هل ربح نتانياهو الجولة الأولى في وجه اوباما؟ - باتريك سيل (الحياة)
اختار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أن يجابه الرئيس الأميركي باراك أوباما حول موضوعين أساسيين في سياسته الخارجية، هما إقامة الدولة الفلسطينية والمصالحة مع إيران. فقد رفض أن يذعن لإرادة أوباما، وهو يسعى عوضاً عن ذلك إلى الاحتيال على الرئيس الاميركي والحاق الهزيمة به.
وبهدف إنقاذ ائتلافه اليميني وبالتالي منصبه، لم يتردّد نتانياهو في التهجم على أوباما، وحتى في وضع علاقة إسرائيل الحيوية بالولايات المتحدة على المحك. ويدل تصرّفه هذا على اعتقاده أنه يستطيع الفوز بمعركة الإرادات القائمة حالياً. وبالفعل قد يكون نتانياهو فاز بالجولة الأولى في هذه المعركة.
أما الدليل على ذلك فغير قاطع وإن يبدو موجوداً. وإذا صحّ كلام المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، فإن الولايات المتحدة أخذت تخفف من إلحاحها بطريقة أو بأخرى في مطالبة إسرائيل بتجميد الاستيطان في شكل كامل قبل البدء بالمفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية. ويبدو أيضاً أن واشنطن احتضنت طلب إسرائيل فرض عقوبات أكثر قسوةً على إيران في حال رفضت أن تعلّق تخصيب اليورانيوم بنهاية شهر أيلول (سبتمبر) الجاري. وكان أوباما قد أشار اخيراً إلى أن شهر أيلول سيكون المهلة غير النهائية إذا ما توجبت إعادة تقويم الوضع.
قد تعتبر هذه التنازلات الظاهرة لمصلحة المطالب الإسرائيلية مجرّد عملية تكتيكية. فقد تصرّف أوباما من خلال الضغط على نتانياهو بحذر شديد. فالرئيس الأميركي لم يكشف بعد عن الخطة التي أعدّها لمعركته الخاصة، وكأنه أراد أن يتوصّل الإسرائيليون بمفردهم إلى بعض الاستنتاجات عوضاً عن أن تدفعهم الادارة الاميركية إلى ذلك.
ومن وجهة نظر نتانياهو، فإن أوباما هو المحاصر وليس هو. فبرأي رئيس حكومة اسرائيل، ارتكب أوباما إثماً كبيراً عندما تجرّأ على مساواة المصالح الإسرائيلية بالمصالح الفلسطينية، وعلى مدّ يد الصداقة إلى إيران، وهو البلد الذي طالما صنّفته إسرائيل على أنه خصم خطير. ويريد نتانياهو ضرب إيران تماماًً كما مارست إسرائيل وأصدقاؤها الضغوط على الولايات المتحدة للإطاحة بنظام صدام حسين في العراق لأنه كان يفرض خطراً استراتيجياً على الدولة اليهودية.
ومن الواضح حالياً أن لا نية لدى نتانياهو لإنهاء احتلال الضفة الغربية والاستيطان فيها، أو للموافقة على إقامة دولة فلسطينية. وفي ما يتعلق بإيران، لم يألُ جهداً في ممارسة الضغوط على المجتمع الدولي لمعاقبتها من خلال فرض «عقوبات تلحق الشلل بها»، مع الإشارة إلى أن إسرائيل قد تضرب إيران في ظلّ وجود ضوء أخضر أميركي أو من دونه، وذلك إن لم تضع طهران حدّاً لبرنامجها النووي.
وهذه مواقف متعجرفة وغير حكيمة. فهي تكشف عن غياب التفكير السليم بالأمن لدى المسؤولين في إسرائيل. وكأن نتناياهو وزملاءه المدنيين والعسكريين يحوّلون أنظارهم عن تغير الرأي العام الدولي (بما في ذلك الرأي العام الأميركي) في ما يختص بإسرائيل والتغيّرات التي تلوح في الأفق في محيط إسرائيل الإستراتيجي.
وكأن الزعماء الإسرائيليين لا يزالون مقتنعين أن الوسائل القاسية والعنيفة كالاستيلاء المستمر على الأراضي الفلسطينية والاستيطان والاعتداءات المتكررة على جيران إسرائيل والاغتيال السياسي للمعارضين العرب قد ينجح في المستقبل كما كانت الحال في الماضي، بمعنى آخر، هم مقتنعون أن إسرائيل ستبقى دائماً قادرة على السيطرة على المنطقة بأكملها عسكرياً وقد لا تحتاج بالتالي إلى تقديم التنازلات.
