إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

لنتخيّل ! خمسة مشاريع كبرى للبنان - إدغار شويري (النهار)

البروفسور شويري هو مدير برنامج الهندسة الفيزيائية ومدير مركز الدفع الكهربائي والبلاسما في جامعة برنستون، ومسؤول عن عدة مشاريع مع الـ"نازا" في حقل فيزياء البلاسما (Plasma Physics) التي تعمل على تطوير الصواريخ الهادفة إلى الاكتشاف الآلي والبشري لكوكب المريخ، ورئيس جميعة الدفع الصاروخي في الولايات المتحدة، ورئيس الأكاديمية اللبنانية للعلوم. ترجمت النص عن الانكليزية كارلا سرحان.

تصوروا، أيها السيدات والسادة، أمة ينظف مواطنوها بيئتهم بدل تلويثها؛ أمة تعتمد على الحقائق العلمية من أجل اتخاذ قراراتها الحرجة، بدل الإعتماد على المعتقدات، والخرافات، والتنجيم؛ أمة تطلب خير الجماعة وليس تقدم العشيرة؛ أمة تساهم في صنع المعرفة الكونية وليس الخلافات المحلية.
تصوروا أمة تستقطب الأدمغة الأجنبية بدل أن تتخلى عن أدمغتها؛ أمة جامعاتها ليست فقط أماكن للتدريس، وإنما مراكز أبحاث عالمية التصنيف، أمة ليست فقط مكانا للترحيب بالسياح، وإنما المكان المفضل للمؤتمرات العلمية العالمية، أمة شبابها متسلح بالعلم ومجهز للمشاركة بالمغامرات الفكرية الأكثر إثارة.
سؤالي، أيها السيدات والسادة، هل يستطيع لبنان أن يكون هذه الأمة؟
علّمنا التاريخ أنه عند الخروج من عقود من الحروب، والدمار، والصراعات، تكون الأمم مستعدة للنهوض بواسطة مشاريع كبرى، مشاريع ملهمة، مثيرة، تغييرية، وواسعة النطاق؛ تطال أكثر المجالات العلمية والهندسية تقدما، وتلهم شبابها وشيبها وتشدهم إليها من كافة الحقول والميادين.
سأبرهن اليوم أمامكم أن لبنان ناضج كفاية لمثل هذه "المشاريع الكبرى" التي ستحول مجتمعه من مجتمع استهلاكي محوره المال، إلى مجتمع منتج محوره المعرفة.
إسمحوا لي، بداية، أن أوضح ما أعنيه بـ"المشاريع الكبرى" ولأي سبب أنا أعتقد أنه يمكن هذه المشاريع أن تلعب دورا في إحياء لبنان وجعله "الأمة الصغيرة القادرة". بعد ذلك، سآخذ على عاتقي مهمة تخيل بعض "المشاريع الكبرى" من أجل لبنان.
I - مثلان عن "المشاريع الكبرى" التغييرية:
منذ ثمانية وأربعين عاما، في 25 أيار 1961 تحديدا، توجه الرئيس الأميركي "جون كينيدي" إلى أمته قائلا:
"أنا أؤمن بأن على هذه الأمة أن تضع نصب عينيها هدف إيصال رجل إلى القمر، ومن ثم إعادته سالما إلى الأرض قبل نهاية هذا العقد... لأنه، ولأسباب عدة، يمكن السفر في المجالات الفضائية أن يحمل مفتاح مستقبلنا على الأرض".
بالفعل، وبعد فترة لا تتعدى الثماني سنوات، كما نعرف جميعنا جيدا، أدى برنامج "أبولو" إلى سير رجل أميركي على سطح القمر. ولكن ما لا يدركه الناس تماما، هو وقع مشروع كبير كهذا على حياتنا اليومية. الكثير من اختراعات واكتشافات المهندسين ورجال العلم المساهمة في مشروع "أبولو"، وجدت طريقها إلى منازلنا، مطابخنا، مستشفياتنا، ثيابنا، سياراتنا وكمبيوتراتنا. ويشمل ذلك المواد، والماكينات والتقنيات التي نعتبرها بديهية، والتي تحسن من مستوى حياتنا اليومية وعنايتنا الصحية وتسهلهما. الأمثلة كثيرة، ولكني سأعطيكم مثلين:
1) تقنيات تعقيم المياه، التي طورت من أجل المركبة الفضائية "أبولو"، لها اليوم العديد من الإستعمالات الثانوية لقتل الباكتيريا، والفايروس والطحالب، وهي تقلل أيضا من الرصاص في شبكات المياه، كما في المصافي المستعملة في المنازل.
