حروب أوباما الخمس - محمد السمّاك (المستقبل)
خلال فترة رئاسته الثانية، شنّ الرئيس الاميركي السابق جورج بوش خمس حروب. اثنان منها خارجيتان، وثلاث داخلية.
الحربان الخارجيتان كانتا في كل من أفغانستان والعراق. وفيما يعمل الآن الرئيس الجديد باراك أوباما على تصفية ذيول الحرب على العراق بتنفيذ وعده بسحب القوات الأميركية وإعادة السلطة الى العراقيين، لا يبدو انه قادر على وقف الحرب في أفغانستان. بل ان كل المؤشرات تؤكد انه يواجه هناك وضعاً يضطر معه الى إرسال المزيد من القوات الأميركية ومن قوات حلف شمال الأطلسي. ولذلك يخشى مع تعثر تحقيق الأهداف الأميركية من الحرب على أفغانستان بأن تتحول هذه الحرب الى فيتنام ثانية، بمعنى ان تستنزف معنويات القوات الأميركية نتيجة لارتفاع عدد الضحايا من دون أن تتمكن هذه القوات من تغيير الوضع على الأرض. وما كانت حرب فيتنام لتضع أوزارها لو لم تصب القوات الأميركية بانهيار معنوي ادى الى انهيارها العسكري المعروف في سايغون (حادثة الاجلاء المهين من مبنى السفارة الأميركية). لقد انتقلت العمليات العسكرية التي تقوم بها حركة الطالبان من أطراف البلاد (على الحدود مع باكستان) الى العاصمة كابول ذاتها.. ووصلت حتى الى القاعدة العسكرية الأميركية باغرام التي تعتبر المعقل العسكري والسياسي للقوات الأميركية. ولتجنّب مثل هذا المصير السيئ، طلب قائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال ماك كريستال مزيداً من القوات، مع التأكيد ـ وهذا هو المهم ـ انه لا يمكن كسب الحرب في أفغانستان بالقوة العسكرية وحدها، وانه لا بد من أن يواكب العمل العسكري جهد تنموي وتطويري وتثقيفي أيضاً.
أما الحربان الداخليتان اللتان ورثهما الرئيس أوباما من الرئيس بوش، فهما الحرب على الحريات العامة والحرب على العلوم.
تمثلت الحرب على الحريات العامة في إخضاع حركة الأشخاص في الشوارع العامة وحتى المحلات التجارية في المدن الأميركية الى المراقبة المصورة. كما تمثلت في مراقبة المكالمات الهاتفية والرسائل الالكترونية. والمجتمع الأميركي الذي قام على قاعدة الحرية، أصبح تحت عين المراقب على النحو الذي لم يعرفه سوى مواطني الاتحاد السوفياتي السابق في عصر الهيمنة الشيوعية. جرى كل ذلك تحت غطاء الاجراءات الأمنية التي فرضت بعد جريمة 11 أيلول 2001 في نيويورك وواشنطن. فالطريقة التي اعتمدتها ادارة الرئيس بوش للتعامل مع ظروف ما بعد تلك الجريمة حملت الشعب الأميركي على أن يدفع الثمن مرتين. مرة أولى من خلال الجريمة ذاتها وما ألحقته بالولايات المتحدة من أضرار مادية ومعنوية جسيمة، ومرة ثانية من خلال اعتماد مبدأ الأمن قبل الحريات، مما أدى الى فرض قيود مشددة على الحريات العامة. بدأت حرب الرئيس بوش هذه باستغلال مخاوف الرأي العام لتمرير قوانين لا تعرفها سوى الدول الفاشستية. ثم انتقلت الى مرحلة متقدمة عندما بدأت القيام بحملات منظمة ومبرمجة لاثارة هلع الناس وارعابهم معنوياً من خلال اجراءات التخويف من احتمال تعرّض الولايات المتحدة الى اعتداءات جديدة، تارة بقنبلة نووية قذرة، وتارة اخرى بقنبلة جرثومية.. ومراراً باحتمال نسف قطارات أو طائرات الخ.. وقد أدت حالة التعثر المتنامية الى تقبل قوانين الضغط على الحريات على نحو لم يعرفه المجتمع الأميركي من قبل.
