مذكرات سياسي يحترم نفسه - ميشال جحا (النهار)
في كتابه "المذكرات" الصادر سنة 2009 عن "دار النهار للنشر" بيروت يروي فؤاد بطرس بصدق بعضا من سيرة حياته التي تتناول حصراً السنوات التي كان فيها في الحكم وخاصة في وزارة الخارجية. وهي تقسم الى مرحلتين الاولى في وزارة العدل بين 1961 - 1964 والثانية في وزارة الخارجية سنة 1968 ومن 1976 ولغاية 1982، ووزارة الدفاع من 1976 لغاية 1978.
يضم هذا الكتاب مدخلا بقلم صديقه خليل رامز سركيس من لندن وهو كاتب مبدع وصاحب مبسم في فن الكتابة، الى مقدمة وثمانية اقسام وخاتمة. اضافة الى 48 صورة مع رجال دين وشخصيات لبنانية وعربية ودولية.
وهذا الكتاب ليس مجرد سيرة حياة الرجل الذي رافق ثلاثة عهود: عهد فؤاد شهاب وعهد شارل حلو وعهد الياس سركيس – يقول الرئيس شارل حلو (ص564) "ان فؤاد بطرس كان الرئيس الثاني للجمهورية اللبنانية خلال عهد الرئيس الياس سركيس" – بل هو سيرة حياة لبنان في مرحلة من اصعب مراحل تاريخه.
في القسم الاول من الكتاب يكتب فؤاد بطرس في 5/10/1917 وعن عائلته وكفاحه في سبيل نيل العلم والتميّز. ثم عن عمله في سلك القضاء زمن الانتداب الفرنسي بعد نيله اجازة الحقوق وبتفوق فيقول (ص32): "كانت تجربة العمل في الجسم القضائي ابان الانتداب الفرنسي مميزة لأنها كانت في شكل خاص تتسم بالاحتراف والجدية المطلقة، فالسلطة القضائية لا تقوم فقط على إنصاف المتقاضين بموجب القوانين المرعية لأن مفهوم العدل يتخطى النص القانوني. ما حاول القضاة الفرنسيون ارساءه في لبنان هو تقليد العدالة بكل قيمها وبخاصة استقلاليتها التي هي احدى اهم مميزات النظام الديموقراطي.
وهو يروي عن قضاة فرنسيين كبار وقفوا في وجه المندوب السامي ولما وجد ان القضاء بات مشرعا لتدخلات السياسيين في عهد الاستقلال ترك القضاء وانصرف الى المحاماة واسس مكتب فؤاد بطرس ومحمد الجارودي للمحاماة.
يقول (ص46) عن الرئيس بشارة الخوري ما يلي: "فالرئيس بشارة الخوري الذي عرفته جيدا بعد تركه الرئاسة بحكم صداقتي مع نجله ميشال، رجل محترم ذو ثقافة واسعة وذكاء حاد. لعب دورا مهما في تحقيق الاستقلال، وقدم الكثير للبنان في سنوات حكمه الاولى، غير انه استنفد في السنتين الاخيرتين من حكمه رصيده الكبير عن اللبنانيين ولاسيما من جراء استغلال بعض محيطه لمنصبه الذي اساء الى بشارة الخوري ابنه خليل وشقيقه سليم.
وعن كميل شمعون، فتى العروبة الاغر، يقول (ص47): "كنت اشعر بأن سياسة الرئيس كميل شمعون القائمة على الانحياز الى حلف بغداد، والتطلع نحو الولايات المتحدة تتنافى مع دورنا، وتتجاوز طاقاتنا بالنظر الى موقعنا الجيوسياسي. فمن جهة، نحن بلد قائم على التعددية الطائفية، ومن جهة ثانية، يقع لبنان بين سوريا واسرائيل، اي على تماس مباشر مع الصراع العربي – الاسرائيلي".
ثم مع فؤاد شهاب الذي يقول عنه (ص53): "اجلسني قبالته وشرع يشرح لي الخطوط العريضة لمشروعه الرامي الى بناء لبنان على قواعد صلبة. واخذت، وانا مصغ بانتباه وسرور كبيرين الى ما يقوله، أتأمل ملامح وجهه المتناسقة وألاحظ كيف ان هذه الملامح تعكس مشاعره، وتؤكد جديته وايمانه والتزامه المطلق ببناء دولة عادلة قوية يثق بها جميع اللبنانيين فلا يعودون منتمين الى طوائفهم اكثر مما ينتمون الى وطنهم".
