إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

عون ـ جعجع: «معركة إلغاء» عنوانها مجدداً... الزعامة المسيحية - كارين سالم (السفير)

 

في حديث من «القلب» الى مراسل صحيفة فرنسية شهيرة قبل 19 عاماً، يروي الرئيس السابق للرهبانية المارونية الأباتي بولس نعمان أنه عندما كان يقوم بزيارات مكوكية خلال «حرب الإلغاء» عام 1990 بين مقري ميشال عون في بعبدا وسمير جعجع في ذوق مكايل، اكتشف «أن المسيحيين في لبنان عالقون بين مجنون وخبيث». كلامه كان في المطلق، ولم يحدّد مَن المقصود في العبارتين. في اليوم التالي لاقاه عون باستنكار: كيف تقول أنني مجنون؟. وسأله جعجع: أنا خبيث يا أباتي نعمان؟».
التدخل السوري الحاسم رحّل «مجنون السياسة» ببزته المرقّطة الى المنفى الباريسي. 15 عاماً من الغربة الموحشة، توّجت عودته الى المربع الأحب الى قلبه... «مربع الزعامة المسيحية». «الحبكة» الإقليمية نفسها، قادت «الخبيث» الى زنزانات وزارة الدفاع لمدة 11 عاماً، ليخرج بعدها حالماً باستعادة السطوة القواتية، بالسياسة هذه المرة، على «مربع» الزعامة نفسه.
الواقفون على مسافة من «الجنرال» و«الحكيم» يلتقون عند نقطة تقاطع واحدة. ثمة من وضع يده على كبسة الـ Rewind. كأن التاريخ يعيد نفسه. الصراع المسيحي الذي ظنّ الكثيرون أنه انتهى مع فتح «صفحة الطائف»، تجدّد بنسخة «منقّحة» بعد عودة «الزعيمين» الى الحياة السياسية. البطريرك نصر الله صفير، وفي عزّ انقسام رعيته بين «خطابين»، وقبل أن يتبنى علناً المشروع السياسي لقوى الرابع عشر من آذار، قالها بالفم الملآن «لم ينسوا ولم يتعلّموا»، بعدما شهد على احتضار «لقاء قرنة شهوان». «المكتب السياسي» للبطريركية لعب «دور البديل المؤقت» عن الغياب المدوّي للصوت المسيحي على الحلبة السياسية في تلك الحقبة. يتناهى الى مسامع البطريرك بأن بعض العونيين يسمونه «أبو سمير». بكركي لا تعلّق، لكن «البرتقاليين» يدركون أن هذا التعبير يكشف أحد أوجه الصراع «المنفلش» مع «القواتيين».
مساران منفصلان
يحاول «مستكشفو» العلاقة بين الرجلين التفتيش عبثاً عن قواسم مشتركة يمكن البناء عليها، لترميم المسار «العوني القواتي» الذي تحكمه «لغة» التباعد والتشنج المستمر من القاعدة حتى رأس القيادة. التاريخ القريب يقدّم «دليلاً» واحداً على «تنسيق مشترك» بين عون وجعجع عندما أنشأ الشيخ بشير الجميل، بصفته قائد «القوات اللبنانية»، هيئة «للتخطيط المستقبلي» برئاسة مستشاره آنذاك أنطوان نجم وعضوية الضابط في الجيش اللبناني ميشال عون، وقائد «الجبهة الشمالية» في القوات سمير جعجع. اجتمع الثلاثة ثلاث مرات، ولم يخرجوا بأي نتيجة لأن عون وجعجع كانا يختلفان على الفاصلة والنقطة، والنفور بينهما كان أكبر من أن تتم «محاصرته». كان ذلك في أوائل الثمانينيات. شريط من المواجهات السياسية والعسكرية بين «العدوين اللدودين»، انتهى بـ«لقاء وجداني» في زنزانة وزارة الدفاع بعد عودة «الجنرال» من المنفى وقبل إقرار قانون العفو عن جعجع. لقاء قيل إن «دموع التأثر» لم تجد مكاناً لها فيه. قبل ذلك، وفي أول يوم له في لبنان، التقى «دولة الرئيس» في الرابية زوجة قائد «القوات» ستريدا جعجع. توجّهت اليه أمام الاعلاميين بالقول «جئنا باسم الحكيم لنؤكد طي صفحة الماضي، ولنؤسس للحاضر والمستقبل بمعارضة واسعة خصوصاً بعد انتهاء مرحلة الوصاية السورية». جواب «الجنرال» صبّ في الإطار نفسه «طوينا صفحة الماضي الذي نتذكره ونأخذ العبر منه... ومن لا يتطلع الى الأمام يقع في أول فخ ينصب له»، آملاً «أن يكون «الحكيم» بيننا في أقرب وقت ممكن».
