متى تُلغى الرقابة على الأعمال الإبداعيّة؟ - بيار أبي صعب (الأخبار)
«سمعان بالضيعة» وصل إلى «متروبوليس»؟
إلى متى يقرّر عسكري، مستنداً إلى رجل دين، ما يصلح لرعاياه القاصرين؟
الأمن العام يضرب من جديد! بعد منع فيلمين للإيطالي باولو بينفينوتي في «مهرجان بيروت الدولي للسينما»، يبدو فيلم سيمون الهبر الذي يبدأ عرضه في بيروت، مهدّداً بالحذف والتشويه. متى ينتهي زمن الوصاية على العقول والحواس، في بلد الحريّات؟
توقف توفيق الجبالي مليّاً أمام الوثيقة التي بين يديه، ولعلّه فكّر للحظة أنّها مزحة... كان ذلك الشتاء الماضي، حين جاء الفنّان التونسي لتقديم «مذكرات ديناصور» في بيروت. كما يقضي القانون، قدّمت إدارة «مسرح مونو» النصّ إلى «الأمن العام» للحصول على إذن بالعرض. في لبنان، لتقديم أي عمل مسرحي، لا بدّ من الحصول على إذن مسبق من الرقابة التي تعاين «النصّ» المسرحي وتمنح (أو لا تمنح) موافقتها على عرضه.
والحقيقة أن الأمن العام اللبناني توقّف، في فهم فنّ الفرجة، عند القرن التاسع عشر. أو بالأحرى لنقل إن القانون اللبناني لم يكتشف بعد أن المسرح ـــــ منذ قرن على الأقل ـــــ لم يعد نصّاً فقط، إذ يمكن العناصر البصريّة والأدائيّة والحركيّة أن تقول ما لا يقوله النصّ، أو عكس ما يقوله أحياناً.
المهمّ أن قرار الرقابة بالنسبة إلى عرض «مذكرات ديناصور» في لبنان، جاء متسامحاً والحمد لله. لقد أجيز العرض، رغم تحفّظ الرقابة على ما يتخلّله من... «إساءة إلى دولة شقيقة»! الشقيقة، هنا، هي تونس طبعاً. لكن المسرحي المعنيّ بالموضوع، لم يستطع أن يخترق سرّ الإساءة المفترضة التي وجّهها إلى بلاده من دون أن يدري. النصّ مكتوب بعاميّة خاصة قد تفلت بعض تفاصيلها على التونسيين أنفسهم... فكيف قرأه الرقيب اللبناني؟ وهو مقتبس عن نصّ كتبه المسرحي الألماني برتولد بريخت في الأربعينيات (أحاديث في المنفى)... والعمل قدّم في تونس قبل ٢١ عاماً، وأعيد تقديمه مراراً منذ ذلك الحين. وهو ـــــ كما يعرف من شاهده ـــــ لا يتناول الواقع المحلّي التونسي أكثر من أي واقع آخر، عربي طبعاً، لكن إنساني في نهاية المطاف. تفحّص توفيق الجبالي ورفاقه مليّاً رسالة الرقابة... هم الذين ينظرون إلى لبنان (مثل كثير من العرب) بصفته واحة الحريّة والإبداع. وطلبوا نسخة من الوثيقة كي يحتفظوا بها للذكرى، ثم عادوا بسلام إلى بلادهم.
