إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

أثر الأزمة المالية على مفاوضات تغير المناخ - حبيب معلوف (السفير)

يعقد بعد غد المنتدى الثالث للشباب الاورو - متوسطي في لبنان تحت عنوان «تأثير الأزمة المالية العالمية على مستقبل الشباب في المنطقة الاورو - متوسطية»، وستكون قضية تأثير الازمة المالية على المفاوضات المتعلقة بتغير المناخ احد المحاور الرئيسية لهذا المنتدى. فما العلاقة التي تجمع هاتين القضيتين؟
تنقسم الآراء بشكل كبير حول مدى تأثير الأزمة المالية على مفاوضات تغير المناخ، ففيما يؤكد البعض ان هذه الازمة العالمية ستشكل السبب الاكبر لفشل مؤتمر تغير المناخ المنعقد نهاية هذا العام في كوبنهاغن، يراهن البعض الآخر على إمكانية تحويل هذه الأزمة الى «فرصة» للتغير في الأنظمة الاقتصادية المسيطرة والقيام بمحاولة جدية لانقاذ المناخ والاقتصاد العالمي معا.
تتمحور مفاوضات المناخ العالمية حول خمسة محاور رئيسية، هي ايجاد «رؤية مشتركة» للخروج بحل، وإيجاد السبل للتخفيف من الانبعاثات المسببة للظاهرة، وكيفية التكيف معها، ونقل التكنولوجيا البديلة والملائمة، وتمويل كل هذه الاجراءات المطلوبة... وهذا يعني في الحصيلة ان مسألة «التمويل» هي المسألة المركزية في هذه المفاوضات، كما في كل الدورات الرسمية الـ15 التي سبقتها منذ تم وضع الاتفاقية الاطارية العام 1992... ولا سيما مسألة من يتحمل الكلفة الأكبر وكيف ستحصّل.
والمعلوم ان القطاع الأساسي الذي يعتمد عليه للتحكم بهذه الظاهرة، كما للتحكم بوجهة الاقتصاد العالمي، هو قطاع الطاقة، فما هو المرتقب حول هذا القطاع في الفترة المقبلة؟ وفقا للوكالة الدولية للطاقة، فإن الطلب على الطاقة سيزيد عالميا بنسبة 55 في المئة بحلول عام 2030. وستتطلب البنية الأساسية لإمدادات الطاقة على صعيد العالم استثمارات يبلغ مجموعها 22 تريليون دولار، تستأثر البلدان النامية بنصفها تقريبا... وهي استثمارات في غالبها في مصادر الطاقة الاحفورية المتهمة الرئيسية بالتسبب بظاهرة تغير المناخ، طالما ان الفحم والنفط ومشتقاته لن تنض في الـ30 سنة القادمة على الاقل.
ويتوقع العديد من خبراء الاقتصاد أن الإجراءات المفترض اتخاذها لمواجهة تغير المناخ ستكون باهظة التكلفة، وذات عواقب وخيمة على الاقتصاديات العالمية كافة. غير أن الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ وجد أن الإجراءات الخاصة بتخفيف انبعاث الغازات المسببة لتغير المناخ لن تقلص نمو الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030 ، إلا بمقدار ثلاث نقاط مئوية على أكثر تقدير، خلال العشرين عاما.
وبالإضافة إلى ذلك، ستكون هناك ضرورة لتقديم المساعدة الإنمائية الرسمية للبلدان النامية من أجل تقليص انبعاث الغازات والتكيف مع آثار تغير المناخ.
