بدعة "التمثيل النسبي" الوزاري ومسيرة الإنهاك المستدام للدستور - ماجد فياض (النهار)
ما تنفك "الديموقراطية التوافقية – الطوائفية" في لبنان تتحفنا بالمزيد من "البدع الدستورية" التي تجترحها من أجل المواءمة بين الأمر الواقع القائم وبين مقتضيات مراعاة الشكليات الدستورية اللازمة لاضفاء الشرعية على أي حكم يقوم في لبنان اليوم. وآخر هذه "البدع الدستورية" (مما يمكن ان ندرجه في سلسلة "البدائع والروائع" القانونية) مسألة "التمثيل النسبي الوزاري" في "حكومة الوحدة الوطنية" العتيدة المزمع تشكيلها، بعدما ارتكب رئيس الحكومة المكلف "الخطأ الفادح" باعلانه رغبته في رؤيتها تبصر النور، دون أن يترك لنفسه هامشاً للتراجع فيما اذا استحال عليه تشكيلها، بأن يعقد العزم على تشكيل حكومة تتمثل فيها الاكثرية النيابية، ويترك للاقلية النيابية أمر مراقبتها ومعارضتها ومحاسبتها، ولا سيما ان هذه الاقلية النيابية قد أمكن لها – في ظل الانقسام العمودي الطائفي المذهبي الذي يقسم لبنان – ان تفوز برئاسة المجلس النيابي.
وفي الحالة الأخيرة هذه، تكون الأقلية النيابية قد أمسكت بأحد مفاصل السلطة السياسية – الدستورية في لبنان، ألا وهي رئاسة السلطة التشريعية. ويمكنها، من خلال هذا الموقع، أن تمارس احدى الممارسات الديموقراطية البرلمانية وأجدرها بالتقدير عبر مراقبة حكومة الاكثرية النيابية ومعارضتها ومحاسبتها، كما تقضي الأصول البرلمانية الديموقراطية في غير وطننا لبنان، المبتلي بشر الطائفية – المذهبية السياسية، والأحرى القول: الشرور، نظراً الى كثرة ما فيها من البلايا. وخصوصاً عندما نستذكر الواقع المبكي – المضحك، حيث تشارك الاقلية النيابية – المعارضة في الحكم (وشاركت طيلة عقدين من الزمن، أقله) وتجهر في الوقت عينه بمعارضتها للسلطة التي تشارك فيها، وتشترك في حكوماتها، وتتقاسم مغانمها باستئثار كامل. وعلى الرغم من ذلك كله، فانها تملك من الجراءة ما يتيح لها انتقاد السلطة بحدة، حتى ليحسب المواطن اللبناني ان من ينتقد قد أمضى دهوراً خارج نعيم السلطة وغنائمها!
وليس في كل ما تقدم جديد على من اعتاد مواكبة الاحداث والتندر بطرائفها. لكن الجديد مثار القول هنا، هو ان يحكم "التمثيل النسبي الوزاري" مسألة تشكيل الحكومة العتيدة، حتى ليعسر على الناظر في هذا الامر ايجاد الحلول الواقعية لهذه المعضلة الدستورية (لو طبقت بحذافيرها، وعممت)، ما لم تؤلف حكومة من مئة وثمانية وعشرين وزيراً، كي تتطابق نسب التمثيل بين الاكثرية والاقلية في مجلس نواب لم يسمح "القانون الانتخابي" الفذّ (الذي اشترعه لاجراء الانتخابات) بايصال مكونات المجتمع اللبناني السياسة والمتنوعة والمتعددة بالتمثل فيه، وأبقاه محتكراً من قبل كتلتي الثامن والرابع عشر من آذار، والأخطر من ذلك انه أبقاه محتكراً من ممثلي الطوائف – المذاهب على أساس "قانون الستين" السيئ الصيت والذكر، والمنقح كي يستديم الانقسام الطائفي – المذهبي في الوطن.
وكان الأمر ليهون على "المغلوبين على امرهم" من اللبنانيين التواقين الى دولة مدنية ومواطنية شاملة ونظام برلماني ديموقراطي صحيح، لو ان دعاة "التمثيل النسبي" في تأليف الوزارة كانوا ممن دعموا مسألة "التمثيل النسبي" في مجلس النواب، ودافعوا عن ذلك بالحرارة والحمية والهمّة التي يدافعون بها عن هذا المبدأ اليوم، ويستحضرون ما ملكته ثقافتهم السياسية والقانونية في هذا المجال. إلا ان ما لا يجدون عيباً فيه هو ان يقولوا الشيء ونقيضه في آن معاً، وان يكون هؤلاء هم – بالضبط – أولئك الذين أصروا على "قانون الستين" المنقح بما يزيده سوءاً عما سبقه، كي ينتخب المسيحيون المسيحيين والمسلمون المسلمين، ويمسي اصحاب كل مذهب فرحين بما أنجزوا من تخريب للوحدة الوطنية وتفتيت للشعب مذاهب وفرقاً، حتى بات بعض الاعلام اللبناني يتجرّاً بلا خفر أن يسمي شعب لبنان "الشعوب اللبنانية".
