هجوم سعودي لدعم أوباما ! - راجح الخوري (النهار)
قبل أسبوعين من وقوفه في الجمعية العمومية للامم المتحدة لاعلان مبادرته للسلام في الشرق الاوسط، تعمّدت المملكة العربية السعودية ان تزود الرئيس الاميركي باراك اوباما بحجة قوية وسلاحا فعالا ضد الحصار الذي تمارسه القوى الصهيونية ضده داخل اميركا، وخصوصا في الكونغرس ووسائل الاعلام.
جاء ذلك بطريقة غير مباشرة، عبر الرد الذي ارسله السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير الى 220 من اعضاء مجلس النواب الذين سبق لهم ان وجهوا كتابا الى خادم الحرمين الشريفين يدعونه فيه الى اتخاذ "مبادرة دراماتيكية" على طريقة زيارة الرئيس أنور السادات الى اسرائيل (!) بهدف "فتح الابواب أمام تسوية شاملة في الشرق الاوسط"!
ومن المعروف ان النائبين اللذين أعدا الرسالة وجمعا التواقيع هما من مؤيدي اسرائيل المتحمسين، اي براد شيرمان الديموقراطي وايد رويس الجمهوري. ولكن الرد السعودي الحاســم والمــقــتــضــب لم يقتصر على رفض الدعوة الفظة والمستهجنة التي طالبت الملك عبدالله باتخاذ "مبادرة دراماتيكية"، في حين ان الموقف الــدراماتيكي مطلوب من الرئيس الاميركي الذي تلقى حتى الآن مجموعة كبيرة من المــطالبات اليهودية بلي ذراع بنيامين نتنياهو اذا اراد ان يقدم مبادرة تسوية ناجحة فــي الشرق الاوسط. بل ان رد الجبير اكد الموقف الحاسم الذي ســبق ان اعلنه وزير الخارجية الامير سعود الفيصل في واشنطن من ان التطبيع مع اسرائيل مرفوض قبل انتهاء الانسحاب من الاراضي العــربــيــة المــحــتلة، وعلى قاعدة مبدأ الارض فــي مــقــابل الســلام.
d65; d65; d65;
رسالة النواب الاميركيين الى الملك عبدالله جاءت مباشرة بعد موقف الامير سعود الفيصل الذي تعرض لحملة انتقاد في الصحافة الاميركية. غير ان الرد على تلك الرسالة حرص على التأكيد ان السعودية ظلت دائما تتخذ المواقف الواضحة التي تثبت رغبتها في حل دائم وعادل للصراع في الشرق الاوسط، لكن كل المحاولات السعودية والعربية ووجهت بالصلف الاسرائيلي وانهارت بسبب سياسات العدوان والتوسع التي طبقتها الحكومات الاسرائيلية.
واذا كان السفير السعودي أعاد تأكيد موقف بلاده من ان اي محاولة لتحقيق السلام اعتمادا على ما تسميه واشنطن "خطوات لبناء الثقة" لن تنجح، فإن الامير تركي الفيصل كتب مقالا في صحيفة "النيويورك تايمز" شرح فيه الابعاد الاستراتيجية والقانونية والاخلاقية التي يستند اليها هذا الموقف، وقال إن دولة بأهمية السعودية ولها دورها المحوري روحياً وقومياً واقليمياً ودولياً لا يمكنها إلا ان تلزم نفسها بمعايير دقيقة وعالية للعدالة والقانون، ومن هذا المنطلق يجب ان ترفض التواصل مع اسرائيل حتى تنهي احتلالها غير القانوني للضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان ومزارع شبعا... و"بالنسبة الى السعودية، إن اي خطوات تجاه التطبيع الديبلوماسي قبل عودة هذه الارض الى اصحابها الحقيقيين يمثل تقويضاً للقانون الدولي وتجاهلا لعمل غير اخلاقي".
وفي حين يقول الرد السعودي على رسالة النواب الاميركيين: "نحن نؤمن ايماناً ثابتاً بأن حل هذا النزاع يحتاج الى تحديد الحل النهائي في البداية ثم تبدأ المفاوضات وتتناول كل المواضيع: الحدود، القدس، المياه، الامن، اللاجئين، مع تحديد معين لموعد انتهاء المفاوضات"، فان مقال الامير تركي يشكل رسالة غير مباشرة الى الرئيس اوباما عندما يقول: "من اجل تحقيق السلام والوصول الى حل الدولتين يجب ان تكون اسرائيل مستعدة لأن تعطي مثلما تأخذ. والخطوة الاولى هي بالضرورة الازالة الفورية لكل المستوطنات في الضفة الغربية".
ويستطيع اوباما ان يقتطع من المقال المذكور الحجة او الفحوى التي تقول إن اسرائيل لم تقدم يوماً اي صيغة شاملة لخطة سلام، بينما قامت السعودية بذلك مرتين: مبادرة الملك فهد للسلام عام 1982، ومبادرة الملك عبدالله للسلام عام 2002، والعــالــم العــربــي وافــق علــى المبادرتين، أما اسرائيل فرفضتهما!
d65; d65; d65;
ولكي يتأكد اوباما من ان المطالبة بمبادرات النيات الحسنة لم تنجح في خلال ثلاثين عاماً، عليه ان يدقق في رسالة السفير الجبير التي تورد مثلا حسّياً على ذلك، عندما يتذكّر بأن عدد المســتــوطنين عام 1979 عند توقيع معاهدة "كامب ديفيد" كان خــمــســة آلاف، ومــــع انعــقــاد مؤتمر مدريد عام 1982 ارتفع الى 100 الــف، وعــام 2007 مــع انــعــقاد مؤتمر أنابوليس وصل الى 200 الف، فكيف يجوز ان ينخرط اوباما وموفده جورج ميتشل الآن في جدال حول "وقف مؤقت للاستيطان في مقابل التــطــبــيــع" مــع نــتنياهــو وزمــرتــه، مع علم واشنطن الاكيد ان الهدف الابعد عند تل أبيب هو احباط مبادرة الحل من الاساس؟
والكلام السعودي في مقال الامير تركي ورد السفير الجبير لا يمثلان رداً على انسياق الديبلوماسية الاميركية وراء النظريات الاسرائيلية الخادعة، بمقدار ما يمثلان هجوماً مضاداً بالوقائع والارقام لتدعيم صمود اوباما في مواجهة خطة التطويق الصهيونية.