مؤسسة ناجحة... سلم أهلي خبيث - جهاد الزين (النهار)
احتفلنا في قبرص خلال "الويك اند" المنصرم، اكثر من خمسين سياسياً واكاديمياً وناشطاً في الشأن العام بمرور ربع قرن على تأسيس "المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم".
كان احتفالاً نقاشياً... فظهر النقاش في تلك القاعة من أحد فنادق "ايانابا" وكأنه الطقس الاحتفالي الذي يمارسه هذا النوع من الناس مثل كهنة المعابد القديمة ولكن في بلد كلبنان متعدد الآلهة السياسية التي يجعلها نظامه السياسي فاعلة – بل مؤذية – جداً.
25 عاماً من الحوارات الدؤوبة انطلقت في فترة من الثمانينات كانت التسمية نفسها (السلم الأهلي الدائم) موضع شك إن لم تكن موضع سخرية فيما كان "المجتمع" اللبناني في بعض أكثر مراحل تاريخه المشترك ضمن دولة واحدة، دموية وتفتتاً.
إذن 25 عاماً كان على ندوة ايانابا ان تعيد تقييمها في يومين، 25 عاماً من محاولات اثبات امكانات التواصل الحواري بين مكونات – عينات لمجتمع كان في سنوات المؤسسة الاولى منهاراً ليتحول لاحقاً الى سلم أهلي بارد... اي مأزوم ولكنه انتقل من التأزم المسيحي – المسلم الى التأزم السني – الشيعي.
بصيغة أخرى للكلام... بدت الندوة في النظرة السائدة للمشاركين – رغم اختلافاتهم – نموذجاً على نجاح منظمة غير حكومية مختصة بدراسة فشل نظام ومجتمع... فشل جعل القضية الرئيسية الأهم اليوم عملياً في لبنان بعد تسعين عاماً على تأسيس دولته و84 عاماً على تأسيس نظامه السياسي وحوالى عقدين على تعديل جوهري لهذا النظام، هي قضية منع تجدد الحرب الأهلية فيه بصيغتها الكلاسيكية المسيحية – المسلمة او الأكثر إلحاحاً بصيغتها السنيّة – الشيعية. وفي هذا المآل للوضع اللبناني تتأكد درجة استشرافية هذه المؤسسة عندما وضعت قبل ربع قرن عنواناً وحيداً للوضع اللبناني: السلم الأهلي... وأضافت عليه: الدائم... في وقت كان هناك من لا يزال يعتقد ان قضية "الاصلاح السياسي" اي اصلاح النظام هي القضية الداخلية الأهم... مثلما يعتقد الآن عديدون بين اللبنانيين ان قضايا أخرى غير السلم الأهلي هي أكثر أهمية وإلحاحاً أياً تكن الاعتبارات و"أياً يكن الثمن" كما يحب اصحاب "الرؤوس الحامية" في مواقع مختلفة ان يهددوا.
اعرف ان هناك "متفائلين ابديين" كالبروفسور انطوان مسرة (الذي كرمته المؤسسة الى جانب القاضي الدكتور طارق زيادة على ربع قرن من عضويتها) يصرون على الجزء الملآن من الكأس... بما هو "الكأس" الميثاقي الآن "اتفاق الطائف"... لكن أيضاً في محفل كهذا من الطبيعي ان يتركز أدب النقد على "الطبقة السياسية" حتى بحضور عناصر شابة قيادية من بعض الأحزاب، التي علينا التساؤل لماذا لبت وهي احزاب مسيحية وغابت احزاب "أمل" و"المستقبل" و"حزب الله"، في حين حضر "الحزب التقدمي الاشتراكي"... مع الاشارة هنا الى ان الدعوات كما عرفت لم توجه لـ"الحزبيين" بصفتهم التمثيلية... وانما الشخصية. غير ان هذا الخلل انعكس بشكل "عفوي" على النقاشات السياسية فنال التركيز على "حزب الله" من العديد من المشاركين القسط الأكبر إن لم يكن الأوحد. لكن هنا الأمر له جانب آخر تفسيري هو الوزن الكبير لهذا الحزب في المصير الوطني اللبناني بما يتجاوز جانب المناكفة السياسية المحضة، فيما غاب أيضاً اي بحث في الحوار السوري – اللبناني كموضوع متعلق بالسلم الأهلي نفسه، لكن خلاصات الندوة استدركت هذا النقص المنهجي بالدعوة الى تعزيز هذا الحوار بين الدولتين والمجتمعين كما تعزيز الحوار بين "المجتمع المدني" اللبناني والمجتمع الفلسطيني في لبنان.
لاحظ دميانوس قطّار غلبة "المخضرمين" على أعمار المشاركين... فيما كان عدد الشباب محدوداً... لكن محدودية العدد لم تعنِ محدودية المشاركة...
