وعود محاربة الفساد وحقيقة الفساد السياسي - رفيق خوري (الأنوار)
لبنان يعاني، بين كثير من صنوف المعاناة، آفتين متكاملتين: استسهال الاندفاع في ممارسة الفساد بلا خوف من أية مراقبة ومحاسبة. واستسهال الحديث عن محاربة الفساد من دون حساب لذاكرة الناس. واذا أخذنا بما نسمعه على الطريق الى تأليف الحكومة، فان المهمة الملحة التي يعطيها الجميع الأولوية هي محاربة الفساد. واذا تذكّرنا، أقلّه ما دار خلال المعركة الانتخابية من تبادل الاتهامات بالسرقة والرشوة والهدر وكل أنواع الفساد بين وزراء ونواب ومرشحين، فان المهمة تزداد إلحاحا بمقدار ما يضربنا اليأس. إذ ان هؤلاء يتقدمون صفوف الثابتين في السلطة وأصحاب المواعظ في الزهد والشفافية ونظافة الكفّ.
ذلك ان الفساد ليس عدو قسم كبير من التركيبة السياسية بل يسمّى الزيت لتشغيل ماكينة السلطة. وليس شخصية خرافية نغطي ممارساتنا باطلاق النار كلاميا عليها بل هو متجسّد في أشخاص من لحم ودم: وزراء ونواب ومدراء وشركاء في مافيات. ومن الوهم ان نتوقع قيام الفاسدين بمحاسبة أنفسهم والتخلّي عن مصدر ثرواتهم وما نقلهم من البيوت العادية الى القصور وجعلهم شركاء في المال العام وفي مشاريع القطاع الخاص. والوهم الأكبر هو الاتكال على الذين يضمنون الحماية السياسية والطائفية والمذهبية للفاسدين في مكافحة الفساد.
وليس من أسرار الآلهة كون التركيز على محاربة الفساد هو في جزء منه مراعاة مطالب دائمة لأصدقاء لبنان في عواصم العالم وفي صندوق النقد والبنك الدوليين. وأقل المطلوب منا هو اجراء اصلاحات بنيوية في السياسات الاقتصادية والمالية. ولا أحد يعرف ما الذي تستطيع الحكومة فعله في هذا المجال، بصرف النظر عن الرغبات والنيّات. لكن الكل يعرف ان الفساد السياسي هو أمّ المشاكل في لبنان. إذ هو عنصر بنيوي في تركيبة النظام الطائفي والمذهبي. وكل الدعوات الى الاصلاح السياسي اصطدمت بحراس النظام، سواء جاءت من قوى يسارية وتنظيمات مجتمع مدني من خارج السلطة وعلى هامشها في الداخل أو من قوى وسطية ويمينية كانت ولا تزال في مركز السلطة. وفي كل الضجيج الدائر حاليا حول الحكومة والحصص والبرامج والأولويات، فان الاصلاح السياسي يبدو خارج التداول أو أقلّه خارج جدول الأعمال.
وليس قليلا عدد الذين يقلّدون ماكيافيللي، وبعضهم يتفوّق على كل النصائح في كتاب الأمير. ماكيافيللي يقول ان فضائل الأمير يجب أن تكون مرئية فقط، لا حقيقية. واذا مارس الأمير كل الفضائل فان ذلك يؤذيه، في حين ان ظهورها فقط مفيد. وأمراء الطوائف والمذاهب والذين يدورون في أفلاكهم معلمون، لا فقط يحفظون هذا الدرس.