لقد كان من مظاهر الحرب على الحريات، قيام معتقل غوانتانامو، ليس من حيث انه معتقل لكثير من الأبرياء (الذين أطلق سراح معظمهم لثبوت براءتهم) ولكن لأنه كان رمزاً للحرب على القيم الأميركية والانسانية التي تقول ان كل انسان بريء حتى تثبت ادانته، وان لكل متهم الحق في محاكمة عادلة، وان التعذيب اثناء التحقيق يتنافى مع المبادئ والأخلاق الانسانية.
شنّ الرئيس بوش حرباً لا هوادة فيها على كل هذه القيم والمبادئ مما شوّه صورة المجتمع الاميركي على مستوى العالم كله.
قام الرئيس أوباما بتصفية معظم ذيول هذه الحرب. وكان آخرها المعركة التي خاضها مع الرؤساء السابقين لجهاز المخابرات المركزية (سي.آي.إيه) الذين طالبوا بوقف التحقيق في التجاوزات التي ارتكبتها المنظمة أثناء التحقيق مع المعتقلين بحجة ان استمرار التحقيق يسيء الى دور المنظمة ويشوه سمعتها. وكان اعلان الرئيس الأميركي برفض طلب رؤساء المخابرات السابقين مؤشراً الى انه ماضٍ قدماً في تصفية ذيول الحرب على الحريات العامة وعلى القانون الاميركي ذاته.. ابتداء من تصفية معتقل غوانتانامو مروراً بالطعن باعترافات المتهمين تحت التعذيب حتى اعادة محاكمتهم بصورة شرعية وقانونية.
أما الحرب الرابعة التي يعاني الرئيس أوباما من مضاعفات تصفية ذيولها، فهي حرب الرئيس بوش على العلوم. فتحتَ تأثير الحركة الدينية الانجيلية المسيحانية المتطرفة، منعت الادارة السابقة الأبحاث العلمية التي تتعلق بالخلايا الجذعية المستخرجة من الأجنة المجهضة. ذلك ان هذه الخلايا في مرحلتها الأولى لا تكون قد قررت ما ستكون عليه فيما بعد، جلداً أو لحماً أو عظاماً، ولا أي عضو ستكون عليه، قلباً أو معدة أو عيناً أو يداً.. الخ. ويستخدم العلماء هذه الخلايا لمعالجة أمراض مستعصية كالخرف (الزاهايمر) والارتجاف (باركنسون) والسرطان وسواها.
ومع منع البحث العلمي أوقفت عملية تمويل هذه الأبحاث، مما حمل عدداً من العلماء الأميركيين الى التوجه الى الخارج (الى بريطانيا مثلاً) لمتابعة أبحاثهم في المختبرات البريطانية. وهو عكس ما كان يحدث من قبل. فالمجد العلمي للولايات المتحدة يعود في قسم كبير منه الى العلماء المهاجرين اليها من شتى أصقاع العالم لتوافر المختبرات.. والتمويل المالي مما يمكّن من التفرغ الأكاديمي والبحثي.
لقد اعتمدت ادارة بوش "نظرية الخلق" ورفضت "نظرية التطور". كما انها أغلقت الأبواب أمام نظرية "تطور الخلق". وجرى تعديل برامج العلوم في المدارس الأميركية على هذا الأساس استجابة لطلب فريق قوي من أعضاء الحزب الجمهوري والمحافظين الجدد الذي كان يتزعّمه الرئيس جورج بوش.