ولاحظ رامي الريّس ان السؤال عن مدى مسؤولية "المجتمع الأهلي" في تأزم العلاقات الطائفية اللبنانية يغيب عن المناقشات المحصورة بمسؤولية الطبقة السياسية. وهذه كانت ملاحظة جوهرية من ناشط سياسي يأتي من موقع سياسي ذي خبرة أهلية... فرغم قدرة النظام الطائفي على التحريض العنفي، هناك ايضاً بدون شك "الثقافة الطائفية" العميقة في المجتمع...
ولاحظ ملحم شاوول غياب نقد تجارب الاحزاب اللبنانية ومسؤولية خطاباتها الراهنة وهو غياب كان عليّ ان اشير في الندوة الى انه تتمة لغياب تقليد النقد الذاتي لدى كل الاحزاب لا سيما المشاركة منها في الحرب الأهلية.
بين "أغنى" الجلسات تلك التي عرض فيها مسؤولون في منظمات غير حكومية تعمل ميدانياً في بيئات طائفية مختلفة. فالتجارب هنا على نطاقها الضيق تقدم صورة حيّة عن المجتمع بوجهين متلازمين: منتج للتوتر الأهلي وأسير لسياقه السياسي في الآن معاً. ملحم خلف تحدث عن تجربة جمع فتيان من باب التبانة وبعل محسن في مخيم ترفيهي خارج طرابلس خلال فترات التوتر. كيف كانت علاقاتهم طبيعية وحارة في المخيم وكيف بعد عودتهم كان يتلقى اتصالات من بعضهم يخبرونه فيها بحماس عن "كمية الاسلحة التي وصلت الى الحي هذه الليلة"!
التقارير الحيوية التي قدمها ناشطون في تجارب مختلفة ضد الحرب شدّت انتباهي الى فارق ذي دلالة بين بعض سمات الحرب الأهلية السابقة (1975 – 1990) والتوتر الأهلي المتفاوت بين 2005 حتى اليوم. فالحرب الأهلية السابقة شهدت ظاهرة انقضاض المناطق الفقيرة بل المعدمة على المناطق الميسورة. هكذا انفلشت المخيمات في شارع الحمراء وراس بيروت ولاحقاً الضواحي الشيعية في رأس بيروت كما انفلش المهجرون المسيحيون وريفيو الشمال في الاشرفية وجبيل وجونيه... أما ما بعد 2005 فقد ظهرت خطوط الفصل الطبقية شديدة الانضباط بين المناطق... العنف هو فقط على خطوط تماس الطريق الجديدة – مع الضاحية جنوباً والطريق الجديدة مع البربور شمالاً... وفي طرابلس الانقسام الطبقي أكثر خبثاً: العنف حين يحصل، والتوتر الدائم هو في المنطقة الشرقية فقط... منطقة الفقر الطرابلسي بين باب التبانة وبعل محسن... اما غرب ساحة التل... من شارع عزمي الى الميناء فتسكن الشريحة العليا من الطبقة الوسطى والاغنياء... وبينهم من يدير سياسياً خط التماس على المقلب الآخر... باختصار: الحرب الأهلية المسلمة – المسيحية اصابت جميع الطبقات. اما التوتر الأهلي السنّي – الشيعي فهو يصيب الفقراء وحدهم حتى الآن.
لا استطيع هنا أن أرصد جميع المداخلات ذات الأهمية كتجربة تظاهرة 1987 ضد الحرب (انطوان سيف وعصام خليفة) او المشاركة الاسلامية في السينودس (سعود المولى) أو تجربة حوارية نسائية سداسية في باريس (ماري خير بدوي) وغيرها كحوار مونترو (حسان غزيري) وسان كلو (الأحزاب) ... فالنقاش أحياناً تحول الى مكاشفة تستحق تطبيق قاعدة "المجالس بالامانات" او القاعدة الانكليزية المعروفة بـ"قاعدة شاتام هاوس" التي تمنع نسبة المعلومة الى قائلها...
معلومة من نوع ما قاله مشارك مخضرم ورصين: اعرف بعض رجال الدين الموارنة الذين اعتبروا الارشاد الرسولي "ساذجاً سياسياً"... وكانت تلك طريقتهم في الاعتراض على الموقف الذي دعا اليه الفاتيكان... في التسعينات مسيحيي لبنان في علاقتهم مع المحيط...
سلمنا الأهلي... الذي نريده مع "المؤسسة" سلماً دائماً هو الآن سلم مركّب، اسلامي – مسيحي واسلامي – اسلامي...
في طابعه الجديد الاسلامي – الاسلامي... الذي هو اقليمي – اقليمي، هل سنحتاج الى "اسطنبول – 1" بدل "الطائف – 2" او "باريس 4" كما تساءل مستشرفاً أسامة صفا؟