2) الماكينات المستعملة اليوم في المجال الطبي، وفي مجال غسل الكلى تحديدا، بهدف القيام بوظيفة كلية مفقودة، تعود إلى التطور الكيميائي الذي أحرزه علماء "النازا" ومهندسوها من أجل إزالة النفايات السامة من المركبة الفضائية "أبولو".
باستطاعتي أن أعطيكم أمثلة مشابهة متعلقة بالمواد والإلكترونيات وأجهزة الكمبيوتر، والتقنيات الأخرى. لم يكن أحد ليتصور في العام 1961 وقع هذه الاختراعات والاكتشافات على حياة الأجيال المستقبلية.
وعلاوة على ذلك، أنا أؤمن بالدور الكبير الملهم الذي لعبه برنامج "أبولو" عبر تحفيز وإلهام آلاف العلماء والمهندسين الشباب من جهة، والتأثير الإيجابي على تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات لعقود من الزمن في الولايات المتحدة الأميركية، من جهة أخرى.
في العام 1961، العام الذي تحدى فيه الرئيس كينيدي أمته بإرسال رجل إلى القمر، لم يكن المجموع العام لشهادات الدكتوراه في سائر أنحاء الولايات المتحدة الأميركية، وذلك في كل مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات مجتمعة، يتعدى التسعين شهادة. بعد أقل من ست سنوات، ارتفع العدد إلى أكثر من أربعة آلاف. إنها لظاهرة مربكة وغير مسبوقة في التاريخ الحديث. أكثر من مئة قسم هندسة وعلوم تعود بداياتها إلى تلك الفترة حيث كان الشباب الأميركي من كل طبقات المجتمع يستلهم مشروع "أبولو" الكبير، من أجل بناء مستقبله العملي في ميداني العلوم والهندسة. لم تكن الحماسة تقتصر على الولايات المتحدة الأميركية، إذ إن الكثير من شباب العالم أجمع تركوا بلدانهم الأم ليدرسوا اختصاصات تقنية في الولايات المتحدة الأميركية.
أنا مثال حي عن قوة الإلهام التي مارسها مشروع "أبولو" الكبير على شباب الكرة الأرضية جمعاء. نشأت في طرابلس خلال عصر "أبولو"، وكنت محظوظا بأساتذة رائعين في مدرسة "الفرير". وعندما أقفلت الحرب الأهلية مدرستي، حظيت لبضعة أشهر بأساتذة ملهمين أيضا، هنا في مدرسة البلمند. حلمت حينها بالمشاركة في البرنامج الفضائي. كنت محظوظا جدا لأنني استطعت الذهاب إلى الولايات المتحدة للدراسة، ومن ثم العمل لاحقا في هذا المجال.
منذ أكثر من ألف عام، أطلق الخليفة العباسي "المعتصم بالله"، الرؤيوي كـ "جون كينيدي" في دعمه للإكتشافات، نوعا آخر من المشاريع الكبرى لأمته في العام 836 م، إذ أعلن إنشاء مركز كبير للأبحاث في مجال التشريح والجراحة على ضفاف نهر "دجلة" في بغداد، وزوده بمجموعة كبيرة من القرود والثدييات من أجل إجراء الدراسات المقارنة والتشريح، من قبل أكبر علماء الطب في أيامه. سرعان ما تحول هذا المركز إلى منارة لألمع الباحثين في مجال التشريح، وجذب علماء أمثال الكندي وابن ماسويه الذي استعمل قرود المركز لدراسة الكثير من المسائل المتعلقة بالتشريح، والتي أدت إلى كتابه الواعد في طب العيون: "دغل العين"، وكذلك إلى كتاب الحكم الشهير، الذي كانت ترجمته اللاتينية معروفة جدا في أوروبا في القرون الوسطى.
