«مجاكرة» عونيّة قوّاتية: «أجيلك شمال، تجيلي يمين» - غسان سعود (الاخبار)
بعد عودة ميشال عون وخروج سمير جعجع من السجن، عاد تيّارا القوات اللبنانية والوطني الحر إلى نقطة الصفر في علاقتهما. ويبدو واضحاً أن ثمة اقتناعاً قواتياً بأنّ تعزيز النفوذ يكون بمعارضة عون، يقابله اقتناع عوني بأنّ قضم أكبر جزء من المساحة الشعبية المتنازع عليها يكون عبر الهجوم على القوات
يوماً تلو آخر، تصبح السياسة في ملعب القوات والعونيين مجرد ملء للفراغ بالعبارة المضادة الملائمة: يقول القواتيون إنهم مع نزع سلاح حزب الله، فيقول العونيون إن كل شيء في وقته جميل. يدعو العونيون إلى تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، فيرى القواتيون أنّ تعديل الدستور لا يُطرح في ظروف سياسية كهذه. يرفع العونيون لواء محاربة التوطين، فيصبح هذا الموضوع بالنسبة إلى القواتيين مجرد فزّاعة أو كذبة صدّقها العونيون. يربط القواتيون تحسن العلاقات اللبنانية ـــــ السورية بحلّ قضية المفقودين اللبنانيين في السجون السورية، فيزداد إصرار العونيين على تجاوز هذا البند، الأساسي بالنسبة إليهم، في انفتاحهم على السوريين.
هكذا، تكرّ سبحة «المجاكرة»: ينشغل نواب الإصلاح والتغيير بإعداد مشروع قانون اللامركزية الإدارية، فيفكر القواتيون مرتين، ويبحثون عن مخرج يجنبهم تأييد مطلب قواتي منذ أكثر من 20 عاماً لمجرد أنه غدا اقتراحاً عونياً. يُعدّ القواتيون مشروع قانون لإقفال المنافذ الدستورية بوجه التوطين فيتجاهله العونيون كأن «القضية المركزية» بالنسبة إليهم لم تعد فجأة تعنيهم. يطلب العونيون حقيبة العدل بدلاً من الاتصالات، فتغدو العدل ثابتة بالنسبة إلى القوات (في التشكيلة الماضية للرئيس المكلّف سعد الحريري لم تعط القوات حقيبة العدل ولم يخرج صوت قواتي واحد يعترض). يطلب القواتيون حقيبة التربية فتصبح المناهج التربوية شغل العونيين الشاغل. يحتجّ القواتيون على صندوق الجنوب، فيشهر العونيون ملفات صندوق المهجرين.
أما الجمهور، فهو دائماً على مستوى تطلعات مسؤوليه: يتهكم العونيون على جورج عدوان لادعائه الانفتاح على التيار الوطني الحر. يسخر القواتيون من حرص إبراهيم كنعان على تقريب وجهات النظر بين الأفرقاء المسيحيين. ويعلو فجأة مستوى الحسّ الديموقراطي لدى الطرفين، فيستغربان سعي البعض إلى لمّ شملهما على اعتبار أن خلافهما وجه من وجوه الانفتاح المسيحي على الديموقراطية.
`32; نقاط الالتقاء... كثيرة
في الأمور الاقتصادية والاجتماعية، ثمة عناوين كثيرة تجمع أهل التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية الذين يعيشون في المناطق ذاتها، مثل تقنين الكهرباء، انقطاع المياه، الحالة السيئة للمدارس الرسمية، زحمة السير، وغيرها كثير. لكنّ قيادتي الحزبين تجاهلتا طوال السنوات الخمس الماضية إمكان تفعيل الضغط أكثر على السلطات المعنية من خلال التحرك المشترك. ويشار هنا إلى وجود أزمة ثقة حقيقية بين الطرفين، وقلق ممن سيظهر في الصورة أكثر أو من «سيقطفها» في نهاية الأمر، وهي تفاصيل يبدو ـــــ في النهاية ـــــ أنها تحول دون تزحزح أي منهما لملاقاة الآخر.
أما في الأمور السياسية، فتبين النقاشات المشتركة، وآخرها كان الندوة التي جمعت النائبين إبراهيم كنعان وجورج عدوان، أن الطرفين يتفقان على أكثر من 70% من القضايا المثارة. وأبرز المتفق عليه بطريقة غير مباشرة، اليوم، بين القوات والوطني الحر كما تدل المواقف السياسية، هو:
حتى في النقاط المتفق عليها، ثمة من يعارض الجلوس إلى طاولة واحدة
ـــــ جدية التوطين وخطورته. ففي موازاة التركيز الدائم للنائب ميشال عون على هذا الملف واعتبار معالجته أولوية بالنسبة إلى التيّار، عاد أخيراً خطاب القوات اللبنانية، ممثلة بنائب رئيس الهيئة التنفيذية، جورج عدوان، ليؤكد أنّ «التوطين أحد أكبر الأخطار التي ستواجه لبنان في السنوات المقبلة، لأن الطروحات الدولية، تجعل من هذا الأمر موضوعاً خطراً جداً».