وإذاً، فإن مبدأ "التمثيل النسبي" المحمود في تشكيل الحكومة العتيدة عند من سبقت الاشارة اليهم هو بالضبط ذاك المرذول المرفوض في تشكيل المجلس النيابي (السلطة التشريعية)، حتى ليتملكك العجب والدهشة من سذاجة المشرّع الدستوري بحسب ممارسة هؤلاء عندما ذكر في نص المادة 27 من الدستور، ان "عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء ولا يجوز ان تربط وكالته بقيد أو شرط من قبل منتخبيه". فلئن كان مفهوماً ألا تربط الوكالة بقيد أو شرط من قبل المنتخب (في حين تربط اليوم واقعياً - في ظل "قانون الستين" المنقح – بقيد التمثيل الأمين لمصالح المذهب، وشرط الغلبة والاستعلاء على باقي المذاهب)، فان ما يتبقى من مضمون تلك المادة من أن "عضو مجلس النواب يمثل الامة جمعاء"، لا يعود له أي معنى جدّي في ظل ما تراه من تمثيل الطوائف والمذاهب في المجلس النيابي، بالصورة التي تتمثل بها اليوم، والطريقة التي تدير بها نزاعاتها على السلطة وفي شأنها. ويكفي ان نعود بالذاكرة الى أيام امتنع فيها رئيس الجمهورية السابق عن توقيع المراسيم، وأقامت حكومة "بتراء" سلطتها (مرغمة وزراء استقالوا منها على البقاء وزراء)، واقفل رئيس السلطة الاشتراعية ابواب المجلس في وجه نوابه. وكفى بذلك ذكرى، ولا نظن اللبنانيين قد استفادوا من العبرة. ولو غضضنا النظر عن كل ما تقدم، باعتبارنا من المواطنين اللبنانيين المغلوبين على أمرهم الطامحين الى دولة مدنية ومواطنية شاملة ونظام برلماني ديموقراطي سوي، فانه لا يمكننا غض النظر عن ان الدستور اللبناني لم يُشر الى تشكيل الحكومة على أساس "التمثيل النسبي" للكتل في المجلس النيابي بحسب أحجامها. ذلك ان المجلس عصي في تركيبته السابقة والراهنة على مثل هذا التشكل للكتل. وأوضح مثال على ذلك اعادة تكوين الاصطفافات والتحالفات القائمة اليوم وتشكيلها من اجل إنتاج كتل جديدة "مبتدعة" (ما دام اللبنانيون مهووسين بفرادتهم وتميزهم وابداعهم)، كي تستطيع المشاركة في "طاولة الحوار"، بحيث تتحول هذه الأخيرة حقيقة وفعلاً الى "سوق عكاظ" (كان يُشترى فيها ويُباع للذكرى وللتاريخ، وقول من الشعر – الى جانب ذلك – يقال فيه).
ونذكر في هذا الصدد – للذكرى أيضاً، إن نفعت – ان الدستور اللبناني لم يأت على ذكر "التمثيل النسبي" في المواد التي عنيت برئيس مجلس الوزراء والمجلس نفسه (ولا سيما المواد 64 و65 و66 وما يليها). ولنذكر أيضاً، ولا نظن الذكرى تنفع، ان الاشارة الى ما يُستوحى منه مفهوم "التمثيل النسبي" قد وردت في المادة 24 من الدستور، التي أشارت الى ان المقاعد النيابية توزع (الى ان يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي) وفقاً للقواعد الآتية:
أ – بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين.
ب – نسبياً بين مذاهب كل من الفئتين.
ج – نسبياً بين المناطق.
وغني عن البيان ان مفهوم "التمثيل النسبي" هذا في مجلس نيابي؛ ينتظر معه اللبنانيون قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، هو بالضبط الذي رفضه دعاة "التمثيل النسبي الوزاري" في الحكومة العتيدة المزمع تشكيلها؛ وهم المدافعون بحمية وحماسة عن صحة المفهوم وسلامته واتساقه مع اسلوب الحكم السليم في الانظمة البرلمانية الديموقراطية. وكل ما تقدم، يتم دونما استحياء من قول "الناقض والمنقوض" في وطن "الديموقراطية التوافقية – الطوائفية" المتميز بفرادته؛ ويمكنك ان تضيف غرابته.