اما الآن فقد أوقف الرئيس أوباما هذه الحرب على العلوم، وقرّر اعادة تمويل الأبحاث العلمية التي تتعلق بالخلايا الجذعية وغيرها دون أن يعني ذلك السماح بعمليات الاستنساخ البشري التي يعارضها الرئيس أوباما بشدة بسبب لاأخلاقيتها، وعدم الفائدة منها. مع ذلك فهو يتعرض للانتقاد المتصاعد من الحزب الجمهوري الذي يخوض ضده الحرب على الجبهات الخمس : الحرب على العراق، والحرب على أفغانستان، والحرب على الحريات العامة، والحرب على العلوم، والحرب مع اللوبي اليهودي.
ويبدو أن هناك جبهة أخرى يحرص الرئيس أوباما نفسه على استبعادها. وهي جبهة الحرب على العنصرية. ذلك ان فوزه وهو أميركي افريقي يشكل نقطة تحوّل تاريخية في الصراع العنصري الذي سبق أن مزّق المجتمع الاميركي لفترات طويلة. غير ان مواقف الرئيس أوباما التي تثير معارضة اليمين المتطرف بدأت تأخذ طابع ردّ الفعل الممزوج بالعنصرية المقيتة. وقد تعرّض الرئيس الى اتهام بالكذب من أحد أعضاء الكونغرس الجمهوريين وهو ما لم يحدث لأي رئيس أميركي آخر من قبل. من هنا خطورة وأهمية الحرب الخامسة وهي حرب الرئيس اوباما مع اللوبي اليهودي ومسرحها الشرق الأوسط. لقد سبق أن استجاب الرئيس جورج بوش لجميع المطالب الاسرائيلية دون أي مراجعة. وكان في ذلك يعكس ارادة اللوبي اليهودي الأميركي الذي كان يشكل جزءاً أساسياً من ادارته. فالمحافظون الجدد كانوا في معظمهم من اليهود مزدوجي الجنسية الأميركية والاسرائيلية. وبعضهم عمل مستشاراً لبنيامين نتنياهو عندما كان رئيساً للحكومة السابقة. لم تسمع اسرائيل من الرئيس بوش كلمة "لا".
ولم تعرف عنه انه تردّد مرة واحدة في أن يقول لها "نعم"، سواء كان الأمر يتعلق بالمستوطنات، أو بالقدس، أو بالمباحثات السياسية مع السلطة الفلسطينية. فقد بنى الرئيس بوش استراتيجيته في الشرق الأوسط على قاعدة ان الولايات المتحدة واسرائيل في خندق واحد ضد الارهاب. وان الارهاب مصدره الاسلام وبالتالي فان الاسلام هو عدو مشترك لاسرائيل وللولايات المتحدة. وبالتالي فان من مقتضيات الحرب على الارهاب التعاون مع اسرائيل. وان من مسلتزمات هذا التعاون الاستجابة الى جميع مطالبها.
لم يعد هذا الأمر مستمراً الآن مع ادارة الرئيس أوباما. والواقع انه بدأ يتغيّر في المرحلة الأخيرة من عهد الرئيس بوش الذي أدرك ان الاسلام بريء مما سبق له ان اتهمه به. ولقد ترجم الرئيس أوباما التحول بتعيين السيناتور جورج ميتشل مبعوثاً خاصاً له في الشرق الأوسط، وهو شخصية غير مقبولة اسرائيلياً. ثم من خلال المطالب الأميركية المعلنة بوجوب وقف بناء المستوطنات او على الاقل تجميدها، وهو أمر يتناقض مع التزامات حكومة نتنياهو ليبرمان. ان التحول عن سياسة الرئيس بوش الاسترضائية المفتوحة لاسرائيل الى سياسة الرئيس أوباما الاسترضائية المشروطة، يضع ادارة الرئيس الجديد في حالة حرب مع اللوبي اليهودي الاميركي.. لم تنشب هذه الحرب بعد. الا ان طبولها بدأت تقرع.
والسؤال: هل ينجح الرئيس أوباما في خوض غمار حروب خمس في وقت واحد؟ أم أن هذه الحروب هي مجرد جبهات لحرب واحدة؟