اشخاص منتخبون ولا يمكن الا التعاطي معهم وتسهيل امورهم، ضمن سقف القانون والتي ليس فيها مخالفات. وعندما تعمل وفق القانون، بعيدا عن المخالفات، فان ذلك يسهل العمل مع الجميع، وهذا ما يريحني، لانه السقف الذي وضعه رئيس الجمهورية وبالنهاية انا قادم من هذه الثقافة، ولا استطيع ان اطبق خلاف الكلام الذي كنت اقوله قبل دخولي الى الوزارة. يجب الا اشعر بانفصام شخصية بين زياد بارود الوزير وزياد بارود قبل الوزارة.
الحالة العقابية مجزأة
خلال الفترة الماضية شهدنا اكثر من تمرد داخل السجون والمرتبطة الى حد كبير بوضع السجون. ماذا فعلت الوزارة في هذا الصدد؟
- هذا السؤال يسمح لي بتوضيح امر حريص جدا عليه، مسألة السجون واحدة من التركة الكبيرة التي تسلمتها في الوزارة وهي مزمنة، وكان ينبغي ان تكون هذه المسألة ضمن اختصاص وزارة العدل. لان الحالة العقابية التي تبدأ بصدور الحكم بحرمان الشخص من الحرية، يجب ان تستمر كسياسة عقابية في السجن، وصولا الى تخفيض العقوبات والخروج من السجن. والسجون في لبنان لم تكن في اي لحظة من اللحظات اولوية، وكنا نعتبرها مجتمع آخر لا علاقة له بالمجتمع اللبناني، علما ان السجين هو في صلب هذا المجتمع قبل السجن وبعده. فهذا الشخص قبل ان يسجن كان جزءا من المجتمع، وعندما يخرج امامه خطر أن يكرر الجريمة نفسها، لانه لم يحصل على الاصلاح داخل السجن ونقل مسؤولية السجون من وزارة الداخلية الى وزارة العدل هو من الامور التي التزمت بها وعملت من اجلها. فأصررت كوزير داخلية على ذلك، وعملت مع مكتب الامم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات على بلورة تصور كامل على مدى سنوات لتأمين هذا الانتقال بالتعاون مع وزارة العدل، ونحن في ختام هذا الاجراء.
الانتقال هذا لا يحل المشكلة ويلغيها، وما يفعل ذلك هو الادارة المعنية بالسجن. لانه اذا لم يكن هناك ادارة متخصصة وقادرة نكرر المشكلة نفسها في وزارة العدل كما هو حاصل في وزارة الداخلية. نحتاج الى حل متكامل، وعلى المستوى البعيد يتوفر لدينا تصور كامل للسجون ونعرف كيف سنعمل، لكن على المدى القريب والفوري المشكلة الاساسية في السجون هي ان الاستيعاب الفعلي للنزلاء هو اضعاف الاستيعاب الهندسي. سجن روميه على سبيل المثال عند بنائه كان من السجون الحديثة والنموذجية لجهة موقعه وتفاصيله الهندسية، انما قدرة استيعابه ١٥٠٠ سجين، في حين يصل عدد السجناء الى ٤٥٠٠.
ورفضت في كل مرة التفاوض مع السجناء تحت الضغط، لان هذا الموضوع يحتاج الى هدوء للنقاش، وقد زرت السجون اكثر من مرة، ودخلت الى غرف السجناء، وشهدت حقيقة الوضع بين المحكومين والموقوفين، ورفعت تقريرا الى مجلس الوزراء في نيسان الماضي، يتضمن كل الحاجات المطلوبة، وكنت اطالب بمبلغ فوري متواضع هو ٥٠٠ مليون ليرة لتأمين الحد الادنى لاجراء التحسينات، لكن لم يقر هذا المبلغ، انما استطعنا تأمين الحد الادنى من الامور الطبية مع وزارة الصحة والاغطية بواسطة الهيئة العليا للاغاثة، والتفكير منصب حاليا على مشروع، لا نستطيع الاعلان عنه الان، مختلف تماما يقارب حاجات السجون بطريقة مختلفة. فهذا العام كان هناك تجربة فريدة وهي مسرحية ١٢ لبناني غاضب، التي نفذت في سجن روميه وابطالها نزلاء السجن، وكان لدى الفنانة زينة دكاش جرأة كبيرة نحييها على ذلك في مقاربتها للموضوع، حيث اكدت ان اشخاصا محكومون بالاعدام، بامكانهم ان يكونوا مبدعين في المسرحية. ولتقول بان السجن هو مكان نستطيع من خلاله اخذ الناس باتجاه مختلف. لكن ذلك يحتاج الى جهد متراكم وعلينا عدم حصر ادارة السجون بالجانب الامني، ولا يجوز ان يلجأ عنصر الامن الى الوساطة، لينقل خدمته من السجون بسبب العبء الى مكان آخر، كما لا يجوز ان نسمع المخالفات التي سمعناها في احدى الحلقات التلفزيونية والتي حولناها الى المفتشية العامة لقوى الامن واخذنا تدابير بلغت النيابة العامة التمييزية.