هي «لمعات» نادرة مضيئة في مسيرة الرجلين. كانت تجلّت بوضوح أكثر على المستوى الطلابي، عندما ذاق الطرفان «مرّ» سنوات القمع والاضطهاد، والسجن والضرب والتحقيق في غرف المخابرات «السوداء».
حرب شوارع باللكمات
التاريخ يعيد نفسه في «سنوات السلم». مخابرات «ما بعد الوصاية السورية» تتحرك... لكن للفصل بين «المتقاتلين» العونيين في الجامعات والنقابات والشوارع... هي عودة «لا شعورية» الى محطات من المواجهة التي كادت أن تكون مدمّرة للمسيحيين. هي «انعكاس» باطني على الأرض لصراع دفين بين رجلين لم يتمكّنا يوماً من التفاهم... إلا على أن لا يتفاهما... ربما هي «حرب إلغاء» جديدة «سياسية» وليست «عسكرية»، تنكر الرابية ومعراب وجودها أصلاً، لكن ما يسرّب على مستوى الصف الثاني والثالث... لدى الفريقين يتقاطع عند الحد الذي يشي «بحرب كونية» ضربة الحسم فيها، إما لـ«الجنرال» وإما لـ«الحكيم». بكل بساطة لأن كرسيّ الزعامة المسيحية... واحدة.
لا يمكن للعونيين ان يغفروا لسمير جعجع «تغطيته» لعملية «13 تشرين» عام 1990. قبل نحو أقل من عام أعاد عون التذكير بهذه المحطة المأساوية، متهماً «القوات» صراحة بـ«التواطؤ». كان «الجنرال» عائداً لتوّه من زيارته التاريخية الى دمشق. فردّ «الحكيم» في المكان الذي يؤلِم العونيين. اعتبر أن طي «الجنرال» صفحة العداء الدموي مع سوريا، أكثر سهولة لديه من وضع يده في يد «القوات»، على رغم أن جرح «المفقودين وشهداء الجيش» ما يزال ينزف.
يدرك عون أن منافسه الحقيقي هو جعجع، وليس أي طرف مسيحي آخر. ونتائج الانتخابات الأخيرة لم تكن مُطمئنة. ذلك أن «الفِطر» القواتي تمدّد بشكل «مخيف»، وفق التعبير العوني، في مواقع نفوذ كانت محسوبة حصراً على «البرتقاليين»، في بيروت وبعبدا والبترون والكورة وجبيل، وبدرجة أقل في كسروان والمتن الشمالي. يعترف قيادي في «التيار الوطني الحر» «بالتنظيم «الحديدي» لماكينة «القوات» في الانتخابات في مقابل الضعف التنظيمي والتكتيكي «للعونيين»، وقدرتهم التجييرية ارتفعت بشكل لافت... ليس بشطارتهم، إنما بسبب فشلنا في إدارة المعركة». يصعب على عون إخفاء هذا الواقع السلبي المدعوم بالأرقام. لذلك تبدو الرابية «مستنفرة» حتى إشعار آخر، لمواجهة «المارد» القواتي الذي بدأ يخرج تدريجياً من القمقم. انتخابات 2009 كانت محطة سبقها «مسلسل» من المواجهة «الخرساء».