وقد خلص تقرير التنمية البشرية لعام 2007 ، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى أن ثمة حاجة إلى تقديم تمويل إضافي لعملية التكيف بين 86 الى 109 بليون دولار بحلول عام 2016 ، من خلال تحويلات من البلدان الغنية إلى البلدان الفقيرة، في وقت قيّم البنك الدولي نفقات «التكيف» (وحدها) مع التغيرات المناخية بما بين 10 و 40 مليار دولار سنويا. اما التحالف الدولي للمنظمات غير الحكومية المعنية بالموضوع فقد طالب البلدان الصناعية بما يقارب 160 مليار دولار سنويا، حتى العام 2017، من ضمنها 56 مليار دولار أميركي في السنة لانشطة التكيف. مع العلم ان فريق الخبراء الذي اجتمع الاسبوع الماضي في جنيف تحضيرا لكوبنهاغن، اقترح توفير ميزانية سنوية تترواح بين 340 و 580 بليون دولار، وهي توازي ثلاثة اضعاف الميزانية لتنفيذ اتفاق الامم المتحدة الاطاري لتغير المناخ. وقد اكد الخبراء ان التأخير في التعامل مع هذه الظاهرة سيؤدي الى زيادة التكاليف بصورة درامية قد تصل إلى أكثر من 5 في المئة من قيمة الناتج المحلي الاجمالي للعالم.
ولكن السؤال الذي يطرح ايضا: من اين الحصول على هذا التمويل؟
يراهن البعض على نجاح اقتراحات تفرض تحديد رسوم على الانبعاثات تقدر بدولارين لكل طن إصدارات من ثاني أكسيد الكربون، بطريقة تتناسب ومستوى التنمية لكل بلد. وهو ما سيسمح بتجميع حوالى 48،5 مليار دولار سنويا، كما ورد في الاقتراح السويسري على سبيل المثال.
ويقترح البعض السماح بحصة من إصدارات غاز ثاني أكسيد الكربون بالنسبة لكل بلد تقدر بـ 1،5 طن لكل مواطن. هذه الحصة تتناسب مع نسبة الإصدارات في العالم التي تشير دراسات منظمة الأمم المتحدة الى ضرورة عدم تجاوزها من هنا حتى نهاية القرن، إذا ما رغبت البشرية في تجنب حدوث كارثة مناخية.
أما الدول النامية التي لا تتجاوز نسبة الإصدارات فيها 1،5 طن بالنسبة للفرد فتعفى من دفع الرسوم تماما. في حين أن الدول التي تتجاوز هذه النسبة عليها دفع الرسوم بشكل يتناسب مع النسبة الزائدة، لأن هذا النظام يرتكز على المبدأ القائل بأن «المتسبب في التلوث هو الذي عليه أن يدفع الثمن». وقد اعتبر هذا النموذج المقترح الأقرب إلى تحقيق نوع من التوازن بين التزامات الدول الصناعية والدول النامية في نفس الوقت، مع العلم انه لا يأخذ بالاعتبار التراكم التاريخي للظاهرة، ومسؤولية البلدان الصناعية التاريخية الأكبر في المعالجة وفي التمويل، التي يمكن أن تأتي تحت عنوان «دفع التعويضات» عن المرحلة السابقة. وكان الاتحاد الأوروبي قد تقدم باقتراحات للتمويل تعتمد على المضاربة في شراء شهادات السماح بكميات إصدار إضافية. وإذ ليس هناك نهاية قريبة في الأفـق للأزمة المالية العالمية الحالية على ما يبدو، كما لا يـمكن التنبـؤ بالآثار المترتـبة عن هذه الأزمة، لا سيما في ما يتعلّـق بتأثيرها على الموارد الطبيعية، يمكن القول مجددا أن الوقت قد حان لإعادة النظر في مفهوم التنمية او نظرية «النمو المستمر» التي يدعو إليها البعض. والسؤال الذي بقي خارج التداول والمسكوت عنه في الخطاب الاقتصادي العالمي السائد: ما هو تأثير الأزمة المالية على البيئة وعلى الموارد الطبيعية تحديدا؟
من المعلوم ان النقص في الموارد البيئية يتسبب بتأثيرات اقتصادية خطيرة، حيث أن الموارد الطبيعية ضرورية في بداية كل سلسلة إنتاج. والضغط الحاصل على الموارد هو القوة الدافعة التي أدّت إلى الأزمة العالمية والتي بدأت مع أزمة الرّهن العقاري في الولايات المتحدة. يقول بعض الخبراء ان هذا الانهيار كان لا مفرّ منه، حيث أن النّـقص في الموارد يؤدّي إلى ما يُسمـى بالركود. في كل يوم ترتفع أسعار المواد وتسقط قيمة الاستثمارات الطويلة الأجل. هناك ضغط من كلا الطرفين، وهذا بالضبط ما حدث في الولايات المتحدة: المنازل كانت مثقلة بعدّة قروض عقارية، ثم ارتفعت أسعار النفط ومعها ارتفعت كلفة قيادة السيارة إلى مكان العمل وشراء المواد الغذائية... كل هذا أدّى إلى عدم مقدرة الكثيرين على سداد قروضهم العقارية، وفي نفس الوقت، أدّى إلى انخفاض قيمة المنازل.
