إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

تناقضات اسرائيلية - رنده حيدر (النهار)

حمل المشهد السياسي في إسرائيل في الأسبوع الماضي صورة مليئة بالتناقضات. ففي الوقت الذي تضع حكومة نتنياهو العراقيل أمام عودة المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، تُظهر استطلاعات الرأي في إسرائيل تأييد غالبية الجمهور الإسرائيلي على اختلاف انتماءاته السياسية لعودة المفاوضات مع الفلسطينيين في أقرب وقت. ولكن هذه الرغبة الشعبية في التفاهم سلماً على حل للنزاع مع الفلسطينيين لا تعني أبداً ان الجمهور الإسرائيلي بات أقرب الى معسكر السلام في إسرائيل، لا بل العكس هو الصحيح. إذ يبين أكثر من استطلاع أن غالبية الإسرائيليين هم اليوم أقرب الى نظرة أحزاب اليمين مما كانوا عليه في أي يوم آخر، وما زال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الأكثر شعبية بين كل الشخصيات السياسية الأخرى.
وفي الوقت الذي يعلن فيه نتنياهو قبوله البدء فوراً بمفاوضات مباشرة مع سوريا ومن دون شروط مسبقة؛ ويعرب وزير الدفاع إيهود باراك ورئيس الأركان غابي أشكينازي عن تأييدهما للتفاوض مع سوريا مشددين على المصلحة الاستراتيجية الإسرائيلية في هذه المفاوضات؛ يكتفي اليمين في إسرائيل بالمحافظة على الصمت ربما لمعرفته العميقة بأن كلام نتنياهو هو مجرد كلام نظري، أو لعدم رغبته الدخول في مواجهة مع رئيس الإئتلاف الذي سبق له أن تعهد لهم بصورة واضحة، أنه خلال ولايته لن يقدم على أي انسحابات وبصورة خاصة لن يتنازل عن هضبة الجولان.
وعلى الرغم من ترحيب الصحافة الإسرائيلية عموماً بمبدأ استئناف المسار السوري؛ لكن عدداً لا يستهان به من المعلقين حذر من مغبة الإستخدام السياسي المزدوج من جانب كل من نتنياهو والرئيس السوري بشار الأسد لموضوع احياء المسار التفاوضي من أجل مصلحة كل منهما. فنتنياهو يريد بذلك أن يوحي للدول الغربية أنه من أنصار السلام متهرباً من مسوؤليته في اخفاق المحاولات لإستئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية؛ والرئيس السوري يريد الاستفادة من دعوته الى التفاوض مع إسرائيل للخروج من عزلته الدولية وتحسين مكانته الإقليمية.
وفي الوقت الذي بذلت فيه حكومة نتنياهو كل ما في وسعها لإقناع الأميركيين بأن رئيس السلطة الفلسطينية رجل ضعيف وغير قادر على الوفاء بالتزاماته السياسية؛ نراها تسرع بعد إعلان عباس عن نيته عدم الترشح الى للإنتخابات الى التشبث ببقائه لأن ذهابه يعني وصول اطراف متطرفة الى السلطة وفقدان الشريك في المفاوضات.
الأمر الأكيد اليوم أنه طالما استمر اليمين في السلطة لن تعرف عملية السلام تقدماً حقيقياً، لا على المسار الفلسطيني ولا على المسار السوري. فحكومة نتنياهو تريد أن تأخذ من دون ان تقدم شيئاً. وقد نجحت حتى الان في استنفاد وإفشال كل الجهود التي بذلتها الإدارة الأميركية لتحريك الملف الفلسطيني.
هل هذا يعني أن لا فرصة لنجاح المفاوضات السياسية طالما لا يزال نتنياهو وإئتلافه اليميني في السلطة؟ تدل تجربة الماضي أن اليمين الإسرائيلي بالذات والذي كان يمثله آنذاك مناحيم بيغن زعيم حزب الليكود في أواسط السبيعنات ومطلع الثمانينات هو الذي كان قادراً على إبرام أهم اتفاقية للسلام مع مصر، وهوالذي قام بإخلاء المستوطنات اليهودية في قطاع يميت في سيناء. لكن شخصية بيغن الصهيوني القلق على مصير الوجود اليهودي في المنطقة وعلى أمن إسرائيل، تختلف كثيراً عن شخصية نتنياهو الذي اهتمامه بمستقبله السياسي والحزبي لا يقل عن اهتمامه بـ"المصلحة الوطنية العليا"، ناهيك بولع نتنياهو بالمناورة وعجزه عن تحدي اليمين في إسرائيل و تهربه من اتخاذ القرارت المصيرية.
لكن حظوظ التسوية السلمية لم تكن أفضل أيام الحكومات العمالية. ففي عام 2000 ضيّع إيهود باراك الذي كان يرئس حينذاك الحكومة فرصة ذهبية للتوصل الى تسوية سياسية مع الرئيس السوري حافظ الأسد وذلك بعد تراجعه في اللحظة الأخيرة عن تعهداته عقب الاستطلاعات التي تنبأت بخسارته في الانتخابات اذا قبل الانسحاب من الجولان. من هنا فالمطلوب أكثر من حسن نيات، وتصريحات، ومواقف. المطلوب اعتراف إسرائيلي بأن نهاية النزاع يجب أن تقترن بنهاية الإحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، كل ما عدا ذلك مضيعة للوقت.

← العودة إلى مختارات