عندما نسأل اليوم، بعد أكثر من ألف سنة: "ما هي أعظم إسهامات "المعتصم بالله" في تطور الإنسانية؟" لا يكون الجواب، على ما أظن، غزوه الشهير لعمورية، بل مشروعه الرؤيوي الكبير: مركز الأبحاث على ضفاف نهر "دجلة".
كذلك الأمر، بعد ألف سنة، عندما سيعود تلامذة التاريخ إلى إنجازات أميركا الكبرى في عصرنا، لن يكون غزو العراق وإنزال القوات المسلحة على ضفاف نهر "دجلة" هو الأهم، بل بالأحرى برنامج "أبولو" الذي أنزل إنسانا على سطح القمر.
II - هل لبنان مجهز فعلا ليتولى المشاريع الكبرى المصنفة عالمية في مجالي الهندسة والعلوم؟
الآن، وقد حددت ما أعني بالمشاريع الكبرى، وقبل أن آخذ على عاتقي مهمة تخيل بضعة مشاريع قيمة وطموحة من أجل لبنان، أود أن أوجه سؤالا: "هل لبنان مجهز فعلا ليتولى المشاريع الكبرى المصنفة عالمية، في مجالي الهندسة والعلوم؟"
كرجل علم يعمل في الولايات المتحدة الأميركية، سررت وتشرفت بأنني التقيت، على مدى سنوات وفي كل أنحاء العالم، عددا مذهلا من العلماء اللبنانيين المميزين، سواء أكانوا من المهاجرين أم ممن هم من أصل لبناني. إنك لتكاد تجد على ذروة كل حقل من حقول العلم عالما لبنانيا، والعديد منهم يعتبرون نجوما في حقولهم المختلفة، ويتوجون بأعلى تقدير، وقد قاموا بإسهامات عديدة من أجل دفع عجلة التكنولوجيا والعلوم الطبيعية إلى الأمام.
لبنان بلد صغير، وإشعاعه الفكري الأكبر من حجمه الجغرافي، قد كان ذا فائدة كبرى للكثير من الأمم، ولكنه ما زال غير مستثمر في خدمة الأمة التي نشأ فيها.
بكل أسف، معظم العلماء اللبنانيين الذين التقيتهم، إن لم أقل كلهم، لديهم القليل من العلاقات المهنية مع لبنان، مع مؤسساته العلمية ومع علمائه المقيمين فيه. وبالرغم من شهرتهم في العالم العلمي، بقوا عمليا غير معروفين في لبنان.
على عكس الكثير من المشاكل اللبنانية التي تبدو في أحيان كثيرة شائكة ومحيرة، فإن إنشاء ثقافة علمية في لبنان هي مسألة يعرف العلماء اللبنانيون في داخل لبنان وخارجه، كيف يحلونها. إذا نظموا أفضل طاقاتهم، وجندوا دعم الجالية اللبنانية - هذه الجالية المنتشرة في كل أنحاء العالم - وتعاونوا مع مؤسسات إقليمية ودولية ووكالات تمويل.
أنا متحمس جدا لإعلامكم بأن أول خطوة كبيرة في هذا الاتجاه قد تمت عندما أسس منذ حوالى السنة، ثلاثة عشر عالما لبنانيا، وفرنسيين وآخرين من أصل لبناني، أكاديمية العلوم اللبنانية، وذلك بعد الجهود التحضيرية الجبارة التي قام بها العميد "جورج بحر" من جامعة البلمند، وأعضاء أساسيون في أكاديمية العلوم الفرنسية الموقرة. تهدف هذه الأكاديمية إلى لعب دور محوري في حياة لبنان العلمية، مشابه للدور الذي لعبته أكاديميات العلوم في كثير من البلدان. الهدف الأساسي لأكاديمية العلوم هو المساهمة مباشرة في إنماء العلوم في لبنان، وإحيائها ونشرها، وكذلك المساعدة في نمو ثقافة علمية مصنفة عالمية، كونية التطلعات ومستجيبة في الوقت عينه للاحتياجات الخاصة بلبنان.