أما ما هو تأثير الأزمة على المفاوضات الجارية من اجل تغير المناخ؟ لا يمكن القول ان هذه الأزمة يمكن ان تشكل فرصة، لكن من الصـعب التكهـن في أي اتجاه ستهـب الرياح. الأمور كما تظهر الآن، وخاصة في ضوء الأزمة المالية، تدعو الى التشاؤم، فمع ندرة الموارد المالية، سيصبح من الصـعب إيجاد الحلول. فإن هبوطاً حادّاً في استخدام الموارد الطبيعية في مجالات اقتصادية، خاصة بسبب الأزمة المالية، لن يكون حلاّ بحدّ ذاته. وتدل الاتجاهات الحالية في استخدامنا للموارد الطبيعية، انها ستؤدّي إلى تخريب اقتصادياتنا أكثر وأكثر، إذا لم نُـغيِّـر أساليب عيشنا . ويتوقع خبراء الاقتصاد البيئي، أن تهيمن على القرن الحادي والعشرين مسألة واحدة، هي نقص الموارد الطبيعية. ولقد شهِـدنا بالفعل إلى أين يُـمكن أن يؤدّي ذلك في أماكن، مثل هايتي أو دارفور.
والسؤال الذي يطرح على البلدان الصناعية المتقدمة تحديدا: هل يمكن الرهان على تغيير ايجابي في طريقة عيش الناس وفي سلوكياتهم (من حيث الترفيه) عبر التقليل من استخدام الطائرات للسفر وكذلك التقليل من استخدام السيارات في التنقل (على سبيل المثال)؟ ممكن، ولكن بالنظر إلى المشاكل الملحّـة، فمن شأن ذلك أن يكون قطرة في المحيط فقط. الأرض بحاجة إلى تغييرات نموذجية وجذرية في طريقة استخدامنا للموارد الطبيعية أيضا. نحن بحاجة إلى إصلاحات ضريبية بيئية، وهو ما يعني ببساطة، المزيد من الضرائب على الطاقة وخفض الضرائب المتعلِّـقة بالعمل. من جهة أخرى، علينا إيجاد اتجاه جديد في ما يتعلّق بتصميم المدن. فهل يمكن المراهنة على بناء مُدن اقل استهلاكا للطاقة؟ فهل الشباب الاوروبي مستعد؟ مع العلم اننا كلما استهلكنا أقل من الطاقة، كلما خفت الكلفة، وكلما قل الضغط على البيئة... ولكن كلما قلت الرفاهية ايضا.
من ناحية أخرى، على البلدان النامية أن تأخذ قضية زيادة السكان وسوء توزيعها بِجدّية أكبَر بكثير. على قاعدة علمنا بأن الأرض محدودة الموارِد، وإلا فإننا سنحكم على الجيل الآتي بمزيد من الفقر والبؤس والمخاطر. بالإضافة الى تعزيز دور الشباب والمرأة على المستويات كافة.
 

← العودة إلى مختارات