للأسف ان تجربة الرئيس فؤاد شهاب الفريدة لارساء بناء الدولة في لبنان اجهضها "المكتب الثاني" الذي راح يتدخل بكل شاردة ويقمع الحريات ويدّعي الحرص على العهد. رحم الله العميد ريمون اده الذي كان اول الرافضين للمكتب الثاني!
ويروي عن اجتماع الرئيس فؤاد شهاب الشهير بالرئيس جمال عبد الناصر في خيمة على الحدود اللبنانية – السورية فيقول (ص57): "وصل الرئيس اللبناني الى منطقة الحدود قبل نظيره المصري وكان في استقباله رئيس المخابرات السورية عبد الحميد السراج. بعد نحو عشر دقائق، حطت الطوافة التي تقل الرئيس عبد الناصر على بعد اربعين او خمسين مترا داخل الاراضي السورية. فنظر السراج الى الرئيس شهاب وقال له: "لقد وصل سيادة الرئيس عبد الناصر، الا تود ان تستقبله يا فخامة الرئيس؟": فأجابه: "لقد حطت طوافة الرئيس عبد الناصر على ارضه، فكيف لي ان استقبله في بلده؟! ثم لا تنسى ان سيادة الرئيس قبل وصوله الى السلطة، كان عقيدا اما انا فلواء". وهكذا كان الاستقبال على الحدود بين البلدين، والاجتماع في خيمة نصفها في لبنان ونصفها في الجمهورية العربية المتحدة". هذه الحادثة تلخص احترام الرئيس شهاب لوطنه.
يوجز فؤاد بطرس علاقته "بالمعلم" الرئيس فؤاد شهاب (ص63): "لدى انتهاء جلسة لمجلس الوزراء في القصر الجمهوري، لحق بي الياس سركيس وسرنا سوية، واخبرني ان الرئيس شهاب اوصاه بأن يعود اليّ لأخذ رأيي في كل مسألة دقيقة تطرح امامه وابتداء من ذلك اليوم اصبحت اشعر بأن ثقة رئيس الجمهورية بي اصبحت كبيرة جدا".
ثم يتابع: "ظل الرئيس شهاب يستغرب عدم الاحساس بالمسؤولية لدى بعض السياسيين الذين يطلقون مواقف طائفية او شخصية بهدف المزايدة واجتذاب الشعبية غير آبهين بما تتركه من آثار سلبية على الحياة السياسية في لبنان. وكان يشعر، من الداخل، وكنا نشاطره هذه الاقتناع، بأنه لم يكن من طينة هؤلاء... كانت حياته اقرب الى التنسك حتى انه دعي "ناسك صربا".
لو كان الرئيس فؤاد شهاب حيا اليوم لكان استغرابه زاد لأن الغالبية من رجال السياسة باتت لا تهتم الا بمصالحها الخاصة وهو الذي قال عنهم "اكلة الجبنة"! Fromagistes ثم يلخص رأيه بالرئيس شهاب فيقول (ص69): "لم ار له مثيلا في الطبقة السياسية اللبنانية لجهة نظافة الكف والاستقامة والتمتع بالرؤية السياسية الواضحة وبالقدرة الفعالة لوضع هذه الرؤية موضع التنفيذ".
اما عن كمال جنبلاط فيقول بعد قطيعة بينهما كانت بسبب عدم تلبية فؤاد بطرس، وكان وزيرا للعدل، طلب جنبلاط التدخل لمصلحة بعض القوميين الشوفيين الموقوفين بسبب محاولة الحزب القومي الانقلابية الفاشلة – يقول (ص 88 – 89): "ان كمال جنبلاط وكان وزيرا للداخلية شاء السفر الى الهند فطلب من الرئيس رشيد كرامي ان لا يسند وزارة الداخلية في غيابه الا لفؤاد بطرس – استغرب الرئيس كرامي هذا المطلب وهو يعرف ما بينهما من نفور – قال له كمال جنبلاط: "أنا اثق بفؤاد بطرس وهو شخص محترم ونظيف واعلم بأنه لا يعمل الا بحسب ما يمليه عليه ضميره"... عاد جنبلاط بعد شهرين فوجد ان وزير الداخلية بالوكالة كان خير وكيل فشكره وعادت المياه الى مجاريها بين الرجلين.