كان نتانياهو في أوروبا خلال الأسبوع الماضي. وبعد أن التقى رئيس وزراء بريطانيا غوردن براون والمستشارة الألمانية أنغيلا مركل، أعلن أنه لم يتمّ الاتفاق على تجميد الاستيطان، وأنه لن يقبل بالطبع بتجميده في القدس الشرقية، حيث تسارعت حركة البناء بالفعل. وفي هذا الوقت، حذّر وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض من أن إسرائيل لن تسمح له بإعلان دولة فلسطينية فعلية بحلول عام 2011 في حال لم تتقدّم المفاوضات حتى ذلك الوقت.
وقد يكون نتانياهو وضع نفسه في الزاوية وهو مطمئن لواقع أن أوباما لم يعلن بعد عن الخطة التي أعدها للسلام. وثمة حديث عن إمكانية حصول اجتماع ثلاثي الأطراف بين أوباما ونتانياهو ومحمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية في نيويورك في نهاية شهر أيلول الجاري.
وقد يحدث ذلك عندما يشعر نتانياهو بالخطر. فبالنسبة إلى المراقبين الأجانب، لم يتراجع أوباما قيد أنملة عن الموقف الذي عبّر عنه في القاهرة في 4 حزيران (يونيو) الماضي، عندما أعلن الآتي: «يجب أن يقرّ الإسرائيليون أنه كما لا يمكن إنكار حقّ إسرائيل في الوجود فإنه لا يمكن إنكار حقّ فلسطين في الوجود. فالولايات المتحدة لا تقبل بشرعية استمرار بناء المستوطنات الإسرائيلية لأنها تخرق الاتفاقات السابقة وتقوّض الجهود الهادفة إلى التوصل إلى السلام. وقد حان الوقت لتعليقها».
وكان يمكن لأوباما أن يضيف الى ذلك أنه لا ينبغي على إسرائيل أن تتوقف عن الاستيلاء على الأراضي فحسب، بل يترتب عليها التحرّك في الاتجاه المعاكس. فكي يتمّ حلّ النزاع، يجب إخلاء المستوطنات وترسيم الحدود وتقاسم القدس والتوصل إلى حلّ يتم الاتفاق عليه لقضية اللاجئين. فالتركيز على أمن إسرائيل وحده كما يفضّل نتانياهو، يساهم في عدم التطرق الى المشاكل الأساسية الأخرى التي يجب معالجتها.
كما يجب إقناع نتانياهو أنه من الخطير السعي إلى إفساد البنود المركزية في سياسة أوباما حيال الشرق الأوسط، وتحدّي قوة إقليمية مثل إيران معروفة بقوميتها الكبيرة وحضارتها القديمة وشعبها الذي يفوق عدده عشر مرات عدد سكان إسرائيل وأرضها الواسعة، كما من الخطير رفض مبادرة السلام العربية التي أقرت عام 2002 والتي لا تزال مطروحة على الطاولة، لكن إلى متى؟ ومن الخطير الاستمرار في بناء المستوطنات في القدس الشرقية العربية والسعي إلى تدمير حركة «حماس» من خلال فرض حصار قاسٍ على قطاع غزة والتأخر في إطلاق سراح غلعاد شاليت من خلال تبادل للأسرى، وزيادة الحقد ضد إسرائيل بسبب عدم مبالاتها بالمصالح العربية وحياة العرب.
لقد حان الوقت للتوصل إلى حل للنزاع العربي - الإسرائيلي مهما بلغت صعوبته. فباراك أوباما هو الزعيم الوحيد في العالم وربما الوحيد في حياتنا الذي يحظى بفرصة حلّ هذا النزاع. فهو يعلم أنه يملك مفتاح العلاقات المستقبلية بين أميركا والعالم العربي والإسلامي وأن هذه هي الطريقة الوحيدة للتخلص من لعنة الإرهاب التي تتفشى على غرار الوباء.
قد يساهم السلام العربي - الإسرائيلي الشامل في إعادة الاستقرار إلى المنطقة وجلب حقبة جديدة من الازدهار وفي ضمان أمن إسرائيل على المدى الطويل وجذب إيران إلى دائرة الدول الصديقة والسماح لواشنطن من موقعها كصانعة سلام ناجحة بوضع حلّ عادل لحربها المكلفة والمضلّلة في أفغانستان.
قد يكون نتانياهو حسم جولة أولى ضد باراك أوباما إلا أنه لم يربح أبداً الحرب. فلم نشهد سوى بعض المناكفات غير أن المعركة الحقيقية قادمة