إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

«عصر الغباء» أم نهاية عصر النفعية؟- حبيب معلوف (السفير)

«عرفنا كيف نربح ولم نعرف كيف نحمي». شكلت هذه العبارة على لسان عامل سابق في احدى شركات النفط العملاقة الذي دمر منزله وخسر كل شيء من اعصار كاترينا، الذي ضرب المحيط الأطلسي العام 2005، شكلت هذه العبارة محور الفيلم البريطاني «عصر الغباء» الذي عرض للمرة الاولى في قصر الاونسكو امس الاول بدعوة من رابطة الناشطين المستقلين والسفارة البريطانية في لبنان وحزب الخضر.
نجح الفيلم الذي أراد ان يزرع الخوف من قضية تغير المناخ، في وضع اليد على الجرح الحقيقي المتسبب بتغير المناخ، اي اقتصاد السوق والمنافسة والانتاجية المرتفعة وتشجيع الاستهلاك والربح... على حساب الطبيعة وديمومة مواردها.
يضعنا الفيلم في القطب الجنوبي العام 2055 بعد ان تتعرض الكرة الارضية للدمار بفعل التغير المناخي وذوبان الجليد، حيث يفتش موظف في أرشيف مكتبة فيديو رقمية، محاولا تحديد سبب عدم اكتراث البشرية بالتحذيرات المتعلقة بظاهرة الاحتباس الحراري قبل ان تقع الكوارث المناخية فعلا والتي كانت تؤكد ان اسباب تغير المناخ «إنسانية»، من صنع انظمته المسيطرة وحضارته. وفي توليفة تمزج الحقيقة بالخيال، يعتبر فيلم «عصر الغباء» شريطا وثائقيا مؤثرا يدعو الى اخذ قضية تغير المناخ على محمل الجد، مشجعا على التغيير في الاقتصاد والسياسات.
الفيلم يؤرخ لتاريخية الصراع على الموارد في العالم، وصولا الى الصراع على الطاقة ومصادرها، ولا سيما النفط والوقود الاحفوري، والذي يتسبب بشكل او بآخر بمعظم الحروب الأخيرة، ولا سيما الحرب على العراق.
يعتبر فيلم «عصر الغباء» ناجحا في زرع الخوف من قضية تغير المناخ. وقد نجح ايضا في جمع الوثائق اللازمة والشهادات لدعم الخلفية الفكرية التي انطلق منها والتي تحمل النظام الاقتصادي المسيطر المسؤولية.
الفيلم حاول ان يصور توقعات لتقارير ومعلومات باتت تتكرر هي نفسها تقريبا كل سنة ومنذ اكثر من 20 سنة. كما حاول ان يربطها مع ظواهر مناخية متطرفة حصلت فعلا، كإعصار كاترينا الذي ضرب المحيط الأطلسي العام 2005 ، والذي اعتبر اسوأ كارثة مناخية بتاريخ الولايات المتحدة الاميركية. بالاضافة الى الحروب على الطاقة. وهو لا يوارب في تحميل «اقتصاد الكربون» والنظام الاقتصادي الرأسمالي المسؤولية. ويشير الفيلم بإصبع الاتهام لطرق حياة الغرب ولا سيما في الولايات المتحدة الاميركية عندما يعرض يطريقة مدرسية، أصبحت مكررة كثيرا، كيف سنحتاج الى اكثر من كوكب اذا اراد العالم النامي ولا سيما سكان الصين والهند (اكثر من ثلث سكان العالم) ان يعيش بنفس طرق عيش الغرب، لناحية حب التملك وقيادة السيارة الخاصة والحصول على المسكن الخاص وحب الاستهلاك... الخ.
وعندما يعرض الفيلم للبدائل المطروحة ايضا منذ زمن بعيد كاقتصاد الشمس والهواء بدل اقتصاد الكربون، لا يتردد في توجيه انتقاد قاس لانماط التفكير الغربية، عبر عرضه لآراء مواطنين يعترضون على اقامة مراوح وتوربينات هوائية (مزراع الريح) لانتاج الطاقة الكهربائية النظيفة، لكونها تتسبب في «تشويه المنظر»!
ولعل السؤال الذي يطرح مع العرض الاول لهذا الفيلم: هل تتبنى رابطة الناشطين المستقلين وحزب الخضر هذه الخلفية الفكرية؟
كلمة حفل الافتتاح واطلاق الفيلم لم تؤشر لهذا الشيء بوضوح. فهي لامت الحكومة اللبنانية لأنها لا تشارك بشكل مرض في المفاوضات وأنها لم تقل كلمة واحدة منذ سنتين على منابر المفاوضات العالمية التي تحصل حول تغير المناخ. الا ان المشكلة ليست فقط في غياب الخطاب والرؤية، بل في غياب السياسات ايضا. فلم نعرف ما الذي يقترحه المنظمون على الحكومة، اي موقف من المفاوضات، وأية سياسات في الداخل؟
لقد كان منتجو الفيلم اجرأ من مروجيه. سموا الاشياء بأسمائها وحمّلوا المسؤوليات الواضحة للانظمة الرأسمالية المسيطرة ولقادة العالم المسؤولين عن الحروب والمرتبطين بشركات نفطية ضخمة، والذين كانوا يشككون دائما بقضية تغير المناخ. فما كان يمنع المنظمين لتوجيه الانتقادات للحكومات المتعاقبة الذين تعودوا على النظر بدونية الى البلدان الرأسمالية المتقدمة والسعي الى تقليدها وعلى طلب المساعدات من الدول النفطية... بدل ان يغيروا في سياساتهم ويعتمدوا على طاقاتهم الذاتية النظيفة والمتوافرة؟ ما كان يمنع توجيه الانتقادات للادارات والوزارات المعنية (وفي طليعتها البيئة)، التي تجاهلت كل الدعوات التاريخية لوضع استراتيجية للتنمية المستدامة والبدء بتغيير السياسات، ولا سيما في الطاقة والنقل والسياحة والزراعة والاسكان...؟
ولو كان لنا ان نقترح عنوانا آخر للفيلم البريطاني، ولفيلم الحياة العصرية الغربية المسيطرة نفسها، لكنا اطلقنا عليه اسم «عصر النفعية». فيبدو ان لا شيء يتحرك «انسانيا» من دون دافع الانتفاع. وقد صار مسلما به ان التفكير بنفعية، هو تفكير الانسان «الذكي»، ومن الغباء المراهنة على ما هو غير واقعي وغير نافع الآن وفورا. فالحياة قصيرة والفرد اولا والسعادة هي في القدرة على الاستهلاك. هذه هي مدرسة الحياة النفعية والبراغماتيكية المسيطرة... اما نتيجتها فلا يمكن تخيلها الا اذا وضعنا أنفسنا مكان ذاك الجالس فوق انقاض منزله واغراضه بعد ان دمرها اعصار ولم يبق له شيء غير شجرة سنديان معمرة.

← العودة إلى مختارات