إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

أوباما لن يرتاح من الكابوس الأفغاني - الباكستاني - باتريك سيل (الحياة)

توحي كل الإشارات الآتية من واشنطن بأن استراتيجية الرئيس باراك أوباما التي طال انتظارها حول أفغانتسان ستكون عبارة عن تسوية بين وجهات نظر مستشاريه الأساسيين. وبما أن التسويات لا ترضي أحداً ونادراً ما تكون فعالة، يُتوقّع حصول المزيد من المشاكل.

ويؤيّد نائب الرئيس الأميركي جو بايدن استراتيجية مكافحة الإرهاب التي تهدف إلى إلقاء القبض على أسامة بن لادن ومجموعته الصغيرة التابعة لتنظيم «القاعدة» أو قتل افرادها، وذلك عبر هجمات جوية موجّهة ضد معاقلهم الواقعة في المناطق القبلية على طول الحدود الأفغانية-الباكستانية.

بخلاف ذلك، يؤيّد قائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال اعتماد استراتيجية واسعة النطاق لمكافحة التمرّد، طلب لتطبيقها إرسال 40 ألف جندي إضافي. وتكمن أهدافها الأساسية في حماية سكان عشرات المدن الأفغانية من اعتداءات حركة «طالبان»، ومنع تنظيم «القاعدة» من دخول هذه المناطق الحضرية، وبناء الجيش والشرطة والإدارات البلدية والحكومة المركزية بشكل يسمح لهذه المؤسسات إحكام السيطرة على حركة «طالبان» من دون أي مساعدة خارجية.

إلا أن من غير الواضح بعد إن كانت أية من هاتين الاستراتيجيتين، أو أية تسوية بينهما كفيلتين بإبعاد الهزيمة عن القوات الأميركية وحلفائها في حلف شمال الأطلسي.

وكانت هذه السنة هي الأسوأ بالنسبة إلى الائتلاف منذ الإطاحة بحركة «طالبان» عام 2001. فقد شارف عدد الضحايا من الجنود الغربيين 500 ضحية تقريباً. وتعرّضت المدن والتجهيزات العسكرية في كل من أفغانستان وباكستان لاعتداءات عنيفة نفذ أكثرها انتحاريون من حركة «طالبان»، على غرار مقتل نحو مئة شخص أخيراً في سوق في بيشاور أو الاعتداء على بيت للضيافة تابع للأمم المتحدة في كابول.

أما الأمر الطاغي على النقاش الدائر في واشنطن فهو موقف ماثيو هوه، وهو مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية وضابط سابق في البحرية الأميركية، استقال من الحكومة في أيلول (سبتمبر) الماضي وأصبح منذ ذلك الحين الناقد الأبرز للحرب الأفغانية.

كتب هوه في رسالة استقالته ما يلي: «لم أعد أفهم ولا أثق بالأهداف الاستراتيجية التي تدعو الولايات المتحدة إلى البقاء في أفغانستان... ولا أدرك ضرورة أو أهمية سقوط المزيد من الضحايا وصرف المزيد من الأموال لدعم الحكومة الأفغانية في حرب أهلية بدأت تحديداً منذ 35 سنة».

ووصف هوه «الحرب الأهلية» بأنها حرب عنيفة ووحشية تقوم بين سكان أفغانستان الحضريين والعلمانيين والمثقفين والمناصرين للحداثة، وبين سكان أفغانستان الريفيين والمتدينين والأميين والتقليديين. ومن الواضح أن هذه الشريحة الأخيرة تشكّل الأكثرية الساحقة.

وتابع: «إن معظم قبائل الباشتون ينظرون إلى الوجود العسكري الغربي على أنه اعتداء مستمر ومركز على أراضيهم وثقافتهم وتقاليدهم ودينهم منذ قرون بعيدة... ما دفعهم إلى دعم حركة التمرد».

في الوقت ذاته، وصف هوه الحكومة الأفغانية في عهد الرئيس حميد كرزاي بأنها تضم «أمراء المخدرات ومجرمي الحرب» الذين ارتكبوا «أعمالاً فاسدة وزوّروا الانتخابات بشكل فاضح». وتساءل عن سبب استمرار الولايات المتحدة في هذه الحرب وعن الهدف الكامن وراء ذلك.

كما عارض هوه في عدد من المقابلات التلفزيونية وجهة نظر كلّ من الرئيس أوباما ورئيس الوزراء البريطاني غوردن براون ومفادها أن الحرب في أفغانستان تُشن لحماية الغرب من اعتداءات تنظيم «القاعدة». وأضاف أن تنظيم «القاعدة» تطّور ليصبح «سحابة عقائدية» على شبكة الإنترنت. فقد تمّ التخطيط والإعداد لاعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) على نيويورك وتفجيرات مدريد ولندن في مدن أوروبا الغربية وليس في المناطق القبلية من أفغانستان.