واحدة من أولويات أكاديمية العلوم هي تقديم إطار لتواصل الكثير من العلماء اللبنانيين المهاجرين والمؤسسات التي يعملون فيها مع العلماء والمؤسسات العلمية في لبنان، بهدف تطوير قدرة علمية في لبنان تكون مثالا لامعا للمنطقة، وبالتعاون مع مؤسسات وعلماء إقليميين نصل إلى نهضة علمية في الشرق الأوسط.
في خطاب سابق ألقيته في أبو ظبي في العام 2006، نشر في جريدة "النهار" في شهر تشرين الأول من العام الماضي، اقترحت بعض الخطوات لتعزيز الأبحاث العلمية وتعليم العلوم في العالم العربي.
III - تخيل خمسة مشاريع كبرى للبنان
الآن وبعد أن أشرت إلى بعض الموارد الفكرية التي سنحتاج إليها من أجل تنفيذ مشاريع علمية وهندسية متطورة، نصل إلى القسم المسلي من خطابي، حيث سأعود إلى موضوع "المشاريع الكبرى" وأسمح لنفسي، مع احتمال أن أبدو غامضا تقنيا وغريبا بعض الشيء، أن تخطفني مخيلتي، فأقترح بعض المشاريع العلمية الكبرى في لبنان والمنطقة.
أود لفت انتباهكم إلى أن المشاريع الكبرى التي سأوردها هي مجرد اقتراحات معطاة كأمثلة يمكن أن تلهم اللبنانيين وتلهب النقاشات، وليست مشاريع مدروسة وجاهزة للتطبيق الحرفي.
طبعا، أنا لن أقترح أن يسعى لبنان إلى إرسال إنسان إلى القمر، ولن أقترح إنشاء مركز لتشريح القرود على ضفاف نهر الليطاني. ومع أن المشاريع التي سأعرضها يمكن أن تتحدى منطق محدودية قدرات أمة صغيرة، ولكنها على الأقل تمرن مخيلتنا. قال ألبرت أينشتاين مرة: "يمكن المنطق أن يأخذك من النقطة ألف إلى النقطة باء، أما الخيال فيستطيع أخذك إلى كل مكان."
دعونا إذن نتخيل مرة أخرى:
- المشروع الأول:
تصوروا كل شعب جنوب لبنان نازحا مرة أخرى - نرجو أن تكون الأخيرة - ولكن هذه المرة لبضعة أيام فقط. ستكون هذه المناسبة فرصة سعيدة، إذ ستستضاف كل عائلة جنوبية –لنقل- ليومين أو ثلاثة من قبل عائلة متطوعة من خارج الجنوب، حسب عادات الضيافة والكرم اللبنانيين الشهيرين. قبل هذا النزوح المؤقت، يقوم العلماء والمهندسون اللبنانيون، بعد فترة من البحث المكثف الممول من قبل بلدان صديقة، ومهاجرين لبنانيين، والمدعوم من قبل شبكة كبيرة من الباحثين والصناعيين داخل لبنان وخارجه، بإقامة تجهيزات ضخمة لهوائيات كهرومغنطيسية فائقة القوة قادرة على إطلاق ذبذبات لموجات كهرومغناطيسية لديها طاقة هائلة موجهة إلى كل الأرض المشتبه باحتوائها ألغاما غير منفجرة. الطاقة المكثفة الموجهة ستفجر فورا كل الألغام حتى المدفونة منها بضعة أقدام تحت سطح الأرض، مسببة بذلك أضرارا مادية لا يمكن تفاديها، ولكنها محدودة، ومن الممكن معالجة آثارها، وموفرة إصابات وقتلى لعقود من الزمن.