هذا فصل بسيط من فصول «مهزلة» لبنانيّة اسمها الرقابة: جهاز أمني يفرض وصايته و«قراءته» على الأعمال الإبداعيّة والفكريّة، بناءً على تشريعات تعود غالباً إلى الدولة العثمانيّة. وتلك المهزلة مستمرّة طبعاً بنجاح كبير، من دون أن يتمكّن أحد من إيقافها، ولا حتّى وزير الداخليّة، أو الإعلام أو... الثقافة! خلال الأيام الماضية، ضرب الأمن العام خبطتين. منع عرض فيلمين في «مهرجان بيروت الدولي للسينما» بتوقيع سينمائي إيطالي معروف هو باولو بينفينوتي، بحجّة تعرّضهما للكنيسة... في القرون الوسطى! في الحقيقة «الرقابة» بريئة، فهي لم تفعل سوى استشارة «المركز الكاثوليكي للإعلام» كما يخوّلها القانون. والمركز الذي سبق له أن وجّه ضربة قاضية لفيلم مارك أبي راشد «النجدة» (9/ 3/ 2009)، بريء طبعاً: فهو ـــــ كما أكّد لـ«الأخبار» مديره الأب عبدو أبو كسم الذي رأى في الشريطين «مسّاً بالعقيدة المسيحيّة!» (12/ 10/ 2009) ـــــ لم يفعل سوى تقديم المشورة للجهاز الأمني الذي يتحمّل مسؤوليّة قراره. لن نناقش أبو كسم في قراءته للتاريخ، ولا في أذواقه الفنيّة، نريد فقط أن نفهم بأي حق يفرض تلك الأذواق والقناعات على المجتمع. ونريد أن نعرف من المسؤول عن قرار مضحك ـــــ مبكي، يعود بـ«منارة الشرق» إلى أبشع عصور الظلاميّة والانحطاط؟ ولماذا لم نسمع أصوات الاحتجاج «الليبراليّة» التي أقامت الدنيا وأقعدتها (عن حقّ)، عندما أوشكت الرقابة أن تمنع فيلم مرجان ساترابي «برسيبوليس» (30/ 3/ 2008). حتى معارك حريّة التعبير خاضعة للعصبيّات والصفقات المشبوهة في بلد الحريّات وثورة الأرز؟
وها نحن نكتشف، قبل ساعات فقط من انطلاق العروض التجاريّة لفيلم سيمون الهبر المميّز «سمعان بالضيعة»، أن الرقابة طلبت من السينمائي الشاب اقتطاع خمس دقائق من الشريط الذي يطرح سؤال العلاقة بالماضي، كي تجيز عرضه. لم نعرف إذا كان السينمائي الذي ينتظر هذا الموعد مع الجمهور منذ عام كامل، قد خضع لطلب الأمن العام. فقد امتنع عن أي تصريح للصحافة، ونحن نحترم موقفه، كما اعتذرت مديرة «متروبوليس» هانية مروّة عن عدم التطرّق إلى الموضوع، ربّما كي لا تزيد المسألة تعقيداً. هل سنشاهد فيلماً مبتوراً، اقتلع منه مشهد محوري، ما قد يسيء إلى بنيته الفنيّة وخطابه؟ تصوّروا فيلماً عن الذاكرة ممنوع فيه أن نتذكّر. واجه ربيع مروّة المشكلة نفسها في مسرحيّة «نانسي»، لكنّ الرقابة تراجعت بعد تدخّل وزير الثقافة آنذاك طارق متري. التذكّر جريمة في لبنان «تهدّد» السلم الأهلي... فيما التذكّر واجب لتدعيم السلم الأهلي، في أي مجتمع متحضّر يريد لجراحه أن تلتئم نهائياً.
نتساءل ما هو موقف وزير الداخليّة زياد بارود، ولو مصرّفاً للأعمال: هل يعجز عن الانتصار لعمل إبداعي على درجة رفيعة من النضج الفنّي والوطني، والصدق مع الذات، واحترام الآخرين؟
إلى متى نقبل أن يقرّر عسكري، مستنداً إلى رجل دين، ما يصلح أو لا يصلح لرعاياه القاصرين؟ علماً بأنّه يفعل لمصلحتنا طبعاً، ولحمايتنا من المخاطر والمعاصي والشرور. تصوّروا أن يجد الفنّان نفسه أمام موظّف عليه أن يبرّر لتجربته الإبداعيّة: إن القانون اللبناني يحمي هذا الموقف العبثي... وهنا بيت القصيد.