ووعدت السجناء بالعمل بزخم اكبر لاعطاء اولوية للسجون. ولا يوجد دولة او جهة مانحة تعطيك المال لبناء السجون، ونحن بحاجة لتوسيع سجن روميه وبناء سجون اخرى.
التطويع لا التجنيد
السجون عالجتها مع وزارة العدل ولكن هناك عناصر وجيوش من المتسولين المنتشرين في الشارع، وهو شأن بينكم وبين وزارة الشؤون الاجتماعية، لماذا أنتم عاجزون عن حل الموضوع؟
- حسنا اشرت الى وزارة الشؤون الاجتماعية، لان الامر لا يقارب بالامن والقمع، لانه موضوع اجتماعي كبير، وقد سبق وراسلت وزارة الشؤون في عدة مناسبات، لوضع حد لهذا الامر، فقانون حماية الاحداث، الذي هو عصري، تمتلك وزارة الشؤون فيه دورا كبيرا ولا اريد مقاربة الموضوع بانزال قوى الامن لقمع المتسولين. وزارة الشؤون تعاني من مشكلة عدم كفاية عدد جهاز الموظفين لديها، لحل هذه المسألة ونعمل بشكل موضعي بحيث نأخذ كل منطقة بمفردها ونختار دوريات من اختصاصها التعاطي مع هذه الحالات.
والمشكلة ليست في الاولاد المنتشرين على الطرق، انما في من يقف وراء ارسالهم الى الطرق صباحا، ليعود فيجمعهم مساء، هؤلاء يجب ان يحاسبوا.
واعود هنا الى طرح موضوع الشرطة وقوى الامن، على مستوى السير كان لدينا ٥٩٣ عنصرا لكل لبنان، نصفهم في الخدمة والاخر يرتاح اي ٣٠٠ عنصر لكل لبنان. في حين أن مدينة طرابلس بمفردها تحتاج الى ٦٠٠ عنصر، الآن رفعنا العدد الى ١٥٠٠ والطموح ان نصل الى ٣٠٠٠، لكن لدينا مشكلة على مستوى قوى الامن فحسب مرسومها الصادر في العام ١٩٩١ يجب ان يكون ملاك قوى الامن الداخلي ٢٩ ألفاً و ٤٩٥ ضابطاً وعنصراً، لدينا ٢٢ ألفاً، هذا في العام ١٩٩١، اذا نحن بحاجة الى التطويع الذي بات امرا ملحا، شرط ان لا نقوم بتطويع مجندين على خمس سنوات من دون ضمانات، لانك لا تستطيع ملاحقتهم كما الافراد في السلك.
والحل ماذا؟
- الحل بتطويع افراد وادخالهم في الملاك، نحتاج الى بناء مؤسسة فقوى الأمن الداخلي مؤسسة ظلمت على مدى سنوات طويلة، وهي خط التماس الأول مع الناس ويجب ان تريح الجيش من المهام الداخلية، وليتعاظم دورها تحتاج الى عديد وتجهيز وهذا ما يجب ان يكون اولوية لدينا. وطموحي ان تكون المخافر وضعها مختلفاً عما هي عليه اليوم وان يكون شرطي السير حاكماً بأمره على الارض يهابه الجميع وفي الوقت نفسه الكل يستلطفه اذا التزموا بقوانين السير.
واذكر ان الوزير السابق الدكتور سمير مقدسي، عندما كتب في احدى المقالات بعنوان الخيارية في الجمهورية اللبنانية وكان يقصد فيها خيار التوقف وعدم التوقف عند الضوء الأحمر، والذي ينم عن خيارات اخرى لدى المواطنين تصل الى قضايا سياسية كبيرة.
سخر كثيرون من حملة التشدد في وضع حزام الأمان والبلاد تعاني من التفجيرات، لكن أقول باستطاعتنا العمل على قوانين السير في الوقت الذي نعمل فيه على مكافحة الارهاب وشبكات التجسس فلكل امر مسار ويمكننا السير بها جميعاً. فلبنان في صراع مع العدو الاسرائيلي منذ العام ١٩٤٨ هل نوقف البلاد من اجل ذلك؟! وحزام الامان لم نسر به لادخال الأموال الى خزينة الدولة، انما لحماية الناس لأن ٨٠% من حوادث السير تؤدي الى اصابات مزمنة في حال لم يستخدم الحزام.
مخالفات البناء مكبوحة في الضاحية
معروف عنكم قولكم ان الأمن في لبنان هو سياسي بالدرجة الأولى لكن هناك حوادث امنية صغيرة منها مخالفات البناء واصحابها باتوا يتذرعون بقولكم؟
- على العكس من ذلك، فمخالفات البناء في الضاحية الجنوبية التي قيل الكثير عنها، وان كانت لم تقمع بالكامل لكن لم تعد كما في السابق من دون معالجة، وهناك اشتباكات مع القوى الأمنية المنتشرة في الضاحية واحد الضباط برتبة نقيب اصيب لكن المخالفة ازيلت.