- المشروع الثاني:
تصوروا لبنان يتحول إلى حقل اختباري واسع لدراسة وتطوير تقنيات توفيرية للطاقة الشمسية. إن جعل الطاقة الشمسية إقتصادية، صنف من قبل الأكاديمية الوطنية للهندسة في الولايات المتحدة كأهم تحد هندسي في القرن الواحد والعشرين. إن الطاقة الشمسية التي تصل إلى سطح الأرض، تقدر بأكثر من عشرة آلاف ضعف ما يستعمله الإنسان من طاقة تجارية. والتقنيات التي تستعمل لاستخراج طاقة كهربائية مفيدة من الشمس، ما زالت إلى حد بعيد غير فعالة وباهظة الكلفة. تصوروا لبنان، المبارك بغالبيته بـ300 يوم مشمس في السنة، حاشدا بالمتطوعين من تلامذة المدارس وطلاب الجامعات وأساتذتهم، يجهزون منازل القرويين بألواح شمسية اختبارية، وبنظام تخزين للطاقة، منفذين بذلك اختبارات وقياسات منسقة في القرى والبلدات، وذلك بتوجيه من مراكز للأبحاث في الجامعات، وبتمويل من الصناعيين والحكومات. تقنيات ومواد جديدة مطورة من قبل الباحثين، يمكن أن تختبر على الأرض على نطاق واسع وواقعي. يمكن أن تستخدم السهولة التي يتمتع بها الطلاب في استعمال الكومبيوتر والإنترنت من أجل إرسال نتائج الاختبارات إلى بنك معلومات مركزي لكل علماء العالم.
لقد أنشأت السعودية وقطر والكويت غيرها من بلدان الخليج، منذ زمن ليس ببعيد، مراكز للأبحاث المتفوقة في هذا المجال الحساس، ولبنان بفضل شعبه المتعلم، والعلاقة الوثيقة التي تجمع أبناءه في قراهم ومجتمعاتهم، هو شريك طبيعي في هذه المشاريع. القدرة على تجنيد أشخاص فعالين متطوعين أو يعملون مقابل أجر ليتولوا مشاريع طموحة، بدت جلية عندما قام اللبنانيون بتنظيف الشاطئ المتوسطي اللبناني بعد كارثة تسرب النفط عام 2006.
- المشروع الثالث:
تصوروا بيروت مكانا لـ"بلانيتاريوم" مذهل، يكون الأكثر تطورا في العالم، مصمم ليقصده ملايين السياح والتلامذة من المنطقة والعالم. بلانيتاريوم بيروت، هو بمثابة قبة من 25 مترا، مغطاة بشاشة تعرض عليها أحدث مشاهد الكواكب والنجوم. العروض التثقيفية ستكون الأولى من نوعها إذ تحتوي على مشاهد حية من كواكب، ونجوم، وكازار، ومجرات وأجسام فضائية أخرى مرسلة بواسطة راصدات أرضية وفضائية من مختلف أنحاء العالم. سيشدد واحد من العروض على تاريخ علم الفلك، مع التركيز على المساهمات الكبرى لعلماء الفلك العرب عبر القرون.سيعزز هذا "البلانيتاريوم" صورة بيروت كمدينة سياحية عائلية، ويكمل معالمها السياحية الشهيرة من ملاه ليلية ومطاعم، بإضافة جانب تعليمي يكون الأول من نوعه. التخطيط لهذا المشروع وصيانته سيشركان علماء فلك لبنانيين وعرباً قاطنين في كل أنحاء العالم، وسيعرف آلاف اللبنانيين على عجائب السماء الليلية، وجمال الفلك وإثارة العلم واكتشاف الفضاء.
- المشروع الرابع:
تصوروا لبنان يتحول إلى مركز عالمي لتطوير برامج المعلوماتية الاقتصادية.
لأجل ذلك، تصوروا مؤسسة أنشأها اتحاد صانعي البرامج المعلوماتية من كل أنحاء العالم، ومهاجرون لبنانيون وفاعلو خير. وستعطي هذه المؤسسة لكل تلميذ لبناني جهاز كومبيوتر محمولا متطورا جدا مع اتصال لاسلكي بشبكة الإنترنت. وستحث المؤسسة التلامذة من كل الأعمار على ابتكار برامج خلاقة على الكومبيوتر. قبل مضي وقت طويل، سيظهر الجيل الأول من مطوري برامج الكومبيوتر المحليين، مما سيشكل من دون شك حافزا لزيادة كبيرة في عدد طلاب علم المعلوماتية وهندسة المعلوماتية في الجامعات اللبنانية، مثلما حصل في الولايات المتحدة إبان عصر "أبولو".
