وظيفة جديدة - ساطع نور الدين (السفير)
إسرائيل هذه الأيام تبدو مثل دولة مارقة، خارجة عن القانون الدولي، تتحدى العالم كله وتتمرد على سياساته وتقاليده وأعرافه، من دون أن تظهر أنها قلقة على مستقبلها أو علاقاتها أو صداقاتها، بل تعبر عن ثقة غريبة بأنها وحدها على حق، وبأن الآخرين الذين يخالفونها الرأي سيجدون أنفسهم مضطرين الى القبول بمنطقها أو الاستسلام له.. كما جرى في مرات عديدة سابقة دخل فيها الإسرائيليون في خلافات جدية مع أقرب حلفائهم وخرجوا منها منتصرين.
لكن إسرائيل التي تقدم عن نفسها وأحيانا بفخر تلك الصورة المتمردة ليست في حالة اضطراب مع نفسها. الانقسامات الداخلية بين أحزابها وتياراتها تكاد تكون معدومة، والمعارضات التي سبق أن غيرت مجرى السياسة الاسرائيلية ليس لها وجود أو تأثير. ثمة اجتهادات سياسية متعددة، لكنها كلها تقع داخل التيار الرسمي الغالب الذي تمثله حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ولا تهدد لا بانتخابات مبكرة ولا حتى بتعديل وزاري. ثمة ما يشبه الإجماع الإسرائيلي النادر، على السير بعكس التيار العالمي، حتى ولو كلف الأمر اشتباكا مع الأميركيين أو الأوروبيين أو أي حلفاء آخرين.
وهو وضع تحسد عليه إسرائيل فعلا. لأنه لا يمكن أي دول اخرى في العالم أن تزعم أنها تتمتع بمثل هذا الانسجام الوطني، الذي يؤهلها للوقوف وقفة رجل واحد في وجه الخارج، دفاعا عما ترى أنه من مصالحها القومية الحيوية التي لا تقبل الجدل، ولا تقبل المساومة، حتى ولو سبب الأمر توترات شديدة مع الحلفاء والأصدقاء، وحتى ولو أدى ذلك الى اضطرابات إضافية في الشرق الاوسط أو في أي مكان آخر. المهم أن تظل القلعة الاسرائيلية صامدة، وقادرة على فرض شروطها على الجميع، من دون أي حساب لأي شرعية سياسية أو قانونية.
وعلى هذا المنوال تمضي إسرائيل في طريقها الخاص نحو شطب القضية الفلسطينية من لائحة الأولويات الدولية، حسب تعبير وزير خارجيتها أفيغدور ليبرمان، في الوقت الذي ينادي العالم كله بما يسمى حل الدولتين، ويناشدها الحفاظ على السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، وتتابع ازدراء المعتدلين العرب في الوقت الذي يخشى الغرب من سقوطهم تحت وطأة المزيد من التهديد الإرهابي الإسلامي، وتواصل الاستعداد لحرب على إيران في الوقت الذي يجاهد الغرب كله لتفادي اللجوء الى الخيار العسكري، والسعي الى تسوية تحول دون المزيد من الفوضى في العالمين العربي والإسلامي.
الاعتقاد الشائع بأن إسرائيل في سلوكها الحالي ليست أكثر من عصا غليظة يلوّح بها الغرب في وجه الفلسطينيين والعرب والإيرانيين، صحيح الى حد بعيد، لأنه مبني على التجربة، ومعني بالمنطق القديم الذي يقول إن الدولة العبرية هي مجرد قاعدة عسكرية أميركية وأوروبية متقدمة، لا أكثر ولا أقل، ويفند الادعاء بأن الإسرائيليين قادرون على تحدي أميركا أو حتى أوروبا الغربية. لكن إسرائيل تتخطى في تمردها وحماستها وتماسكها الحالي، كل ما سبق أن قدمته من عروض القوة الماضية، وتزيد من صعوبة السؤال عما اذا كان الأميركيون يمارسون خدعة جديدة أم أن الإسرائيليين يؤدون وظيفة جديدة.