صقور ولغة خشبية
بعد خروج جعجع من السجن، استبدل الطاقم القواتي «الليّن» بآخر من «الصقور». شعر عون بأن «اللغة الخشبية» عادت لتتحكّم بمسار العلاقة التي تحتاج الى «جرعات» كبيرة من الدبلوماسية. وما كان ممكناً في الماضي أصبح اليوم من رابع المستحيلات. التحالف في انتخابات النقابات صار «ذكرى»، والتلاقي في السجون من أجل «القضية الواحدة» لم يعد وارداً. تعزّز الفراق في انتخابات المتن الفرعية وبعد توقيع «مذكرة التفاهم» مع حزب الله وحرب تموز وأحداث 7 أيار... عندها فقط قفز كلام الكواليس الى منابر القيادتين في الرابية ومعراب. وجد عون ان «التحاق» جعجع بـ«المحور السني» لا يفيد الوضع المسيحي، رافضاً في الوقت عينه معايرته بـ«الذوبان» في «محور حزب الله»، واستطراداً المحور السوري الإيراني، طالما أن «مذكرة التفاهم» هي الحَكم. قبل أيام قليلة، وجّه عون اتهاماً خطيراً الى قيادات من الصف الأول قد يكون لها علاقة بعملاء فارين الى وجهة غير إسرائيل... لم يصدر أي تعليق من «الجانب الآخر»، لكن المقرّبين من «الجنرال» أبدوا ارتياحاً لأن الرسالة وصلت... الى من يعنيه الأمر.
في الأساس، يقول قياديّ «التيار»، لا شيء يجمع بين عون وجعجع. الأول أتى من مؤسسة عسكرية تشهد له بالوطنية، والآخر من تنظيم ميليشياوي يؤمن بالتقسيم والفيدرالية... «الجنرال» و«الحكيم» خطان مستقيمان لا يلتقيان طالما «هاجس الزعامة ثالثهما». اعتراف عوني «واقعي» بكون الصراع على الزعامة، وليس الماضي العسكري الأليم فقط، هو الذي يؤجّج خلافاً عمره نحو 20 عاماً.
تعمل القنوات العونية «السرية» على سيناريو مضاد «للفيروس» القواتي. عزل جعجع عن محيطه المسيحي، وتحديداً الكتائبي. خطوة بدأت عملياً بالتنسيق مع الحليف سليمان فرنجية. والأرض «خصبة» لهذا المشروع، بعدما رمت «القوات» بنفسها «بذور» الشقاق مع بكفيا عندما «استولت» في عملية «خاطفة» على ثلاثة من نواب زحلة. يعلم «الجنرال» جيداً أن «عين» سامي الجميل على القاعدة العونية، لكن «تحالف الضرورة» يفرض عليه التزام هذا المسار، خصوصاً أن الطرفين العوني والكتائبي يدركان مدى «خطورة» التمدّد القواتي في المناطق المشتركة. هذا ما دفع تحديداً سامي الجميل، كما تفيد المعلومات، الى تحذير سليمان فرنجية من إمكانية خرق ميشال معوّض، بمساندة قواتية «استثنائية، لمقعد في زغرتا. تنبّه فرنجية للثغرة، «فاشتغل» على السنّة...!
«السيناريو» العوني لا يخيف القواتيين. يشدّدون على العلاقة «المتينة» التي تربطهم خصوصاً بالكتائب، والمبنية على قاعدة «صلبة» هي الموقف السياسي. المعيار الأهم برأيهم، للتحالف بين أي حزبين. انطلاقاً من هنا تحديداً، يفسّر القواتيون عمق الخلاف مع العماد عون، وأساسه الاصطفاف السياسي الحاصل، وليس «جراح الماضي». وإن كان «الجنرال»، برأيهم، قد لعب على هذا الوتر أكثر من مرة خصوصاً عندما أثار مسألة المقابر الجماعية في حالات في نيسان عام 2008، واعتبرها جعجع يومها ادعاءات كاذبة أولاً لأن القوى الأمنية لم تعثر على أي أثر لهذه المقابر، وثانياً لأن هذه الافتراءات أتت ضمن حملة تستهدف «القوات».