بفضل نوعية التعليم في لبنان، والطابع العالمي للثقافة اللبنانية، سينافس هذا الجيل من مطوري برامج الكومبيوتر نظراءه في مومباي في الهند بالنوعية إن لم يكن بالكمية، وسينافس كذلك نظراءه الإسرائيليين بالكمية وبالإتقان. بما أن اللبنانيين معروفون تاريخيا بإتقانهم المجالات المصرفية والتجارية، فلن يكون مفاجئا أن يتصدر هؤلاء المهندسون عالم تطوير البرامج الإلكترونية في مجالات التجارة والإلكترونيات.
مع تطور شبكة الإنترنت، أصبحت المسافات الجغرافية التي تبعد المستخدم عن العقل المدبر، وهمية. هذا الجيل الجديد من عباقرة الكومبيوتر سيعملون من منازلهم المريحة في الجبال، وسهل البقاع، والجنوب، وبالقرب من شواطئهم المفضلة، من دون أن يضطروا للمعاناة في زحمة السير الخانقة في العاصمة، ومن دون أن يزيدوا من تلوث البيئة.
مع التقليد اللبناني المعروف بالامتياز في المجال الطبي، المجال التالي الذي على هذا الجيل من المبدعين في مجال الكومبيوتر امتلاكه، هوالحقل الناشئ والمهم في مجال المعلوماتية الطبية.
- المشروع الخامس:
تصوروا أن يكون لبنان مع شركاء له في المنطقة والعالم فريقا لتصميم، وتصنيع، وإطلاق، وصيانة أحدث الأقمار الاصطناعية وأكثرها تكاملا في الشرق الأوسط. سيكون لدى شبكة الأقمار الاصطناعية هذه، تقنيات غير مسبوقة، وستكون قادرة على "رؤية" ما فوق سطح الأرض وما تحته، مما يسمح لها بتحديد موقع أثر الموارد المائية والنفطية، والنباتية واقتفائها، وكذلك هجرة الحيوانات كالطيور والثدييات وحتى أسراب الحشرات الكبيرة كالجراد، وأخيرا لا آخرا، امتداد وتطور العواصف الرملية، الحرائق، التصحر والحوادث الجيولوجية. هذه المنظومة الفضائية ستتيح الفرصة للعلماء والمسؤولين كي يتوقعوا ويتعقبوا الكوارث سواء أكانت طبيعية أم من صنع الإنسان، ويقودوا حملة من أجل بيئة نظيفة ومخطط زراعي واضح.
•••
هذه المشاريع التغييرية ستبشر بولادة عصر جديد للبنان، ينتقل فيه المجتمع اللبناني من الاعتماد على التجارة والعملات التي تتغير قيمتها باستمرار، إلى مجتمع مرتكز على المعرفة، وعلى الأفكار التي تتكيف باستمرار مع متطلبات العصر، وهي أفكار ذات قيمة متصاعدة دوما.
أنا لم أذكر إلا كمّا قليلا من المشاريع. وهي من دون شك منحازة إلى العلوم الفيزيائية التي أعرف القليل عنها. المهتمون بعلوم الحياة من بينكم، يستطيعون أن يتصوروا مشاريع كبرى تغييرية أخرى، يمكن أن تكون أكثر أهمية للبنان والعالم العربي في مجالات البيوتكنولوجيا والطب والصحة.
إن كنت آمل شيئا، فهو أن يكون خطابي اليوم دعوة للخيال. سأستشهد بقول لأينشتاين مرة أخرى: "الخيال هو كل شيء. إنه تصور مسبق لإغراءات الحياة القادمة"
وأحب أن أضيف: "تصوروا ما قد يحدث لو كنا لا نتخيل."

← العودة إلى مختارات