«الاجتهـادات الشـخصيـة» تحكـم تحـركات حلفـاء دمشـق فـي لبـنان - كارين سالم (السفير)
اختار سفير سوريا في لبنان علي عبد الكريم الرئيس أميل لحود من بين كل «المقامات التي لها حضور ومكانة لدى سوريا والشعب السوري»، على حد تعبيره، لتدشين لقاءات التعارف مع الشخصيات اللبنانية السياسية. منذ تقديم أوراق اعتماده في 24 آذار من العام الجاري التقى السفير السوري رئيس الجمهورية ووزير الخارجية والرئيس سليم الحص. لم تلتقط الكاميرات أي صورة تجمعه مع رئيس المجلس النيابي ولا رئيس الحكومة قبل «تصريفه الأعمال»، وإن تحدث البعض عن لقاء غير رسمي، بعيداً عن البروتوكول وأعين الإعلاميين، مع نبيه بري.
يداوم عبد الكريم في مقر السفارة في الحمرا ويتابع أموراً إدارية. تغيب عن أجندته النشاطات السياسية، ويتحضّر حالياً للانتقال من مقر إقامته في فندق «الفينيسيا» الى منزل تم استئجاره وسيقيم فيه لاحقاً مع عائلته في اليرزة.
تسنى لشخصيات المجتمع السياسي المخملي لقاء «الإعلامي السابق» في عدة مناسبات وطنية ودبلوماسية في أكثر من سفارة. الانطباع عن «السفير الصامت» كان أكثر من جيد، وانعطافات الخارج والداخل حتّمت حصول مصافحات بين خصوم دمشق اللدودين والدبلوماسي السوري الذي «دخل التاريخ» من بابه العريض لمجرد تعيينه أول سفير منذ استقلال البلدين عن فرنسا، تنفيذاً لقرار لبناني سوري بإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين عقب القمة التي جمعت الرئيس السوري بشار الأسد واللبناني ميشال سليمان في دمشق في آب 2008.
بتكليف من بشار الأسد قام السفير السوري بتقديم واجب العزاء بالمفكّر الفلسطيني شفيق الحوت. لم يتوسع في تحركاته الداخلية أكثر من ذلك. كان اعتذر لدى وصوله الى لبنان عن التصريح قبل تقديم أوراق اعتماده. أنهى مهمته البروتوكولية، لكن الصيام عن الكلام بقي مستمراً الى حين لقائه لحود في منزله في اليرزة. وقبل تشكيل الحكومة لن يلتحق عبد الكريم بسرب زملائه الدبلوماسيين في «محاكاة» تفاصيل الداخل اللبناني طالما أن «وجهة» السلطة التنفيذية لم تحدّد بعد.
راقب حلفاء دمشق في لبنان باهتمام مضمون وتوقيت زيارة السفير السوري الى لحود التي كرّست ما يشبه «العرف» لدى سوريا بعدم التخلي عن حلفائها لا في أيام العزّ ولا في أيام «التسويات». لم يكن الحديث عن «المقامات» مجرد مجاملة دبلوماسية. في تقدير شخصية مقرّبة من القيادة السورية حملت الزيارة رسالة واضحة بأن دمشق، عبر سفيرها، هي الطرف الوحيد المخوّل إدارة عملية التواصل مع أطراف الداخل وإطلاق الحوار العلني مع القيادات اللبنانية التي تلاقيها في خياراتها الإقليمية والاستراتيجية، أما تحركات حلفائها وانفتاحهم على «الطرف الآخر» فتبقى ضمن إطار «الاجتهادات» التي لا تزعج سوريا... ولا تشجّع عليها.
أفسح غياب السفير السوري عن الخارطة السياسية والدبلوماسية المجال أمام الفريق المناوئ لدمشق للتصويب على «دوره» وإنضاج «طبخة» حضّرت على عجل، مكوّناتها الأساسية تقوم على «تضخيم» دور حلفاء دمشق وتصوير الدبلوماسي السوري وكأنه سفير «مع وقف التنفيذ». واقع الأمر أن «الإخراج» الإعلامي لاستقبال نائب الرئيس السوري فاروق الشرع للوزير السابق وئام وهّاب، ومسارعة هذا الأخير الى لقاء جنبلاط للمرة الثالثة عقب اجتماعه مع الشرع ووقوفهما جنباً الى جنب أمام الكاميرات، أوحى هذا المشهد أن سوريا تريد لوهاب دورً رئيسياً في إنجاز المصالحة بين دمشق ووليد جنبلاط.