يقول فؤاد بطرس عن كمال جنبلاط: "كان رجلاً مثقفاً يتمتع بأفق واسع وطموح كبير جداً. لعب دوراً سياسياً مهماً تخطى إطار زعامته الدرزية وأخذت ممارسته للعمل السياسي ابعاداً دولية واقليمية على صعيد الاشتراكية الدولية والنظريات اليسارية وعلى صعيد العالم العربي..." أين لنا اليوم مثل هذه الشخصيات السياسية؟.
وفي صفحة 178 يكتب عن تعرفه الى الرئيس الحص: "سألني الرئيس الياس سركيس هل تعرف سليم الحص؟ فأجبته بالنفي، وأضاف قائلاً: لقد عملت معه عندما كان رئيساً للجنة الرقابة على المصارف. انه رجل جيد وقدير واريد ان اعيّنه وزيراً للمالية او للاقتصاد". وبعد ايام اجتمعت بالحص في منزل الرئيس المنتخب (اي الياس سركيس) وبدا لي رجلاً متزناً وواعياً يختلف عن رجال السياسة بالمعنى المألوف لبنانياً".
ثم يتحدث عن الاصطدام بالرئيس الحص عندما كان رئيساً للوزارة بسبب إنهاء خدمات الضباط الذين شاركوا في الحرب الاهلية لأنهم رفضوا التقدم بالاستقالة ويتهمه بانه غير موافق على إنهاء خدمات بعض الضباط المسلمين (ص 217 – 219).
يذكر الرئيس الحص بتجرد هذه الواقعة في كتابه "زمن الأمل والخيبة" (ص 97 – 99) فيقول: "اعترضت على المبدأ المطروح من حيث ان المساواة في تلك الحالة تجافي العدالة، ذلك لأن التوزع الطائفي لضباط الجيش كان آنذاك بنسبة الثلثين الى الثلث تقريباً بين المسيحيين والمسلمين، فاذا ما اعتُمدت قاعدة المساواة في قبول الاستقالات كان من شأن ذلك تعميق الخلل النسبي في بنية الجيش. فهذه حقيقة حسابية لا جدال فيها". لم يشأ الرئيس الحص اقالة ضباط من فريق (جيش لبنان العربي) دون اقالة ضباط من الفريق المسيحي (جيش سعد حداد).
ادى عزل قائد الجيش العماد حنا سعيد الى تعيين العماد فيكتور خوري. ما سبّب الاعتداء على منزل فؤاد بطرس بتفجير نجا منه بأعجوبة اعدته له "الجبهة اللبنانية" وقد رفض ان يتقاضى مبلغ 300 الف ليرة لبنانية – كانت تساوي مئة الف دولار – كتعويض عن الاضرار الجسيمة التي لحقت بمنزله قائلاً للرئيس سركيس – الذي اصرّ قائلاً له هذا من حقك: "لا اريد ولا اقبل بان يكون للدولة عليّ اي فضل". (ص 211). رجل يتنازل عن حق اقرّ له بينما مئات غيره نهبوا وسرقوا البلاد وبنوا القصور وتاجروا بكل شيء واصبحوا من كبار الاثرياء!!!