لكن الخطر الحقيقي في مسألة "التمثيل النسبي الوزاري" في الحكومة العتيدة المزمع تأليفها، ليس في قول "الناقض والمنقوض" (وما بينهما من "نقيض" كل ذلك من دعوة الى الدولة المدنية والمواطنية الشاملة والنظام البرلماني الديموقراطي السوري)؛ وانما الخطر يكمن في ان اياً مما ذكر عن الدولة المدنية ولواحقها، سيصبح اثراً بعد عين؛ اذا ما تألفت الحكومة العتيدة المزمع تشكيلها؛ على هذا الاساس من "التمثيل النسبي الوزاري"، واستقر العرف بعد ذلك على ما تم او يمكن ان يتم.
ذلك انه اذا ما استمر الامر الواقع السياسي على ما هو عليه اليوم من انقسام وتشرذم طائفي مذهبي (وهو مرشح للاستمرار بفعل النتائج الباهرة "لقانون الستين" السيئ الصيت والذكر؛ كما اسلفنا)؛ فإن ما كان يهمس به البعض عن "المثالثة"؛ ويهجس به البعض الآخر عن استمرار مفاعيل "اتفاق الدوحة" الى ما بعد انتهاء الانتخابات (توطئة للعودة الى "الثلث المعطّل" في تشكيل الحكومات)؛ ويجهر به البعض غيرهم عن "جمهورية ثالثة" تُصلح ما فسد من امر اقتتال الطوائف والمذاهب بالمزيد من الاصطفاف، وتؤبّد نتائج هذا الاقتتال من خلال تشكيل "تقاسم للسلطة" هو اقرب ما يكون الى "الحكم المجلسي" (حيث تتداخل السلطات ببعضها البعض كما حدث ويحدث منذ امد بعيد؛ وتتشابك صلاحيات الرؤساء الثلاثة، فلا يعود اللبنانيون المغلوبون على امرهم يعرفون من الذي يمثل الدولة اللبنانية عند استقبال رؤساء الدول او موفديها او ممثليها؛ ويتقرر كل امر من امور المواطنين عبر "ترويكا" ثلاثية؛ ظاهر اثرها احياناً وخفي في معظم الاحايين)؛ ان كل ما تقدم سيأخذ لبنان في طريق "المثالثة" المحتوم واستمرار مفاعيل اتفاق الدوحة؛ واطلالة صيغة مموّهة من صيغ "الحكم المجلسي".
وما يؤول اليه كل ما سلف من امر "التمثيل النسبي الوزاري"، ان "قرار الحكم" سيفقد، ليس فقد "بالثلث المعطل" (ولهذا الاخير افضال جمّة في التعطيل)؛ وانما من خلال تغيير اوالية الحكم، تستتبع تغييراً في اوالية النظام نفسه. واما ما نصّ عليه الدستور اللبناني (في الفقرة "ج" من مقدمته) من ان "لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية"؛ وان "النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها" (في الفقرة "هـ" من المقدمة)؛ فيضحي في خبر كان المحذوف من الممارسة السياسية – الدستورية للحكم اللبناني؛ ليستعاض عنه "بكونفيديرالية الطوائف – المذاهب" التي تستظل افياء "الديموقراطية التوافقية – الطوائفية"، ويحلو لها ان تتخيل فرادة لها في لبنان، لا تجدها في غيره من البلدان (التي تعج بمزيد من التنوّع والتعدد الطائفي والمذهبي والعرقي والاتني وغير ذلك؛ لو درى ارباب الطائفية السياسية او علموا).
ومن الواضح لكل مبصر أن "التمثيل النسبي الوزاري" سيحيل مجلس الوزراء الى نسخة مصغرة عن المجلس النيابي، بحيث تنتقل اليه جميع الخلافات التي تعصف بين كتله وممثليه، فيصبح تقرير أيسر الامرو وأبسطها فيه مثار نقاشات عقيمة مستديمة مرهونة نتائجها للصفقات والتوازنات والمحاصصات، كما سبق ورأينا في مناسبات شتى (ولنذكر تعيينات المجلس الدستوري والتعيينات الادارية، وما رافقها). وعوضا عن ان يكون مجلس الوزراء موقع تقرير في مسائل الحكم وشؤون ادارة الدولة، يضحي موقع نقاش مستفيض – عقيم معظم الاحيان – مستعاض به عن انعدام النقاش الواجب ان يدور في مجلس النواب نفسه (أو ضعفه في هذا الموقع الاخير في ابسط الاحوال).