الوقائع ساهمت لاحقاً في «استواء» الطبخة الأكثرية وعنوانها «عودة الوصاية بوجوه لبنانية». وهاب يتنقل بين الجبل وكليمنصو والضاحية وصولاً الى بكفيا والديمان ناقلاً رسائل الانفتاح السورية تجاه القيادات اللبنانية. اكتملت الصورة بنبش ملف المحكمة الدولية من القبو. وهاب ينعيها، والنائب السابق ناصر قنديل يعتبر قرار إطلاق الضباط الأربعة أسقط مبرر وجود المحكمة، ونائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي يتساءل عن الاتجاه الجديد لـ«رياح تسييس» المحكمة، وجميل السيّد يسقط ورقة التوت الأخيرة...
يقدّم حليف وثيق واستراتيجي لدمشق قراءة سياسية لواقع التعاطي السوري مع الساحة اللبنانية. بعد العام 2000 اختبرت القيادة السورية جلسات نقاش وتقييم لتجربة 30 عاماً في الوحول اللبنانية لم تتوقف إلا منذ مدة قصيرة، وتخلّل هذه التجربة إعادة اصطفافات سياسية في مواقع «انفقت» عليها سوريا بشكل كبير من رصيدها المعنوي. نتائج حرب تموز أفضت الى تحوّل «حزب الله» من مقاومة مسلّحة تشكل جزءاً من رصيد أي مواجهة محتملة مع إسرائيل الى قوة ردع يمكن أن تمنع وقوع الحرب. اطمأن العقل العسكري السوري أن لبنان لم يعد الخاصرة الرخوة التي يمكن من خلالها اختراق دمشق. البعد الثاني تجلى في القلق السوري من حراك الغرب على الساحة المسيحية. بعد خروج الجيش السوري أيقنت دمشق أن هناك قوى مسيحية مستعدة لإقامة أفضل العلاقات معها بعد طي صفحة الوصاية. وثبت لها أن «التيار الوطني الحر» تمكن في أسوأ الظروف من الحفاظ على نسبة تمثيلية مسيحية تفوق الـ50%. الحفاظ على هذا الرصيد كان برأيها أهم من عودة الوجود العسكري الى لبنان. ترافق هذا الاطمئنان مع أمرين اساسيين: دخول سوريا كلاعب وازن في ساحتي العراق وفلسطين، وإتقانها لعبة التوازنات الدولية بعد الانفتاح الغربي حيالها والتطور في علاقتها مع أوروبا وتركيا ودورها المؤثر في الملف النووي الإيراني.. كل ذلك، برأي حليف دمشق، دفع سوريا الى ابتعادها كلياً عن التفاصيل اللبنانية وتعقيداتها. هذا ما ترجم لاحقاً في انتخابات الرئاسة والانتخابات النيابية والمفاوضات الحالية لتشكيل الحكومة. بهذا المعنى صيغة 15-10-5 «صنعت في لبنان» بتفاهم سوري سعودي.
ساحة «الاجتهاد» المفتوحة التي منحتها دمشق لحلفائها، قدّمت برأي كثيرين الدليل الأكبر على «تحرّرها» من عبء الملفات اللبنانية الشائكة. زوار دمشق يجزمون بأنها لا تتدخل في التفاصيل، هناك شبه حالة لامبالاة، وواقع اختلاف القراءات بين حلفاء سوريا حيال المواضيع المطروحة يدلّل على ذلك، في موضوع جنبلاط والانفتاح على أمين الجميل وزيارة صفير في الديمان والتعاطي مع سعد الحريري...
