التواضع الوطني - ساطع نور الدين (السفير)
هي مرحلة جديدة من مراحل التواضع الوطني، التي سبق ان مر بها لبنان في اعقاب كل حرب او ازمة كبرى خرج فيها اللبنانيون عن طورهم، وتوهموا انهم شريك لا يستغنى عنه في صناعة التاريخ العربي والعالمي، وطرف في تفكيك دول واسقاط انظمة واشعال ثورات وتغيير استراتيجيات..
في اللغة السياسية، الرسمية والشعبية المتداولة هذه الايام قدر كبير من التسليم بان السنوات الخمس الماضية كانت حقبة هستيرية اصابت جميع اللبنانيين من دون استثناء، نجمت عن خطأ فادح ارتكبه زعيم من هنا او مسؤول من هناك، فدفع لبنان كله ثمنا باهظا، ووقف اكثر من مرة على حافة حرب اهلية كان يمكن ان تبدو معها حرب الـ 75 مجرد نزهة او مناورة بالذخيرة الحية استعداداً للمنازلة الكبرى.
ثمة تغيير جوهري في طبيعة اللغة السياسية الراهنة، التي خفّ فيها منسوب الايديولوجيا الى الحدود الدنيا، وارتفع فيها معدل الواقعية والعقلانية والاعتراف المسبق بأحجام تضخمت في وقت من الاوقات الى حد التماهي مع زعماء دول كبرى مثل اميركا وفرنسا وايران وتركيا ومصر والسعودية، والى حد إعلان الانخراط في مشاريع هذه الدول واعتبار لبنان مقياساً رئيسياً لانتصار محور على آخر..
ويكاد التغيير يجعل من اللغة المحكية في الإعلام او حتى في الغرف المغلقة هذه الايام ، خالية حتى من السياسة وغريبة عن كل ما تعود عليه الجمهور اللبناني من مصطلحات ومفردات كانت في بعض الأحيان تعادل النبوءات، وكانت حتى الأمس القريب تجري خلطاً عجيباً بين ما هو محلي وتفصيلي وشخصي احياناً، وبين ما هو اقليمي ودولي يعنى بوقف حروب او ترسيم حدود او حتى تأسيس دول.
كان تشكيل حكومة سعد الحريري هو الخط الفاصل، بين كون لبنان جبهة تتجاذبها قواه السياسية وتأخذها تارة الى حرب مع سوريا او ايران وطوراً الى حرب مع اسرائيل، وتدرجها حيناً في مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تراءى للرئيس جورج بوش، وتصنفه أحياناً قاعدة متقدمة لاسقاط هذه الرؤية.. وبين كونه عنواناً عاماً لقواسم مشتركة بين ابنائه تكبر فقط عندما يسوده العقل والمنطق وتغادره نوبات الجنون المتكررة.
كان اشمئزاز القوى الخارجية كلها وحرجها أيضاً من التعاطي مع التفاصيل اللبنانية الصغيرة، هو منطلق البحث الراهن عن تلك القواسم المشتركة التي يبدو أن سرها الوحيد يكمن في التفاهم الضمني بين مختلف القوى السياسية عن هجر السياسة، وتركها لأهلها والمسؤولين عنها في الخارج، وتوجيه الاهتمام المحلي نحو الاجتماع اللبناني ومكوناته الاقتصادية والمعيشية والصحية والتربوية.. التي ارجئت طوال السنوات الخمس الماضية، لمصلحة ما كان يسمّيه كل فريق بالقضية الوطنية الكبرى.
لا سياسة في لبنان خلال السنوات الأربع المقبلة.. الا ما يمكن ان يفرضه الخارج. وهذا ليس عيباً او اهانة للشخصية اللبنانية، بل هو اشبه ما يكون بعلاج نفسي تخضع له تلك الشخصية، على أمل ان تصبح أكثر استقراراً وانسجاماً مع نفسها ومع محيطها الذي طالما سخّرها وسخر منها في آن.