تولى الوزير فؤاد بطرس العمل السياسي في فترة عصيبة عصفت بلبنان – وأيْمَتى لم يكن لبنان عرضة الى فترات عصيبة -: محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها الحزب السوري القومي الاجتماعي مطلع ستينات القرن الماضي، اعتداءات اسرائيل على مطار بيروت سنة 1968 ثم اجتياحها للبنان سنة 1982، وانعكاسات ممارسات المقاومة الفلسطينية وتنظيماتها التي لا تُعَدّ على اوضاع لبنان الداخلية والخارجية، ثم دخول سوريا الى لبنان بعد اندلاع الحرب الاهلية سنة 1975. ومساندة الدول العربية للمقاومة الفلسطينية على حساب امن لبنان ووحدته واستقراره. كيف يُنفّذ اتفاق القاهرة؟ ومن يضبط السلاح الفلسطيني في لبنان الذي استضعفوه فوصفوه لان شعبه منقسم الى فريقين واحد مؤيد للمقاومة الفلسطينية، ولو على حساب استقلالية البلد ووحدة شعبه، والآخر مناهض يقاوم ويقاتل ويرتمي حتى باحضان اسرائيل لكي تنقذه من مأساته والنتيجة الحتمية كانت تدمير الوطن وقتل المواطنين وتشريدهم وتدخّل القريب والبعيد في شؤوننا الداخلية، نموذج منه ما يورده (ص 239) حول تعيين غسان تويني رئيساً لبعثة لبنان لدى الامم المتحدة حيث يقول: "على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، اجتمعت مع نظيري السوري عبد الحليم خدام – الذي يرد اسمه في الكتاب 118 مرة، والذي هدّد من باريس باسقاط الحكم في دمشق بعد ان كان احد كبار أركانه – الذي انتقدني لاختياري الوزير السابق غسان تويني لهذا المنصب متسائلا: "هل كان من الضروري ان تعينه هنا؟" وبعد فترة، سمعت انتقاداً مماثلاً من الرئيس السوري حافظ الاسد الذي قال لي: "ان غسان تويني خصمك السياسي فلماذا عينته في نيويورك؟ فأجبته: "اذا كنتُ اعمل في السياسة من اجل بلدي، فعليّ ان أضع عاطفتي الشخصية جانباً وأرى أين هي مصلحة البلد".
وعن "الجبهة اللبنانية" يقول (ص 271): بعض أركانها يعيشون في القرون الوسطى ولا يفقهون ان السياسة اخذ وردّ وان المرونة ضرورية عندما لا تكون الرياح مؤاتية وتوازن القوى غير متوافر. فهم يريدون كل شيء مقابل لا شيء. ومنهم من يتوهّم بان الاسرائيليين سيأتون لانقاذهم غافلين عن ان السياسة هي فن الممكن، وان لبنان لا يستطيع ان ينحو تجاه اسرائيل وان لا فائدة له على الاطلاق من ذلك".
واما العروبة فيقول عنها (ص 282) انه قد بلغه ان العراق يعزز تسليح الفلسطينيين في جنوب لبنان. يعلق على ذلك: "كل مرّة تعرضنا للخطر، كان ذلك دائماً باسم العروبة. انا لا انكر انتمائي العربي، ولكنني اراه من زاوية مختلفة عن زاوية الدول العربية المحيطة بنا – فهذه الدول لا تريد سوى بلد ضعيف وخاضع. وهي تستخدم لبنان من اجل اهدافها الخاصة. وتكتفي بالمزايدات على حسابه في سبيل القضية الفلسطينية".
الى ان يلخّص نظرته الى هذه الدول (ص 402): "كان اقتناعي يشتد رسوخاً بأن اجتماعات العرب (في مؤتمرات القمم العربية) لا جدوى منها لأنهم لا يستطيعون شيئاً أو بالاحرى لا يريدون ان يقوموا بشيء من اجلنا". هذا يكرس القول إن الامة العربية "ظاهرة صوتية" لا تفعل الا الكلام غير المقرون بالفعل لذلك لن يكون لها شأن في ميزان القوى العالمية. وفي (ص 381) يتابع فيقول: "ان لبنان كان ضحية استغلال اسرائيل والفلسطينيين والدول العربية وبعض القوى العظمى، فهؤلاء جميعاً اعتقدوا ان بامكانهم حل مشاكلهم عن طريق تحقيق مواقع نفوذ داخل لبنان ولو على حسابه".
في صفحة (426) يلخص مواقف الافرقاء اللبنانيين من الصراع الجاري على الساحة اللبنانية بصراحة وتجرد فيقول: "وكان اكثر ما يزعجني هو استمرار استسلام السُنّة عموماً لمنطق الفلسطينيين رغم ادراكهم لخطورة ما يجري. اما الشيعة فكانوا يحاولون التصدي لهذا الواقع من وقت الى آخر عن طريق حركة أمل. وآلمني كثيراً ان الاسلام اللبناني على وجه الاجمال برهن، مرة جديدة، انه لا ينظر الى البعيد وليست له رؤيا سياسية مستقــــلة، ويتعاطف بسهـــــولة مع أية جهة عربية قادرة.
