إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

الجامعة اللبنانية التي تشبه المعامل الضخمة في بعض البلدان الإشتراكية - طلال خوجة (النهار)

بين الإنطلاق في رحابة المدن الجامعية والإختناق في شرنقة الشُعب الطائفية أخيرا يستطيع السياسيون من جميع الضفاف أن يناموا قريري العيون، ليس فقط لأن حكومة الوحدة قد أنجزت، بل لأن محرومي عكار وجبيل و بنت جبيل والهرمل دلفوا أخيرا إلى قاعات رتبت على عجل لتعلم المنطق وأرخميدس والخوارزمي دون "مشقة" القدوم الى طرابلس وزحلة والنبطية والفنار ومدينة رفيق الحريري الجامعية في الحدث. حتى أنّ فخامة الرئيس شخصياْ اختار التوجه من منبر إحدى هذه الشعب في بلدته عمشيت للحديث عن الإصلاحات والصلاحيات الدستورية، مما خلط حابل المنبر الضيق بنابل الدستورالرحب. ألم يكن أحرى بفخامته أن يتوجه من حرم إحدى المجمّعات الجامعية، سواء القائمة في الحدث وجزئيا في الفنار أو التي ستقوم في مناطق اخرى، بما فيها مجمّع المون ميشال في رأس مسقا والذي يبعد عن عمشيت أقل من نصف ساعة بالقيادة الهادئة (ساهم فخامته حين كان قائدا للجيش في تحويل ملكية المكان للجامعة).
لن أدخل في نقاش معمق للأزمة الأكاديمية ونوافذها التنظيمية والإدارية والتربوية في الجامعة اللبنانية إذ أنّ لهذا الموضوع مدخلا آخر، يتجاوز الداخل الأكاديمي نحوالخارج السياسي ويكاد يطاول كل فكر القطاع العام وادائه ومنظومته في بلد مركب كلبنان، علما أنّ للجامعة استقلالية معينة يجري انتهاكها صبحا ومساء، حتى تكاد تصبح مرآة لهذا القطاع عوض أن تكون مضخة الإصلاح فيه لما فيها من كادرات وطاقات وخبرات ورغبات أيضا. ومع ذلك سأشير إلى مفارقة تتعلق بقدرة الأكاديميين اللبنانيين على الإبداع في الخارج في موازاة المراوحة والتلكؤ في الداخل.
لقد كان مثيرا حقا أن نستمع لشارل عشي في مؤتمر الأكاديمية اللبنانية للعلوم يشرح بطريقة علمية ومتواضعة أسرار هذا الكون التي يكتشف بعضها وهو يدير بضعة آلاف من التقنيين والعلماء في وكالة النازا (تصوروا!!! لو عاد بعدPHD ليتقاذفه رؤساء الأقسام والإدارات والسياسيون ليعلّم ذليلا بالساعة بضع سنوات قبل أن يتفرغ في سلة المحاصصة المذاهبية)، بينما يغتبط بعض سياسيينا بنقل بضع مئات من طلاب العلوم إلى شعب وأمكنة متواضعة في عكار والهرمل وبنت جبيل وعمشيت، ربما هذا ما دفع العشي أن يعرّج بمحاضرته على الفينيقيين وإبن بطوطة كي يريح الأكاديميين المنشطرين في قاعة كراون بلازا ويجذبهم نحو كواكبه ومجراته ولو موقتا وقد كان جاذبا فعلا. ثمّ ألم يقل في أحدى جلسات المؤتمر إن التسييس(وليس السياسة) في الجامعات هو سرطان الأكاديميا.
كل هذا يدفعنا لطرح بعض التساؤلات والملاحظات:
1) ما الحكمة من تفتيت كلية العلوم وهي من الكليات التي صمدت نسبيا أمام كل الأعاصير، وهذا ما يفسر ضعف بعض الأقسام العلمية في الجامعات الخاصة العريقة والتي لطالما سعت لاستقطاب طلاب علوم اللبنانية وغير العلوم ايضا في الماستر ومجالات البحث؟
2) لم أفهم سر اختيار أماكن التشعيب، خصوصا بنت جبيل وعمشيت، فللأولى سمعة مقاومة وتاريخ عريق والثانية بلدة جميلة، قدمت للبنان الفنانين والمسرحيين والرؤساء، وليست هي مركز القضاء في بلاد جبيل أصلا ولن تضيف الشعبتان لعراقتهما الأكيدة شيئا، أما عكار والهرمل فربما يتابع سياسيونا نظرية تعليم "الفقراء" وجامعة "الفقراء" التي لن تؤدي إلاّ إلى مزيد من الفقر الأكاديمي وإضعاف صمود كلية العلوم النسبي.