لا كيمياء ولا سياسة
يختصر مسؤول قواتي «المشكلة مع عون» بمعادلة واحدة: لو بقي «الجنرال» على المواقف نفسها التي اتخذها خلال الاحتلال السوري، ولم يعتبر أن الانسحاب قد أنهى الأزمة مع دمشق، وكأنها شوكة وانسحبت. عندها «ما كان في مشكلة». هذا هو العمق الاستراتيجي لخلاف جعلنا في 14 آذار، ونقل «التيار الوطني الحر» الى جبهة 8 آذار».
لا يبحث القواتيون عن «الكيمياء» بين عون وجعجع. المسألة لا تكمن هنا. هي «الكيمياء» المفقودة على المستوى السياسي. يقول المسؤول نفسه «إن الغزل بين عون وجعجع بعد خروج الأخير من السجن لم يدم أكثر من اسبوعين. جاءت انتخابات 2005 ، وبعدها كرّت سبحة التباعد السياسي مع الرابية. في النظرة الى العلاقة مع سوريا، وسلاح حزب الله، وتعطيل حكومة السنيورة والنزول الى الشارع، والسكوت على أحداث 7 أيار... تغيّرت نظرة المسيحيين الى عون، يضيف المسؤول، وهذا ما ترجمته صناديق الاقتراع، التي أفقدت «الجنرال» نسبة الـ70%». في الأساس، نسبة «مشكوك» بمصداقيتها بالمنطوق القواتي «لم نعترف أصلاً بها عام 2005. ولم نخضع لما سمّي بالزعامة المسيحية الأحادية». فأي صدفة أن يرجع عون من المنفى، بأجواء أقليمية مؤاتية، ويبقى سمير جعجع في السجن الى ما بعد انتهاء الانتخابات. الـ70% كانت نسبة «غير طبيعية واليوم توضّحت الصورة».
أدركت «القوات» تفوقها الانتخابي على «البرتقاليين»، وتحاول اليوم صرفه في السياسة. ينقل زوار معراب «رغبة بالحوار المفتوح مع العماد عون، لأن الحوار وليس التصادم، هو السبيل الى انقاذ لبنان». ومحيط «الحكيم» يشدّد على انفتاح «القوات» على المحاولات الحوارية من أي صوب أتت، خصوصاً أن «الجنرال» هو أحد الزعماء المسيحيين الذين لا يمكن تجاوز مكانتهم... والحوار يفترض عدم تغيير القناعات. يطرح القواتيون مثلاُ مسألة «الشعب المقاوم» التي نادى بها عون، والتي لم يعترف يوماً بها قبل الآن. بالنسبة لهم، أن «الشعب المقاوم» ينتفي عند قيام الدولة. والدولة شهدت «القيامة» الحقيقية عام 2005. هذه قناعاتنا، ولن يتمكن العماد عون من تغييرها، والهدف عدم إبقاء لبنان «صندوق بريد» أو ساحة مفتوحة على الصراعات العربية والإقليمية.
حتى الساعة المؤشرات غير مشجعة لولادة أي قناة حوارية. اتصالات بين كوادر من الطرفين تصبّ في الإطار الشخصي فقط أو تواصل الحد الأدنى، لكن أحداً لا يتحدث بمسار رسمي «لترميم» العلاقة.
ويبدو أن الجلوس على طاولة الحوار «الجماعية» لم يكن كافياً لتقريب المسافة بين «الجنرال» و«الحكيم». صورة نادرة لغداء يتيم، قبل نحو سنتين، جمع الرجلين في أحد مطاعم وسط بيروت، إثر انتهاء احدى جلسات الحوار في مجلس النواب. يومها تناول الرجلان من الطبق نفسه، ثم أدارا ظهرهما ليدير كل منهما «معركة» الزعامة المسيحية... على طريقته.

 

← العودة إلى مختارات