وعندما اقول الأمن سياسي، بمعنى تشاركي، وان امن الانتخابات مثلاً معنية به جميع القوى السياسية. وهو بخلاف اي دولة اخرى، فالأمن ليس عسكرياً فقط بمعنى حمل السلاح، بل هو مشاركة القوى السياسية ومتابعة من مجلس الوزراء مجتمعاً. اما المخالفات الصغيرة فلا تدخل في الأمن السياسي اطلاقاً. ولكي لا نكذب على الناس، ومن اجل اعطاء نتائج مرضية على مستوى متابعة المخالفات الصغيرة، يجب ان يكون هناك قرار واضح باعطاء كل امكانات العمل لوزارة الداخلية وهذه غير متوافرة لغاية الآن. ذكرت تطويع لقوى الأمن وهو امر تفصيلي، فماذا عن مجلس قيادة قوى الأمن الذي يحتاج للاجتماع واتخاذ القرارات؟! وهو لا يستطيع ان يتخطى اموراً معينة حتى الآن. ماذا عن تعزيز الدفاع المدني وشغور مدير عام وزارة الداخلية وبعض المحافظين. كيف نحصل على نتيجة من دون موظفين وادوات وعدة الشغل. صحيح اننا اتينا بمتطوعين من اجل انجاز الانتخابات، لكنك لا تستطيع الاعتماد على هؤلاء في الأجهزة الأمنية والعسكرية.
اخالف القانون لأعيش
في موضوع المقالع والكسارات، وزير البيئة يقول ان مسؤولية وزارته تنحصر في منح التراخيص اما المراقبة فعلى وزارة الداخلية؟
- نحن جاهزون واي احالة تأتي من وزارة البيئة مستعدون لتنفيذها بحذافيرها. لكن اريد التأكيد على انه في ايلول ٢٠٠٨ كانت هناك احالة من وزارة الداخلية، تطالب بتطبيق قانون حماية البيئة الذي يقول بأن التراخيص تمنح من قبل المجلس الوطني للمقالع والكسارات وكنت حريصاً جداً على نقل هذه الصلاحية الى وزارة البيئة رغم اعتراض بعض الوزراء لأنه لا شيء يبرر وجودها في وزارة الداخلية من جهة، وحماية للبيئة من جهة اخرى.
ويجب ان يكون الترخيص مقيداً اي وفق شروط من يمتلكها يحصل على الترخيص. وبالنظر الى نصف الكوب الممتلىء، نجد ان صلاحية منح التراخيص انتقلت الى المجلس الوطني للمقالع والكسارات، وان هناك مخططاً توجيهيّاً عاماً اقر في مجلس الوزراء. اما النصف الفارغ فهو لا يزال ناقصاً في لبنان اشخاصاً مصرين على مخالفة التراخيص وتقول لك اريد ان اعيش، فضلاً عن وجود حاجة للسوق المحلية الى البحص والرمل علينا ايجاد حل لها والا ترتفع الاسعار بشكل جنوني. هذه مسؤولية مشتركة بين مجلس الوزراء وبين وزارتي البيئة والداخلية. وعلينا مقاربة الموضوع خارج المظاهرات والمطالبة بأمور من اشخاص مخالفين اصلاً للقانون. واخطر ما يحصل في البلد هو ان شخصاً يحتل منزلاً خلال الحرب فندفع له تعويضاً للخروج منه، او يقيم كسارة مخالفة للقانون ويثير المشاكل للحصول على تعويض لوقف الكسارة.
احبها... ولا احبها
احببت وزارة الداخلية، لو عرضت عليك في الحكومة المقبلة هل تهرب منها الى وزارة اخرى؟
- من المبكر الكلام عن هذا الموضوع وان كنا في خضم تشكيل الحكومة. وأنا لم اسع الى وزارة الداخلية، ولا الى اي وزارة اخرى، ولن اسعى، لذلك الموضوع هو بين يدي فخامة الرئيس. وبالنسبة اليّ ليس بالضرورة ان أكون في وزارة لأخدم. وللممارسة السياسية عناوين كثيرة احدها الوزارة، وان كنت في اي مكان حتى في عملي ومنزلي باستطاعتي المساهمة. وبقائي في هذه الوزارة ام لا امر لست معنياً به بشكل مباشر، قد اكون احببت وزارة الداخلية بما انجزته فيها انما صعوبة العمل فيها وفي هذه الظروف فلم ارغبها لأن الظروف كانت صعبة والامكانات غير متوافرة مما يجعل العمل في الوزارة مضنياً وتحقيق امنيات الناس مسألة صعبة.