لكن في مسألة «بيك المختارة» القراءة تختلف. اختيار وئام وهاب تحديداً كجسر تواصل بين المختارة ودمشق انطلق من حيثية أساسية. كان على دمشق التي استقبلت مواقف جنبلاط بكل إيجابية، أن تُبرز دور وهاب كقوة تمثيلية على الساحة الدرزية، تكسر رغبة جنبلاط المحتملة في استغلال سوريا مجدداً «لمركزة» تمثيله في طائفته وإلغاء التعددية داخلها. والأرجح أن جنبلاط فهم الرسالة عندما رأى وهاب والشرع في كادر تلفزيوني واحد.. قبل أن يستقبل غريمه الدرزي مجدداً.
الدور «الرسمي» السوري المعطى لوهاب انتهى عند هذا الحد. لقاءاته مع أمين الجميل والبطريرك صفير أتت من باب «الاجتهاد الشخصي» الهادف لتقريب وجهات النظر. في تقدير أحد حلفاء دمشق «لوهاب حق التقدير والاختبار، وهو تقدير لم يؤذ الحالة الوطنية، بل بدا أن هناك امكانية كبيرة لامتصاص النتائج، في حال لم تكن الخطوة منسقة مع العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية. النتيجة جاءت سلبية، بسبب خلفيات الآخرين وخيارهم السياسي الذي لم ينضج بعد. هكذا نسمع الجميل يطالب بمفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل وصفير يطالب بحكومة أكثرية وبالتخلص من سلاح «حزب الله»، بعد يوم واحد من استقباله وهاب».
في السياق نفسه ينفي حلفاء دمشق أي دور تنسيقي بينهم وبين دمشق بشأن «إطلاق النار» على المحكمة الدولية.
بتأكيد مصادر وثيقة الصلة بدمشق، العاصمة السورية لا تفاضل بين حلفائها، بل تفاضل في الأدوار حسب خصوصية الساحات. في حالة وليد جنبلاط وئام وهاب كان رجل المرحلة. جلوس ميشال سماحة الى جانب الرئيس الأسد خلال لقائه الرئيس الفرنسي ساركوزي له دلالته لما يمثل سماحة من امتداد «ترويجي» للعمق الاستراتيجي السوري... يضيف هؤلاء «دمشق أتقنت التمييز بين حلفائها الاستراتيجيين والثابتين وبين «حلفاء التكسّب». الفئة الأولى هي من «صنّاع الرأي» ودورها يبرز بغض النظر عن الموقع الذي تشغله، وهي فئة عاكست في كثير من الأحيان توجهات القيادة السورية من دون أن تستفزها، أو لم تأخذ المشورة منها في ملفات حساسة. أما الفئة الثانية ففُضحت معظم وجوهها بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري...».
نائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي الفرزلي الحليف «الاستراتيجي» لدمشق لا يكثر من زياراته الى العاصمة السورية هذه الأيام. تربطه، كما يقول، علاقة طبيعية بدولة تشكّل صمام الأمان للمنطقة والمؤمنة بأن المسيحيين هم شريحة عربية يجب حمايتها والحفاظ عليها. يقول الفرزلي «لا أسمع اليوم من المسؤولين السوريين عن «ترؤس» أي شخصية من حلفاء دمشق في لبنان لتحرك ما بإيعاز منهم، فيما تعمدوا فقط في الملف الدرزي إبراز دور وئام وهاب. بهذا المعنى ليس هناك غرفة سرية سورية لتوزيع الأدوار، فيما كانت دمشق تتكفّل في السابق بالقيام مباشرة بإدارة اللعبة السياسية». يجزم الفرزلي «أن دمشق ليست بوارد إعادة إنتاج تجربة ما قبل 2005».
في معايير الحليف الدائم لسوريا والعروبي الثقافة «السفير السوري في لبنان يلتزم أصول العلاقات الدبلوماسية بين دولتين بخلاف العديد من سفراء الدول الكبرى والمؤثرة على الساحة اللبنانية». ثمة من يخلط اليوم، برأي الفرزلي، بين عنجر والحمرا. هي ثقافة عمرها 30 عاماً، وبعض من اعتاد اللجوء الى عنجر ظنّ أن الحمرا هي البديل، لكنه اصطدم بالحاجز الدبلوماسي ...».