شهود الزور - ساطع نورالدين (السفير)
ليس بالخبر السار ان يمدد بقاء جيش اجنبي على الارض اللبنانية لمدة عام كامل، حتى ولو كانت وحداته تمثل عائقا محتملا امام غزو اسرائيلي جديد، او تؤدي خدمات انسانية للسكان، او تساهم في اي غرض آخر يفيد لبنان. وليس مدعاة فخر ان يتحول الجنود الاجانب الى تشكيل دائم في اللوحة اللبنانية، وأن يصبح وجودهم البعيد المدى مرغوبا او على الاقل مقبولا. الامر لا دخل له بفكرة الحرص على السيادة اللبنانية التي لم تكن يوماً مقدسة، ولا بالتمسك بالأمن الوطني الذي لم يكن يوماً مصوناً او فعالاً.
من دون حساب فرق الهدنة المنتشرة على الحدود الجنوبية منذ قيام دولة اسرائيل حتى اليوم، مضت 31 سنة على وصول طلائع القوات الدولية الى الجنوب اللبناني في اعقاب الغزو الاسرائيلي الاول عام 1978. الذي رافقته دعوات محلية الى نشر الجنود الدوليين على كافة الاراضي اللبنانية، لنزع سلاح منظمة التحرير الفلسطينية وفك ارتباط لبنان بالصراع العربي الاسرائيلي، وإعلان حياده التام. وكان ذلك اشبه بنداء الاستغاثة المسيحي الاخير للدفاع عن هوية لبنان المسيحية وعن مصالح المسيحيين فيه، التي تكاد تصبح أثراً بعد عين.
منذ اللحظة كان الانتشار الدولي في الجنوب معزولا الى حد بعيد عن الداخل اللبناني وتحولاته الجذرية، وكان مفصولا ايضا عن حركة المفاوضات والتسويات ومعاهدات السلام التي شهدتها الجبهات العربية الاسرائيلية على مدى العقود الثلاثة الماضية. وثمة من يقول ان ذلك الانتشار ساهم في انتاج هذه المعاهدات لا سيما منها معاهدة كامب ديفيد المصرية الاسرائيلية، التي وقعت في العام نفسه لوصول قوات الطوارئ الى الجنوب. وبعد ذلك التاريخ، كانت مهمة «اليونيفيل» تتداعى بسرعة الى مستوى تنظيم حركة السير، واحصاء عدد القذائف والصواريخ التي تطلق فوق رؤوس جنودها من الاتجاهين، الى ان عهد اليها بترسيم الخط الازرق في اعقاب الانسحاب الاسرائيلي عام 2000، واعلان القرار الدولي الرقم 425 نافذاً.
بعد حرب عام 2006، استحضرت تلك القوات التي كان وجودها يتلاشى يوما بعد يوم، للقيام بمهمة مشابهة، لا تتصل بالداخل اللبناني ولا ترتبط بحركة التفاوض الاقليمي. لكنها تهدف الى وقف العمليات الحربية، في بقعة صغيرة لم تكن الساحة الرئيسية لتلك العمليات، التي غطت مختلف الاراضي اللبنانية وشمالي فلسطين المحتلة، سواء بالغارات الجوية الاسرائيلية او الردود الصاروخية من قبل حزب الله. وهي مهمة افرغت من اي مضمون عندما تجددت التهديدات الاسرائيلية للبنان في الآونة الاخيرة، وبدا ان اليونيفيل لن تكون سوى شاهد زور على اي حرب مقبلة، يسود شعور عام على جانبي الحدود بأنها حتمية، ان لم تكن بالتعمد فستكون نتيجة خطأ في التقدير او الحساب.
الجدل الذي ثار مؤخرا حول صلاحيات «اليونيفيل» وقواعد اشتباكها كان هامشيا، وخارج سياق النقاش الجدي الذي يجب ان يفتح حول الدور الدولي العسكري والسياسي في لبنان، وما اذا كان يفترض ان يظل جزءاً من مكونات المشهد اللبناني لثلاثين سنة اخرى؟