في المقابل، كان حزبا الكتائب والاحرار المتصارعان عسكرياً تقريباً كل يوم في مدن وبلدات المنطقة الشرقية، يمدان قنوات اتصال: حزب الكتائب مع دمشق وحزب الاحرار مع الفلسطينيين. وتخليا عملياً عن الخطاب الداعي الى التخلص من الوجود الفلسطيني مستعيضين عنه بالدعوة الى إلزامهم بالتقيّد بالاتفاقات المعقودة. وقلت للمقربين مني في حينه: "كم فاتتنا الفرصة في العامين 1977 و1978 لتحقيق ذلك او بعضه. كنا ندعو الى اعتماد سياسة الممكن وكانوا متمسكين بسياسة المستحيل واليوم أصبحوا مؤيدين لسياسة الممكن ولكن ربما بعدما أصبح هذا الممكن قريباً من المستحيل".
هذه هي المعضلة: المواطن اللبناني ولاؤه لطائفته او مذهبه او زعيمه وليس ولاؤه لوطنه! فكيف ينهض وطن منقسم على نفسه وكيف يحلّق طائر الا بجناحين؟! وفي (ص 497) يختصر الازمة التي كان يتخبط فيها لبنان طوال الحرب الاهلية فيقول: "نحن نشكو من أمرين أساسيين، وكل مشكلة أخرى عندنا ناتجة عنهما: سوريا التي تعرقل كل شيء وتحرك كل شيء، والمقاومة التي تسيطر على جزء كبير من لبنان وتتحكم به ريثما تستعيد أرضها".
استطاع فؤاد بطرس رجل الحوار والتعايش والتسامح أن يصمد رغم تعرضه لمحاولات قتله، ورغم تجنّي الكثيرين عليه ومحاربته سواء من السوريين او من الفلسطينيين او من العرب وخاصة من بعض اللبنانيين من كلا الجانبين فقد هاجمه وليد جنبلاط الى حد المطالبة بمقاضاته مع الرئيس الياس سركيس بتهمة الخيانة العظمى بينما كان "جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي أشدّ المدافعين عن بقاء الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان، ولو على حساب السيادة الوطنية وهيبة الدولة، ربما لأنه كان من أكثر المستفيدين منه". (ص539).
استطاع أن يمشي على حدّ السكين، بفضل عقلانيته وصلابته وتجرده واخلاصه لوطنه، بين المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية والاحزاب والميليشيات المسيحية. فكان كمن يحفر الجبل بالابرة بفضل ايمانه بوطنه رغم ان عبد الحليم خدام اتهمه بأنه "عميل للاستخبارات الاميركية على مستوى الشرق الاوسط" كما يقول (ص442).
وهو الذي عانى من التعنت السوري طوال ممارسته لمهماته الوزارية وخاصة كسوبر وزير للخارجية طوال سنوات عديدة لا يُحمّل سوريا وحدها عرقلة ايجاد حل للأزمة اللبنانية التي طالت أكثر من خمس عشرة سنة ولكنه يحمّل اللبنانيين الذين يدورون في فلكها ايضاً المسؤولية فيقول (ص 581): "أحكم السوريون قبضتهم على الحكم المركزي والادارة العامة وسائر مرافق الدولة. واذا كان التصرف السوري والصمت الدولي عنه مدانين، فإنه لا يجوز، في المقابل، إغفال أخطاء غالبية الرسميين اللبنانيين في تعاملهم مع رؤساء المخابرات السورية لأنهم كانوا يراجعونهم لالتماس مطالب شخصية لهم ولاتباعهم وجماعاتهم مما جعلهم في غالب الاحيان لا يحافظون كفاية على كرامة بلدهم".
وفي الصفحة 582 يأتي على ذكر رفيق الحريري الذي فاتحه بالترشح للانتخابات النيابية عن بيروت على لائحته عام 1996 فكان جوابه: "المشكلة ان سقف السياسة في لبنان غير عالٍ وأنا أعاني من ألم في ظهري يمنحني من الانحناء والتعايش مع هذا السقف. فأذا أصبحت نائباً وأنت رئيس حكومة لن أعطيك الثقة، ليس لأن لا ثقة لي فيك بل لأن تشكيلات حكوماتك وبرامجها سوف تُفرض عليك، وسأعطيك مثلاً آخر اذا أردتم القيام بأمر تريده سوريا لا أوافق عليه فهل بامكانك وأنت رئيس اللائحة التي انتخبتُ عليها أن تتحمل معارضتي؟".