وأكثر من كل ما تقدم، فان "التمثيل النسبي الوزاري" (اذا ما طبّق بدقة دستورية – قانونية، وأصبح قاعدة لتشكيل الحكومة)، يلزم الاخيرة ان تكون "حكومة اتحاد وطني عام" شاملة، يتمثل فيها الجميع بدون استثناء، وليس "حكومة وحدة وطنية" تجمع معظم القوى الاساسية الفاعلة والممثلة في المجلس النيابي، بحيث تشكل أغلبية نيابية واسعة خلفها تدعم الحكومة نفسها. ومن الاكيد أن "حكومة الاتحاد الوطني" الشاملة جميع الكتل والتيارات الممثلة في المجلس النيابي، ستلغي – حتما – دور المجلس النيابي الرقابي ومفهوم المحاسبة، الذي يقوم عليه النظام البرلماني الديموقراطي، وذلك بخلاف ما تكون عليه الحال مع "حكومة وحدة وطنية" تتمثل فيها (بصورة غير نسبية – وزارية) العديد من الكتل والتيارات المتحالفة على برنامج حد أدنى من الضمانات والتفاهمات السياسية. وهي كتل وتيارات لا تشترك عادة في رؤية سياسية واحدة، وانما تجبرها الظروف السياسية المحيطة بالحكومة لحظة تشكيلها على ان تتحد في صورة موقتة في وجه كتل وتيارات اخرى، تصر على البقاء في موقف المراقبة والمحاسبة، وتاليا المعارضة.
ونخلص مما سلف الى القول، إن الدعوة الى "تمثيل نسبي وزاري"، فيما لو تم وتحقق، واستحال بمرور الزمن عرفا من أعراف الممارسة السياسية اللبنانية في تشكيل الحكومات (ونحن نرى الكثير من الاخطاء والممارسات المبتدعة في ممارسة الديموقراطية التوافقية اللبنانية، تمسي عرفا مستقرا في لبنان)، فانه سيشوه صورة النظام اللبناني البرلماني الديموقراطي جذريا، ويغير فيه أكثر باتجاه جعله نظام "حكم مجلسي" (طوائفي – متزايد الطابع الكونفيديرالي، وهو – لو شئنا الصراحة الفجة – بات شبه قائم)، بما يعبّر عن صراعات وتناحرات طوائفه ومذاهبه في لحظة، والتقاءاتها وتقاطعات مصالحها في لحظة أخرى.
وأما اذا كان المقصود من هذه الدعوة الى "التمثيل النسبي الوزاري" اخراج طبعة فريدة ومنقحة لصيغة "الثلث المعطل" (الذي استحال "نكتة سمجة" في أصول ممارسة الحكم، ولم يعد تنفع معه مساحيق التجميل بتسميته "الثلث الضامن")، فانه من الواضح أن نسخة عن أصل "معطل"، لن تكون إلا أكثر تشوها وتعطيلا من الاصل نفسه. وقد رأى اللبنانيون نتائج "الثلث المعطل" على مسيرة الحكم، واختبروا أضرارها، بما لا يحتاج الى تعداد أو حصر.
يبقى أن تجرؤ الاكثرية النيابية، التي خرجت فائزة في الانتخابات النيابية، على أن تمارس ما يتيحه لها فوزها من تأكيد على طبيعة النظام البرلماني الديموقراطي، وتتحمل مسؤوليتها في هذا الصدد. فتعمل على عرض صيغة "حكومة وحدة وطنية" فحسب، يحمل بيانها الوزاري جميع الضمانات والتفاهمات السياسية، التي تقتضيها ظروف المرحلة السياسية التي يمر بها لبنان، ولكن من ضمن الحفاظ على الثوابت الاساسية لقيام الدولة المدنية (دولة الحق والمؤسسات والقانون). وليس أن تراوح عملية التأليف مكانها في انتظار فرج يضيق الوقت أمامه يوما بعد يوم، أو أن تخضع عملية التأليف لشروط الاقلية النيابية، فتلغي الاكثرية النيابية – آنذاك – مفاعيل فوزها في الانتخابات، او تترك الوقت يعمل أثره فيها، حتى تتفكك وتتفتت – سياسيا وتنظيميا – فتذروها رياح الاحداث المقبلة والمتوقعة اقليميا ودوليا...
فهل تستمر – بعد هذا كله – المراوحة في التأليف بين حدي سكين تأليف "حكومة اتحاد وطني" (عوضا عن "حكومة وحدة وطنية") او العجز عن التأليف؟ وهل تستمر، فيما اذا تألفت "حكومة اتحاد وطني" بتمثيل نسبي وزاري، عملية الانهاك المستدام للدستور، وتغيير نظام لبنان البرلماني الديموقراطي وتشويهه؟! لا شك لدينا في ان تأليف الحكومة العتيدة المرتقبة اطلالتها، ستجيب اللبنانيين عن أسئلتهم، وستبشرهم – او تنذرهم – بما ينتظرهم.