الصبر شعار الجميع لمواجهة المرحلة ودور بري إطلاق موجات جديدة من التفاؤل - ابراهيم بيرم (النهار)
عندما تبلغ احد النواب البارزين في المعارضة اول من امس ان رئيس مجلس النواب نبيه بري اطلق اثر لقاء "الاربعاء النيابي" وفي اعقاب اجتماعه برئيس الجمهورية ميشال سليمان موجة جديدة من التفاؤل يوحي فيها مجددا ان الحكومة ستبصر النور في نهاية الشهر الجاري، سأل بعد طول تفكير: "على اي معطيات يتكئ كي يمضي قدما في هذا التفاؤل؟ انه امر مستغرب".
والسؤال المطروح بعد كلام بري، ما هو المخفي في جعبة رئيس المجلس كي يصير في موقع المخالف لمعطيات كل حلفائه في المعارضة وتوقعاتهم والتي تصب كلها في خانة ان ولادة الحكومة متعثرة ومتأخرة الى ما بعد الموعد الذي يحاول بري تحديده لظهور التشكيلة الحكومية التي دخل امر انتظارها الشهر الثاني؟
الواقع ان بري يكاد يكون الوحيد من رموز السياسة الذين يبدون هذا "الكم" من التفاؤل ويجرؤون على تحديد مواعيد زمنية. اذ ان المعني الاول بتأليف الحكومة النائب سعد الحريري ما برح معتصما بالصمت، ويرفض الاشارة الى مكامن العقدة الحائلة دون ولادة الحكومة، ويأبى في الوقت نفسه الدخول في "لعبة" تحديد الاوقات وضرب المواعيد.
وبعض من قابلوا النائب الحريري في المدة الاخيرة خرجوا بانطباع مفاده ان الرجل يهيئ نفسه لمرحلة طويلة من الانتظار، وانه ادخل قاموس مفرداته مفردات جديدة تخدم هذا الامر.
ونقل عنه احد رموز المعارضة الذين قابلوه اكثر من مرة الاسبوع الماضي، في سياق المفاوضات الجارية بينه وبين الكتل النيابية ما حرفيته: "ستكتشفون انني تحليت بفضيلة الصبر، وقررت ان اصبر، ولن امل او ايأس، ولن اعتذر وسأتابع حتى النهاية، ولست مستعجلا".
وبصرف النظر عن الظروف التي اطلق بها الرئيس المكلف هذا الكلام وابعاده وعلاقته بمسألة ولادة الحكومة العتيدة، فان هذا "السلوك" يعكس في واقع الحال "التكتيك" الذي يتبعه كل فريق من الافرقاء حيال مسألة "الوقت المستقطع" في انتظار المعطيات الاقليمية والداخلية التي تبيح للمعنيين انتاج "التسوية" الحكومية. واذا كان بري لم يعد قادرا على التراجع عن اطلاق موجات التفاؤل وجرعات الامل بين الفينة والاخرى وهو كان السباق فيها، ويتبع مع رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط استراتيجية هدفها العمل على انتاج مناخات داخلية عبر الحوارات الثنائية بدأت قبل فترة، مقرونة بسياسة الابواب المفتوحة والخطابات المرنة والتي تخلو من لهجات التصعيد، حتى تكون الامور جاهزة داخليا اذا تغيرت المناخات الاقليمية، واقلعت اشرعتها مجددا، فان للرئيس المكلف توجها يصب في الهدف نفسه ولكنه يعتمد استراتيجية مغايرة.
فاذا كان الرئيس المكلف قد اعلن جازما انه ليس في وارد الاعتذار او العزوف عن المهمة التي تصدى لها، فان ذلك يعني حكما انه بات امام امرين لا ثالث لهما في المدى المنظور:
- اما ان يعود الى جوهر الشعارات التي لوح بها مرارا عشية الانتخابات النيابية وهي تشكيل حكومة من لون سياسي واحد، وهذا من حقوقه لانه يترأس اكثرية نيابية مريحة، وبالتالي يثبت من جملة ما يمكن اثباته ان في امكانه التحرر من لعبة التوازنات والحسابات الداخلية الدقيقة والصعبة التي تقبض على خناق اللعبة السياسية في البلاد.
- واما ان يمضي قدما انفاذا لما اعلنه غداة تيقنه من فوز فريقه السياسي بالاكثرية، اي تأليف حكومة وحدة وطنية تؤمن شراكة الجميع، وذلك بقبول صيغة تؤمن لفريق 14 آذار حكما مستقرا. وطبيعي ان لهذا الهدف شروطه ومستلزماته ومندرجاته، خصوصا اذا كان صحيحا ان الحريري عازم في شكل او آخر على اعادة انتاج تجربة والده الحكومية الاولى التي كانت عام 1992.
"حزب الله" و"التيار"
اما بالنسبة الى "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" فالواضح بحسب مصادرهما انهما متفاهمان على دخول الحكومة معا، ومتفاهمان في الوقت نفسه على رؤية مشتركة الى دورهما داخل هذه الحكومة، على نحو متمايز ويختلف عن تجربة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الثانية باعتبار انها حكومة انتقالية قصيرة العمر ولا يمكن الرهان على العمل فيها.
ويبدو جليا ان "حزب الله" يكاد يكون الطرف الداخلي شبه الوحيد المدرك للتفاصيل والصعوبات التي تكتنف عملية تأليف الحكومة العتيدة، ويعرف "القطبة المخفية" التي تتحكم في هذه العملية داخليا وخارجيا، لذلك يتعاطى وهذه العملية منذ البداية بهدوء وسكينة، فلا يطلق العنان لشروطه لئلا يبدو في وضع المعرقل، بل انه انتهج نهج عدم التمسك بالثلث الضامن ولجأ الى خطاب سياسي جديد هو انه يريد حكومة شراكة وطنية فعلية، حتى انه اوحى لمن يعنيهم الامر في بعض المراحل انه قد لا يتمسك بصيغة الثلث الضامن في حال استنباط صيغة تؤمن هذا الامر، وتكفل الوصول الى الهدف.
وبناء على هذه "التوجهات" والرؤى التي تبدو متنافرة الى حد ما، ثمة في "الاوساط المحايدة" من يعتبر ان الافرقاء المحليين "متواطئون" ضمنا على خطوط عريضة ويعملون الى حد ما ايضا بوحيها، وابرزها:
- اقرار الجميع بقصورهم في الوقت الحاضر على الاقل وعجزهم عن بلوغ تسوية داخلية تنتج صيغة حكومية، تؤمن حدا معقولا من العمل الحكومي.
- الرهان على تطورات وتحولات اقليمية من شأنها لاحقا ان تلقي بظلالها على الوضع الامني اللبناني وتدفع الافرقاء جميعا الى استيلاد تسوية تؤمن انتاج الصيغة الحكومية.
- على رغم كل ذلك وعلى رغم مرور نحو شهر على مسألة التكليف، فان الافرقاء جميعا مصرون ضمنا على عدم الحديث عن بلوغ مرحلة الازمة الحكومية، وعليه يبدو الجميع مرتاحين الى الدور الذي حدده كل منهم لنفسه، فالرئيس بري راض بدور الباعث لـ"موجات التفاؤل" كل مرة تتعثر الامور، والرئيس المكلف بدأ يدمن "فضيلة الصبر" و"حزب الله" لا يضيره ان يخرج من صورة "المعرقل" التي اتسم بها في المرحلة الماضية.
وبين الجميع، ثمة من رأى الفرصة مؤاتية لاعلاء الصوت ورسم خطوط اعتراض، وهو رئيس الجمهورية، والبحث جار عن تحسين الاوضاع.