وتجدر الملاحظة أنّ كلفة دعم طلاب العلوم المحتاجين (مع تمييز المتفوقين) من كل هذه المناطق، سواء للسكن قرب الكلية الأم في المحافظة أو للتنقل بضع عشرات من الكيلومترات في باصات حضارية أقل بكثير مما ستكلفه هذه الشعب علما، أنّ التعليم الأكاديمي له وظائف ثقافية واجتماعية تتعلق بالإختلاط والإندماج والتعرف على الآخر، خصوصا في بلد متنوع كلبنان، وهنا يحضرني مقال للزميل السفير خالد زيادة كتبه في التسعينات بعنوان "الجامعة قرب المنزل".
3) ثم من يضمن عدم المطالبة بسنة ثانية ومطالبات أخرى من كليات أخرى إذ لا تمييز في حق التعلم ونوعه. وإذا كان من حق أهل عكار (على سبيل المثال) الطبيعي الحصول على التعليم الأكاديمي، أليس أجدى أن ننشئ كليات متخصصة في عكار وغيرعكار ككلية الزراعة وكلية الطب البيطري ومعاهد تقنية وصحية وغيرها مما يمكن أن تظهره دراسات جدوى فعلية لاتحكمها الزبائنية والمحسوبية والإعتبارات المذهبية، بل تحكمها موضوعية علمية وتتعاون عليها إدارات الدولة والجامعة اللبنانية والقطاع الخاص والمجتمع المدني ومؤسسات حكومية و دولية ربما، حتى يصب الجهد في قضية الإنماء المتوازن"العزيزة!" على قلوب سياسيي الأطراف والتي هي بند رئيسي في اتفاق الطائف؟
4) ثم أليس من الأفضل التركيز على قضية المدن الجامعية باعتبارها مركز الثقل الرئيسي في المسألة الجامعية من مداخلها الأكاديمية والثقافية والإجتماعية والديموقراطية والتنموية. ولماذا لا يصب سياسيو الشمال (مثلا) جهودهم في المشروع الإنمائي الشمالي الكبير عوض التلهي بإنجازات وهمية، عنيت به مشروع المدينة الجامعية في المون ميشال، وقد أخذ حيزا كبيرا من حركية المجتمع الشمالي وحتى اللبناني؟ (من منا لا يذكر وضع حجر الأساس السياسي في تظاهرة لبنانية كبيرة عملت لجنة المتابعة للبناء على الإستفادة منها مع امتصاص صدماتها واستيعاب تداعياتها بالنظر للصراع السياسي الحاد آنذاك؟). ولكن خطوات المجمع الإنشائية على الأرض بطيئة رغم صمود المشروع في وجه الزلازل على لبنان والشمال، علما أنّ تلزيم كليتي الهندسة والفنون للشركة التركية لم يرافقه حتى الآن انتقال الرافعات التركية إلى الموقع، كما أنّ تلزيم كلية العلوم التي شكلت منطلقا للمشروع (العلوم أولا) اكتفى بمرحلته الأولى والتي استمرت بين أخذ ورد سنوات، وانتهت بإقامة حفرة عميقة في المون ميشال. لذا فعلى لجنة المتابعة للبناء الجامعي في المون ميشال أن تستنهض القوى السياسية والمدنية الشمالية ونواب المحافظة قبل ان تأخذنا الصراعات الخلفية وبيروقراطية مجلس الانماء والاعمار وقرارات التشعيب السياسي الضاغطة على إدارة الجامعة وترمينا جميعا في حفرة كلية العلوم.
5) إنّ التشعيب الإعتباطي سيعقّد أزمات فروع كلية العلوم في الأطراف، وهي تعاني أصلا من مركزية شديدة، أدت في مناخ الإنقسام السياسي والطائفي إلى معادلة تقوم على التسيّب والإستتباع في آن واحد، فضلا عن تطييف بغيض لكل الفروع حتى أصبحنا بحاجة لميكروسكوب لنكتشف طالبا أو أستاذا من مذهب معين في بعض الكليات، ويكاد يقتصر أمر التنوع على الموظفين فقط، وربما ينعدم تقريباْ في فروع معينة (في الجامعة تسري قواعد الديموقراطية المذهبية).