وتتمّ اليوم مناقشة آراء هوه على نطاق واسع لأنها تقوّض الأساس المنطقي للحرب. كما يصعب الطعن بها كونها صادرة عن ضابط شجاع في مشاة البحرية الأميركية خدم بلده وراء البحار على مدى عشر سنوات.

والمشكلة الإضافية التي يواجهها أوباما هي الشعور المعادي للأميركيين الذي ينتشر في باكستان، وهو أمر اكتشفته وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون خلال الزيارة التي قامت بها في نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي والتي دامت ثلاثة أيام. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» أن الحضور أزعجها بكثرة الأسئلة وسخر بصوت عال عندما أخذت تدافع عن السياسات الأميركية.

وأثارت الحملة العسكرية التي شنها الجيش الباكستاني في وادي سوات، والتي يشنها حالياً في جنوب وزيرستان بمساعدة عسكرية أميركية وتحت الضغوط السياسية الأميركية، معارضة شديدة. وتسببت هذه الحملة ببؤس شديد في صفوف مئات الآلاف من المشردين الذين فرّوا من منازلهم هرباً من القتال.

وتوجهت صحافية باكستانية إلى الوزيرة كلينتون بالقول خلال نقاش متلفز: «نحن نشنّ حرباً فرضت علينا. ليست هذه حربنا! لقد تعرضتم لاعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 ونحن نتعرض كل يوم لاعتداءات مماثلة في باكستان».

ووعدت الولايات المتحدة باكستان بتقديم مساعدة بقيمة 7 بلايين ونصف بليون دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة لتسمح لها بالاستمرار في معركتها ضد المتمردين في المناطق القبلية. فضلاً عن ذلك، كانت تصرف مئات ملايين الدولارات على الأسلحة والمعدات والاجهزة الحساسة المتطوّرة الخاصة بالقوات الباكستانية بما فيها عشر مروحيات لنقل القوات من طراز «مي 17».

ويعتبر الباكستانيون الذين يرون المؤامرة في كل مكان أن رزمة المساعدات الأميركية المقدمة إلى باكستان هي مؤامرة لوضع باكستان وترسانتها النووية التي تعد مصدراً للفخر الوطني تحت السيطرة الأميركية.

وبنوع خاص، أثارت الاعتداءات بالصواريخ التي شنتها الطائرات الأميركية من دون طيار في المناطق القبلية مشاعر عداء كبيرة لأن عدداً كبيراً من الباكستانيين يعتبر أنها خرق لسيادة بلدهم. وسأل شخص من الحضور السيدة كلينتون خلال إحدى مقابلاتها إن كانت تعتبر هذه التفجيرات التي تنفذها طائرات التحكم عن بعد، اعتداءات إرهابية! وردّت الوزيرة على هذه الانتقادات متهمةً باكستان بالتهاون مع تنظيم «القاعدة». وقالت: «أجد صعباً تصديق أن أحداً في حكومتكم لا يعلم مكان تواجد تنظيم القاعدة ولا يستطيع الوصول إلى أفرادها متى أراد ذلك... لا بدّ أن أحداً في مكان ما في باكستان يعرف مكان تواجد هؤلاء الأشخاص».

واعتبر البعض أن ملاحظاتها موجّهة مباشرة ضد جهاز الاستخبارات العسكري الباكستاني القوي الذي يشتبه بأنه يتعامل مع بعض المجموعات الجهادية لا سيما تلك التي يمكن أن تقلّص التأثير الهندي في أفغانستان أو أن تقف في وجه الجيش الهندي في كشمير. واعتبر مسؤول باكستاني أن ملاحظات الوزيرة كلينتون «غير مدروسة».

ويبدو أن أوباما لن يرتاح قريباً من الكابوس الأفغاني-الباكستاني. فقد عاد حميد كرزاي إلى السلطة لولاية رئاسية أخرى، لكن من غير المتوقّع أن يستأصل المحاباة والفساد اللذين سمحا له بالبقاء في السلطة.

ويقول هوه بأسلوب مقنع تماماً: «لا تهدف عمليات التمرد إلى التوصل إلى استسلام حركة طالبان بل هي موجهة ضد الجنود الأجانب والضرائب التي تفرضها حكومة لا تعكس تمثيلاً شعبياً واسعاً في كابول».

في نهاية المطاف، وحدهم الأفغان قادرون على هزيمة حركة «طالبان». فقد حان الوقت لتخرج الولايات المتحدة وحلفاؤها في حلف شمال الأطلسي من هذا البلد.

* كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الاوسط.

← العودة إلى مختارات