قبل شهور سمعت في أنقرة كلاماً لم نعتد سماعه في منطقتنا. قرار تركي حاسم ينص على ان علاقات تركيا الخارجية ستستند الى مبدأ مفاده «صفر من المشاكل مع جميع دول الجوار». ولأنني صحافي عربي لم أصدق ما سمعت.
فعلاقات تركيا مع جيرانها تحمل الكثير من جروح التاريخ. تركيا الحالية ولدت من ركام السلطنة العثمانية وفي ظروف أشد إيلاماً من ولادة روسيا من الركام السوفياتي. هناك ملفات حدود. وهناك ملفات وجود كملف الأكراد، من دون أن ننسى جرح المذابح التي تعرض لها الأرمن.
خلال أسبوع واحد رأينا تركيا تترجم قرارها هذا في محطتين لافتتين. الأولى: توقيع بروتوكولين مع أرمينيا لتطبيع العلاقات بين البلدين وإرساء قواعد التعاون. الثانية: عقد المجلس الاستراتيجي التركي – السوري وتدشين العمل بإلغاء تأشيرات الدخول. واختصر وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو الخطوة وهو يجتاز الحدود بالقول: «إن الألغام والبوابات الحدودية والأسلاك الشائكة لن تبقى بيننا». وحرص على القول إن هذه العلاقة مع سورية ليست موجهة ضد أحد وليست بديلاً لأي علاقة أخرى، وكرر قرار بلاده «صفر من المشاكل مع جميع دول الجوار».
تشكل القفزة التي حققتها العلاقات التركية – السورية حدثاً غير مسبوق في العلاقات في إقليم الشرق الأوسط، يستدعي ملاحظات عدة. إنها قفزة بين دولتين تعيش كل منهما في ظل نظام مختلف عن الآخر، وفي ظل خيارات ليست متطابقة على الصعيد الدولي. ذلك أن تركيا دولة أطلسية وتقيم علاقات مع إسرائيل. جاءت القفزة ثمرة قرار قاطع بالخروج من جروح التاريخ، وبناء علاقات ترتكز على قراءة متأنية للمصالح المشتركة وحسابات الاستقرار والازدهار، أي حسابات المستقبل. تشير الخطوة الى الثقل الحاسم للحسابات الاقتصادية في صنع القرارات التي كانت تستند في السابق الى الحسابات السياسية وحدها، ومعها التخوف من الاختلافات.
ثمة ملاحظات أخرى تقفز الى ذهن المتابع. تبدو العلاقة التركية – السورية علاقة تنطلق من الحاضر بهاجس المستقبل، ولغة التعاون ومفردات الحلول والاستقرار والاستثمار، في حين تبدو العلاقة الإيرانية – السورية علاقة في الحاضر تستند الى عقود ماضية ولغة الممانعة والمواجهة والاعتراض. ثمة ملاحظة سؤال: هل يمكن ان نشهد علاقات سورية – عراقية وعلاقات سورية – لبنانية على قاعدة صفر من المشاكل مع دول الجوار، وشبيهة بالعلاقات السورية – التركية؟ وسؤال آخر: هل تستطيع إيران بناء علاقة مع العراق شبيهة بعلاقات تركيا مع سورية فيغيب منطق التدخل والإمساك بالأوراق الداخلية ليحل منطق التعامل المتكافئ والتعاون والتبادل واللقاء في المستقبل؟
في القمة الاقتصادية في الكويت أطلق الملك عبدالله بن عبدالعزيز مبادرة لدفن الخلافات العربية، أي صفر من المشاكل بين العرب. إن العرب في أمسّ الحاجة اليوم الى خيار صفر من المشاكل بينهم ليتمكنوا من حفظ مصالحهم في الإقليم، ومخاطبة الدول الكبرى من موقع مختلف.