7) وأخيرا وليس آخرا، ومع تأكيدنا أن قضية الإصلاح الإداري في الجامعة بحاجة لمناخ سياسي مؤات، وهي قضية عامة أصلا، إلاّ أنّ المسألة الأكاديمية تكاد تختنق في شرنقة القطاع العام المأزوم، وهي تدفع من استقلاليتها أثمانا كبيرة، فضلا عن مآسي التلزيم والتعاقد والتفريغ (أو التفرغ)، مما يضع الأساتذة عموما ومجلس الجامعة و رابطة الأساتذة بشكل خاص أمام مسؤوليات استثنائية، خصوصا ممن يندفعون لمواقع متقدمة، سواء في المجالس الأكاديمية أو في المجالس النقابية لأننا ما زلنا نراهن على المهنية الأكاديمية كمحرك ديناميكي لدى البعض في وقف التدهور المذهل، علما أنّ الجامعة اللبنانية تشكل خزانا معرفيا كبيرا لا يجوز أن يأكله الصدأ نتيجة اقتحام إيديولوجيا الإنشطار لهذا الخزان (كنّا نقول تسلّل وتسرّب أو زحف) وللدلالة على الإشكالية الكبيرة نسوق الواقع التالي:
نزوح في إتجاه الجامعات الخاصة العريقة وهجرة نحو جامعات الخارج يقابلهما نزوح معاكس في اتجاه الجامعة اللبنانية من بعض الجامعات الخاصة عشية كل تفرغ، رغم أنها تقدم رواتب توازي ضعفي الرواتب في الجامعة اللبنانية، مما يضعنا أمام شعار جديد يبزّ شعار جامعة الفقراء (العزيزأيضا على قلب الطبقة السياسية اللبنانية ويبدو أنه ورث شعار ديموقراطية التعليم) ولكنه هذه المرة شعار ضمني ويعتبر الجامعة اللبنانية "ملاذا آمنا"، هكذا يضاف بعد جديد لعملية التواطؤ الضمني المستمرة فصولا بين الإدارات والأساتذة والطلاب. ومع ذلك فإنه يبقى أقلّ خطرا من نوع آخر من التواطؤ في بعض الجامعات الخاصة والتي تتوازن فيها الأقساط مع الشهادات، علما أنّ بعض الجامعات العريقة استطاعت خفض منسوب اللبننة الأكاديمية إلى الحد الأدنى مما أبقى بعض النخب الطبقية محمية نسبيا.
يبقى أن نشير أن الحكومة تضم بين جنباتها عدداْ وفيرا من أساتذة الجامعة اللبنانية ومن جامعات أخرى، ومن كل الضفاف، بما فيها ضفة رئيس الجمهورية، وبينهم ناشطون بارزون، فهل ستنتفض الأيادي الأكاديمية في الحكومة وتلتقط أترابها في الجامعة مستفيدين من طموح رئيس حكومة شاب لطالما دعم والده الشهيد قضية التعليم عموما، ومن ثم العمل لوقف التسييس والشروع في الإصلاح الأكاديمي والإداري الجدي ودعم المدن الجامعيّة الجامعة والحاضنة، خصوصا أنّ أمام الحكومة استحقاق تعيين العمداء (وقد تأجل طويلا حتى جفت بعض شرايينهم الإدارية والأكاديمية)؟ أم أنّ أول الغيث هو السكوت (إن لم نقل تشجيع) التفتيت والتشعيب المذهبي، حينها سنستعيد مقال الشهيد سمير قصير في مناسبة تعيين رئيس الجامعة السابق، "رصاصة الرحمة على الجامعة" ولعلها ستكون هذه المرة بلا رحمة إذا لم نتصدّ لها جميعا ونضخ مزيدا من الدماء النقية في عروق الصرح الأكاديمي اللبناني الأكبر؟
ولن يبقى آنذاك أية صدقية للحديث عن تشكيل الهيئة العليا لإلغاء الطائفية السياسية، ليس في صفوف الفئة التي لطالما هوّلت بها من أجل مثالثة مضمرة فحسب، بل في بعض صفوف الأكثرية أيضا، إذ أنّ أهل الضفتين يسكتون في الحد الأدنى عن الخطوات التفتيتية التي تلتف على قضية الإنماء المتوازن بخطوات غير متوازنة و وغير موزونة، لأنه من الأجدى أن يدعموا قضية المدن الجامعية المستقلة والمنفتحة والتي تستطيع استعادة التنوع الذي لا غنى عنه من أجل التفكير والبحث العلمي الحر.
ولا حرج في انطلاق الحديث المباشر بعد الآن عن استقلالية الفروع القادرة لأنّ تسيير هذه الآلة الكبيرة، المسمّاة جامعة لبنانية بات يشبه تسيير المعامل الضخمة التي بنيت في بعض البلدان الإشتراكية وأشباهها والتي أصبحت أوتكاد تصبح مع تطور العولمة عبئا على الدولة الحديثة.


( أستاذ في الجامعة اللبنانية)

← العودة إلى مختارات