كان فؤاد بطرس واقعياً يلعب دور الشريك في اتخاذ القرارات المصيرية بدل أن يلعب دور الوزير الموظف كما يفعل الكثيرون.
وتجدر الاشارة خاصة الى الدور الذي لعبه كوزير للخارجية اللبنانية في العواصم العربية والعالمية والمحافل الدولية ويدل على تصرف رجل دولة واعٍ لما يتوجب عليه للدفاع عن حق لبنان والدول العربية وخاصة فلسطين والوقوف بعناد في وجه الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان. وقد ضحّى طوال عمره في سبيل مصلحة لبنان ولم يضحّ بلبنان من أجل مصلحته كما فعل كثيرون ممن تولّوا السلطة عندنا... ولأنه كان كذلك كانوا كلهم يطلبون رأسه!
وهكذا استطاع أن يُبقي حضوره على الساحة السياسية في لبنان حضوراً دائماً. كل ما جناه فؤاد بطرس إطلاق اسمه على أحد شوارع الاشرفية!
نحن الذين عشنا الاحداث المأسوية التي يتناولها فؤاد بطرس في مذكراته وعانينا من تداعياتها: هناك من قُتل من جراء القصف والقنص او تشوه، وهناك من فقَدَ مورد رزقه وجنى عمره، ومن فَقَدَ والداً، أو أماً أو ولداً أو عزيزاً أو مخطوفاً ما زال ينتظر عودته. وهناك من تشرّد ومن عانى العوز، وهناك من أثرى وبات يملك الملايين والمليارات والدُور والقصور! وفؤاد بطرس بقي كما هو لم يستغل منصبه مقارنة بالقلائل جداً ممن تولّوا الشأن العام في لبنان. لم نشاهد صورة لزوجته أو لاولاده الثلاثة.
بقي بعيداً عن حب الظهور بينما سواه وهم كُثر استغلوا مراكزهم وجاءوا بأولادهم وأصهرتهم والأقربين لتبوؤ المراكز الرفيعة في الدولة والتي في أغلب الاحيان لا يستحقونها. ما هكذا تبنى الاوطان!!
وبعد، فؤاد بطرس في هذا الكتاب يكتب مذكراته، أي ما فعله هو في سدة المسؤولية، ولا يكتب تأريخاً كاملاً للأحداث وما فعله باقي المسؤولين اللبنانيين بالتفصيل فشكراً له لأنه فعل ذلك تاركاً للاجيال أن تتعلم منه كيف يكون الرجال الذين يتولون المسؤوليات السياسية في أصعب الظروف وأخطرها فكان كمن يسير على حبل مشدود!
حبذا لو يستفيد رجال السياسة عندنا من خبرته وصلابته وهدوء أعصابه ودفء لسانه واحترامه لنفسه ولوطنه وصفاء ذهنه وسداد رأيه وقوام مبدأه وشدّة غيرته على الحقيقة ونصاعة كفه.
ليتنا طبّقنا قانون الانتخابات الذي أشرف على وضعه معالي الاستاذ فؤاد بطرس لكنا حققنا انتخابات عادلة بدلاً من أن نعود نصف قرن الى الوراء الى قانون 1960 الذي نتجت عنه انتخابات كان المنتصر فيها المال والتهويل والحشد الطائفي والمذهبي. إن الدين العام سيزداد وتقنين الكهرباء سيستمر وكذلك هجرة الشباب المتخصص والبطالة والازمة المعيشية ويبقى لنا الفساد والتكاذب والشعارات التي لا تطعم جائعاً ولا تداوي مريضاً أو تحقق مشروعاً إنمائياً... لماذا لا يسأل المواطن المرشح الذي يدفع ملايين الدولارات من اين له هذا المال؟ ولماذا يفعل ذلك؟ أليس أنه سيسعى الى تعويض ما انفقه اضعافاً مضاعفة؟ هل إن الميليشيات التي اغتصبت السلطة اثناء الحرب الاهلية وباتت شرعاً في السلطة بعد أن فازت في هذه الانتخابات ستنقذ لبنان؟ أليس المهم أن ينتصر من ينتصر الأهم ان ينتصر لبنان.
يوم يستعرض لبنان كبار رجالاته الذين يفاخر بهم سيكون فؤاد بطرس أحد أبرز هؤلاء.