ـــــ ضرورة إقرار اللامركزية الإدارية، فصل النيابة عن الوزارة وإقرار قانون انتخابي يُنصف المسيحيين.
ـــــ سوء إدارة ملف المهجرين وضرورة العمل لتسهيل عودة المهجرين إلى قراهم. وكان عدوان واضحاً في الندوة لجهة اعتباره أن تعامل الأجهزة الرسمية مع هذا الملف كان «أكثر من معيب» وأن «وزارة المهجرين وصندوق المهجرين مثال على الفساد والإفساد».
لكن، حتى في النقاط المتفق عليها، ثمة في الفريقين من يعارض الجلوس إلى طاولة واحدة لتطوير نقاط التلاقي. ومبررات هؤلاء كثيرة، فكلام عدوان على التوطين هو، عند العونيين، مجرد مزايدة على التيار في ظلّ تحالف القوات مع تيار المستقبل، عرّاب التوطين في نظر الوطني الحر. وفي موضوع قانون الانتخابات سيتبين أن «القانون الانتخابي الذي ينصف المسيحيين» هو القانون الذي يسمح بأكبر نسبة تمثيل للعونيين بالنسبة إلى التيار الوطني الحر وأكبر نسبة تمثيل للجعجعيين بالنسبة إلى القوات اللبنانية. أما كلام القوات على ملف المهجرين، فأمر مرفوض في أوساط الوطني الحر، لأن القوات ببساطة مسؤولة عن التهجير وقبلت بالتحالف مع من هجّر الناس.
`32; ونقاط التباعد... عديدة أيضاً
يتجاهل العونيون والقواتيون ما يجمعهم ليركزوا أكثر على ما يفرقهم، ويتبين من متابعة مواقف الطرفين وجود 4 نقاط خلاف أساسية:
ـــــ توقيت نزع سلاح حزب الله، إذ تدعو القوات اللبنانية إلى نزعه الآن وفوراً (حتى لو كان ذلك مستحيلاً)، فيما يدعو التيار إلى معالجة أسباب وجود المشكلة قبل معالجة المشكلة.
ـــــ توقيت طرح موضوع التعديلات الدستورية وظروفه، فيقول التيّار إن هذه التعديلات ضرورية لتوفير المقتضيات الدستورية للحكم. أما القوات فتتهرب من التعليق على هذا الموضوع، مكتفية بالتأكيد أنها مع تعزيز صلاحيات الرئاسة الأولى في التوقيت المناسب.
ـــــ الحجم التمثيلي للقوات مسيحياً، إذ يرى جورج عدوان مثلاً أن «لدى المسيحيين قوتين متقاربتين بالحجم، هما القوات والوطني الحر. القوات لديها عدد أكبر من الموارنة، فيما التيار العوني لديه جمهور من مذاهب أخرى غير المسيحية». وهذا كلام يرفضه العونيون بشدة، مؤكدين أنهم يمثلون غالبية حزبية مارونية ومسيحية، مشيرين إلى أن أقل من 20% فقط من المسيحيين يؤيدون القوات اللبنانية.
ـــــ العلاقات اللبنانية ـــــ السورية: إذ تربط القوات بين تحسين هذه العلاقات وحلّ قضية المعتقلين في سوريا وترسيم الحدود في مزارع شبعا خصوصاً، فيما يرى التيار أن حل الملفات العالقة سيكون نتيجة طبيعية لتحسين العلاقات بين البلدين، لا العكس.
اللافت أن غالبية أنصار الحزبين مستعدة دائماً للجلوس لساعات لتفسير الدور الذي أراده بشير الجميّل للقوات اللبنانية (يبرز هنا الصعود في أعداد العونيين الذين يرون أن بشير الجميّل لا يستحق كل التقديس الذي يناله). ثم لديهم قضية حرب الجيش والقوات، حرب توحيد البندقية تلك كانت، أم حرب إلغاء؟ احزر يا رضا، ثم فكر في الطائف، إذ لدى الفريقين «معلومات» متناقضة لا تُعَدّ ولا تحصى عن هذا الموضوع. ومن الطائف إلى سنوات القبضة السورية، مَن دفع الثمن الأكبر: من نفي أو سجن؟ ولن ينسى العونيون يوماً أنهم كانوا يسمون الوجود السوري في لبنان احتلالاً، أما القواتيون فكانوا يسمونه وصاية، ولن ينسى العونيّون أنهم كانوا يرفعون العلم اللبناني، فيما كان القواتيّون يلوّحون بعلم حزبهم. والأمر ذاته مع هتافهم: «حرية سيادة استقلال»، فيما يتمسّك القواتيّون بالهتاف: «براءة، براءة، سمير جعجع براءة».