إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

عودة التهديد النووي للمنطقة! - حبيب معلوف (السفير)

تتعرض المنطقة العربية والمتوسطية في الفترة الاخيرة لهجمة نووية جديدة. انها هجمة استثمارات نووية في الجوهر، مغلفة بشعارات كثيرة من نوع «البديل المستقبلي عن النفط» الذي يفترض ان تعود اسعاره للارتفاع حتما، وكونه من الموارد غير المتجددة بالاصل، بالاضافة الى شعار «محاربة تغير المناخ» الذي يتحمل القسط الاكبر منه احتراق الوقود الاحفوري ولا سيما مع الانطلاقة الجديدة لبروتوكول كيوتو نهاية العام الجاري. بالاضافة الى تبني دول النادي النووي بناء المفاعلات النووية من الأجيال الجديدة ونشرها عالمياً، ولا سيما في البلدان النامية.
ويأتي المؤتمر الدولي الذي افتتح اعماله امس في عمان (بعد سنة كاملة من التحضير) والذي يناقش «امكانية تطوير دورة وقود نووية عربية» بعد الجولة التي قام بها بعض رؤساء دول النادي النووي العام الماضي، مثل الرئيس الفرنسي، لتوقيع عقود مع بعض الدول العربية. وقد اصبح على لائحة الدول النووية عدد كبير من الدول العربية الطالبة للاستثمار النووي لتوليد الطاقة وتضم هذه اللائحة الجزائر، الأردن، ليبيا، المغرب، اليمن، السعودية، الإمارات، ومصر. والمعلوم ان مصر كانت قد تقدمت كثيرا في السابق (منذ عشر سنوات تقريبا) للاستثمار في هذه الطاقة الخطرة وكانت وصلت تقريباً إلى مرحلة اختيار المُنَفّد، لكنه توقفت.
وإذ يرد البعض اليوم الهجمة النووية الجديدة لاسباب سياسية اكثر مما هي طاقوية واقتصادية، والتي يمكن ان نطلق عليها اسم «الحجة الايرانية»، بمعنى إيجاد توازن نووي ما في المنطقة، بالاضافة الى التوازن مع اسرائيل النووية... قد يمكن اخذ الموضوع اليوم على محمل الجد في البلدان غير النفطية ولا سيما في مصر والاردن (كون النفط لا يزال الارخص والافضل للاستثمار من المفاعلات النووية).
والمعلوم ان طموح بلد كالاردن، حسب استراتيجيته الرسمية التي تشتكي من ذهاب 20% من الموازنة العامة لاستيراد الطاقة من الخارج والمقدرة بـ95% من احتياجاتها (مقارنة مع لبنان الذي يستورد ما يقارب 97% من احتياجاته من الطاقة)... ان يتحول الى بلد مصدر للطاقة الكهربائية المولدة من الطاقة النووية بحلول العام 2030 والاستفادة من مخزون اليورانيوم المقدر بما يقارب 70 ألف طن.
كما يتم الترويج لامكانية ادماج دول عدة للاستفادة من هذه المفاعلات، وقد اقترح البعض انشاء مفاعلات مشتركة بين لبنان والاردن (لتشابه وضعهما الطاقوي)، وربما مصر ايضا!
يروج لهذه الهجمة بدراسات تبين ان هناك زيادة حتمية للطلب على الطاقة في المستقبل، وان كلفة انشاء المعامل مقبولة بالقياس الى ارتفاع اسعار النفط الحتمية ايضا، وان هناك مساعدات حتمية ستأتي للدول النامية عندما يتم اقرار الاتفاقيات الدولية المتعلقة بتغير المناخ والتي ستعتبر الطاقة النووية احد اهم التكنولوجيات البديلة التي لا ينتج عنها انبعاثات، بالاضافة الى توفر وجود مخزون مهم من اليورانيوم في المنطقة... الا ان المروج لهذه المعطيات تغافل حقائق مناقضة عدة تبين ان لاجدوى اقتصادية وبيئية من هذه الصناعة الخطرة ومنها: ان المنطقة غنية بالشمس التي لا تنضب بالمقارنة مع النفط واليورانيوم، وان أعمار المفاعلات قصيرة جدا ولا تتجاوز الاربعين سنة او الخمسين في احدث تطوير. كما تتغافل كلفة الصيانة (مع ثمن المعدات وكلفة الخبراء غير العرب بالطبع) والامان والحماية... والتي هي اكبر من كلفة انشاء المفاعلات والتي يمكن ان تستنزف دول المنطقة. بالاضافة الى كلفة وطرق معالجة النفايات النووية الخطرة التي ستنجم عن تشغيل هذه المحطات.
فإذا كانت دول العالم النووية قد تورطت في الاستثمار في هذه التقنية الخطرة، وبات من الصعب عليها ان تتراجع بين ليلة وضحاها، بعد ان صرفت مئات مليارات الدولارات لدعم البحث العلمي النووي وتطوير تقنياتها، فما هو الدافع الحقيقي لبلدان النفط والشمس ان تتورط في النووي الخطر؟
فوفقا للارقام الرسمية، انفقت حكومات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ما يزيد على 150 مليار دولار اميركي على الابحاث النووية خلال الربع الاخير من القرن العشرين، ويمكن ان يتضاعف هذا الرقم الى اكثر من مرة اذا ما احتسب حجم انفاق القطاع الخاص المستثمر ايضا، بالاضافة الى الانفاق السري للدول الذي لا يعرفه احد، بالاضافة الى مصاريف الصيانة والمراقبة واطر الامان العالية الكلفة، بالاضافة الى الاجراءات المطلوبة للتخلص من النفايات النووية العالية الكلفة ايضا.
وبالرغم من كل ذلك، تعتبر الصناعة النووية من اخطر الصناعات، ومخلفاتها من اخطر ما اخترع الانسان من حيث السمية والاضرار البيئية. وكما هو معلوم، تنتج عن المفاعلات النووية كميات كبيرة من المواد القابلة للانشطار (والتي يمكن ان تسرق وتستخدم للارهاب او في الصراعات الدائرة منذ عقود في المنطقة). مع العلم ايضا ان الاشعاعات النووية تمثل تهديدا قائما طوال كل عملية الانتاج، بداية من تعدين اليورانيوم، الى تشغيل المحطة وانتهاء بالتخلص من النفايات. وامكانيات التسرب ووقوع حوادث او اخطاء ممكن دائما بالرغم من كل التطور. مع العلم ايضا انه يبقى للنفايات المشعة تاثير مميتا لآلاف السنين بعد انتاجها!
وتجدر الاشارة الى ان اي دولة في العالم، من الدول المتقدمة في الصناعة النووية، لم تتمكن من انشاء موقع آمن ودائم للتخلص من النفايات النووية، وان دولة كبرى كالولايات المتحدة لم تجد حلا آمنا على المدى البعيد لتلك النفايات البالغة الخطورة، وهي تأمل في الانتهاء من بناء موقع في جبل يوكا في صحراء نيفادا بعد اكثر من خمس سنوات، فيما تحتاج الدول الاوروبية الى اكثر من عشر سنوات لتلحق بها!
فما الذي ينتظر العرب اذا قرروا السير في هذه الطريق الخطرة وغير الآمنة غير الخطر الشديد وطرق جديدة من الاستغلال والاستتباع في صناعة خطرة جدا لا يملكون علمها وعلماءها وتقنياتها، في وقت هم يتمتعمون بأشعة الشمس الدائمة، رمز الاستقلال ووقف التبعية... ولا يستفيدون!؟

← العودة إلى مختارات