من "يُروّج" لاعتذار الحريري وبقاء السنيورة ؟ - سركيس نعوم (النهار)
يستغبي البعض في الاوساط السياسية اللبنانيين عندما يقول لهم، وخصوصاً عبر وسائل الاعلام، ان احد ابرز اسباب تعثّر تأليف الحكومة الجديدة بعد الانتخابات النيابية هو رغبة الخارجين الاقليمي والدولي، ممثلين بجمهورية مصر العربية والولايات المتحدة، في ابقاء رئيس الحكومة المستقيلة فؤاد السنيورة في السرايا وإن على رأس فريق حكومي جديد يأخذ في الاعتبار الكثير من التغيرات التي حصلت في البلاد والتفاهمات التي أمكن التوصل اليها بين عاصمتين إقليميتين مهمتين هما دمشق والرياض وفي مقدمها صيغة 15 + 10 + 5. واستخدام كلمة استغباء في محله هنا لأسباب متنوعة. اولها ان السنيورة يعرف ان ثمن بقائه في رئاسة الحكومة هو اعتذار رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري عن عدم التأليف، اي فشله فيه. ويعرف انه لا يستطيع ان يكون له اي دور في ذلك لأن تاريخه الشخصي مع آل الحريري (صداقة) ثم العملي فالعام طويل جداً ولأنه يعرف ايضاً ان "لحم كتفيه" من خير مؤسسها سياسياً الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولأن اخلاقه وشخصيته ووفاءه والتزامه السياسي تأبى عليه ان يكون وسيلة للطعن بنجله ووارثه سعد.
وثاني الاسباب ان مصر ورغم استمرارها كبرى الدول العربية ودورها المهم عربياً واسلامياً ودولياً، تعرف ان دورها اللبناني لم يعد كما كان في القرن الماضي وتحديداً في النصف الثاني منه، بل تقاسمته سوريا الاسد والمملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية الايرانية. والمتبقي لها منه لم يعد يستطيع ان يفي بالغرض، وان يحقق الاهداف المرجوة.
وثالث الاسباب ان سوريا وايران لا تحبذان بل ترفضان بصورة خاصة عودة السنيورة الى رئاسة الحكومة وذلك بعد تجربته الحكومية التي وقف اثناءها في وجههما ومنعهما الى حد بعيد من تحقيق كل اهدافهما الداخلية.
اما رابعها فهو ان الوضع الداخلي اللبناني لا يتقبل في ظل الانقسام الحاصل بين فريقي 8 آذار و14 آذار بقاء السنيورة في السرايا ايا تكن الاعذار والمبررات. واي محاولة لفرض بقائه فيها او عودته اليها باستغلال الغالبية النيابية التي ينتمي اليها لا بد ان تعيد عدم الاستقرار الى البلاد بل الفتنة وربما ما هو اشد من الفتنة.
هل يعتقد البعض المشار اليه اعلاه في الاوساط السياسية الذي يروج لبقاء السنيورة رئيساً للحكومة ان اعتذار رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري سهل؟ وان ايجاد بديل منه يقبل تأليف الحكومة في ظل الظروف الراهنة، امر ممكن ومحتمل؟
الاجوبة عن هذا النوع من الاسئلة، كما يقدمها عارفون بالاوضاع اللبنانية ومتابعون لتطوراتها، تشير اولاً الى ان الحريري لن يقدم على الاعتذار عن عدم تأليف الحكومة رغم كل الصعوبات التي تواجهه من داخلية وخارجية ومعرفته بأن بعض مفتعليها يهدفون الى ابعاده عن رئاسة الحكومة.
وتشير ثانياً الى ان الرئيس فؤاد السنيورة لن يقبل الحلول محله للاسباب المفصلة اعلاه.
وتشير ثالثاً الى ان احداً في تيار "المستقبل" الذي يتزعم لن يقبل بدوره مهمة تأليف الحكومة.
وتشير رابعاً الى ان احداً من سنّة 14 آذار غير المنتمين الى "المستقبل" والمؤهلين لرئاسة الحكومة لن يقبل تكليفه تأليف الحكومة الجديدة في ظل الاوضاع السائدة. ذلك ان حمل الحريري على الاعتذار سيكون او سيعتبر ضربة للطائفة السنّية من الذين يستهدفونها من داخل ومن خارج رغم جهرهم بالعكس. ومن شأن ذلك احراق كل هؤلاء شعبياً وخصوصاً في الاوساط السنّية وربما تعريضهم لعدد كبير من الاخطار المهلكة.
وتشير الاجوبة نفسها خامساً الى ان كثيرين من المنتمين الى فريق 8 آذار من الشخصيات السنّية المهمة لن يتشجعوا على قبول مهمة تأليف الحكومة الجديدة في حال "ارغام" الحريري على الاعتذار ليس فقط خوفاً على وضعهم الشعبي بل ايضاً حرصاً منهم على طائفتهم. وهو حرص عبّر معظمهم عنه اكثر من مرة علناً وخصوصاً ابان اتخاذ "الصراع" السنّي – الشيعي طابعاً مسلحاً في ايار 2008. طبعاً قد يكون بين هؤلاء من هو مستعد لتولي المهمة ربما لأن ليس لديه ما يخسره في اي حال ولأنه قد يربح الدنيا والآخرة كما يقال في حال استمر الخلل في ميزان القوى الداخلي وتحسن الموقع الاقليمي والدولي للحلفاء الاقليميين لفريق 8 آذار. لكن ذلك، على افتراض صحته، لن يكون مضموناً لأن ليس في مصلحة هؤلاء الحلفاء اعادة بناء "مجدهم" المستعاد على القهر الفئوي، ذلك انه قد يطلق شرارة الحرب الطائفية بل المذهبية التي لا بد ان تكون خسارة لهم كلهم وللبنانيين جميعاً في الدرجة الاولى.
في اختصار ان من يخيفون اللبنانيين او قسماً منهم من عودة السنيورة الى السرايا الحكومية ويروجون مقولة ان مصر واميركا تعملان لعودته لأنه "لهما"، انما يريدون ان يضربوا عصفورين بحجر واحد. الاول زيادة العداء للسنيورة وفريقه بتصويره منفذاً لتعليمات مصر المتصالحة مع اسرائيل واميركا الحامية لها. والثاني احداث شقاق داخل ابناء الصف الحريري الواحد. لكن محاولتهم لن تنجح لأن مصر ليست بعيدة عن الحريري او لأنه ليس عدواً لها، ولأن اميركا لا تتدخل في التفاصيل اللبنانية على النحو الذي يتوهمه اعداؤها او بالأحرى على النحو الذي يشيعونه رغم معرفتهم بعدم صحته.