عندما تعود الساعة «البرتقالية» إلى الوراء - كلير شكر (السفير)
توقفت الساعة «البرتقالية». عادت إلى الوراء. إلى هناك، لعام 2005. إلى اللحظات الأولى لتكوين الجنين الحزبي، لتعود من جديد لمواكبة نموّه، عبر جرعات مقوّية لعضلاته «الطريّة»، وحقن «تنظيم» لمسار دقات قلبه.
هو مسار طويل، كان يفترض أن ينطلق من تلك «الحقبة التأسيسية»، لكنه تأجل، وتأجل، وتأجل... السيناريوهات البديلة عن حزب «التيار الوطني الحر» كانت الحلّ المؤقت، وسياسة «الترقيع» كانت ضرورية لسدّ الفراغات، إلى أن انكشف الغطاء عن الوعاء، وتسرّبت مكوناته ذات «النكهة» الاعتراضية إلى الخارج.
استنفد الحزب فترة الحمل التنظيمية لاكتمال نموه، ولذلك كانت الحركة الاعتراضية توسّع دائرة حضورها لتضم كوادر وقياديين وناشطين أصابهم «فيروس» اللاتنظيم وضرب «مناعتهم»، ولكن من دون أن ينجح بالقضاء عليها.
المبررات التي سمحت بسيادة منطق الارتجال، تزاحمت وتراكمت. منها ما هو خارجي وأساسي فرضته الأحداث والظروف السياسية المتلاحقة ومنها ما هو ذاتي بفعل «عنكبوتية» الآراء المتناقضة داخل البيت البرتقالي. عوامل ساهمت في إبقاء «الأمر» بيد «الجنرال»، ومن انتقاه في محيطه الضيّق، ما دام أنّ أدبيات التنظيم القادرة على ضبط اللعبة الداخلية، غائبة.
لم تشكّك الحركة الاعتراضية التي ولدت في «المنزل البرتقالي» يوماً بالخيارات السياسية الكبرى لـ«التيار الوطني الحر» وزعيمه ميشال عون. اكتفت بالتصويب على الأداء التنفيذي للقيادة وعلى كيفية ترجمة خطابها إعلامياً وأمام الرأي العام.
وبينما كانت خيارات «التيار» السياسية تزداد رسوخا بفعل ما أظهرته التطورات الداخلية والخارجية، فإن «التثمير» التنظيمي الداخلي وعلى مستوى الشارع أظهر العكس وبدا أن ثمة حلقة مفقودة بين السياسة والتنظيم. ذلك وغيره استوجب لحظة تأمل، ومن ثم قراءة متجددة، من منظار أكثر شمولية، وفق عدسة الـ zoom in. التقى «الأضداد» على طاولة مستديرة، أرادها العماد ميشال عون «ثلاثية الأبعاد»، ضمّت ثلاث فئات من الشخصيات: قيادات اختبرت العمل النضالي تدرك متطلبات القاعدة وشروط نجاحها، شخصيات واكبت عمل «التيار» من «المقعد العوني»، وشخصيات ذات طابع أكاديمي من خارج الدائرة «البرتقالية».
متغيرات كثيرة فرضت نفسها على طاولة الرابية، عبّدت الطريق إلى «حلّ جماعي» يطلق ورشة تنظيمية موسّعة، تأسيسية الطابع. منها ما هو خارجي متّصل بالظروف السياسية التي أفسحت مكاناً في سلم الأولويات لغيرها من القضايا، ومنها ما هو ذاتي متعلّق بنضوج الحالة العونية «المكوْدَرة» ولو بالحدود الدنيا.
من هنا، يعود عضو الهيئة التأسيسية القيادي نعيم عون، الذي انكفأ عن العمل الحزبي العلني منذ عام 2005 لأسباب اعتراضية، اليوم من باب الورشة الشاملة مساهماً، مع آخرين من «الرفاق» في وضع «ألف بائها»، «لأن أي إنسان في موقع القرار، عندما يتخذ موقفاً، انما يكون ذلك بناء على معطيات معيّنة. بعض المعترضين كانوا يشاركون في التركيبة التي كانت قائمة. ثمة حالة نضوج فرضت نفسها، سمحت بتذويب التناقضات في وعاء واحد وبتشكيل حالة لا يمكن للجنرال أن يرفضها. ولكن عندما كان يواجَه بمجموعة تناقضات واختلافات في الآراء فكان مضطراً لاتخاذ موقف من ضمن معطيات معينة. كما لا يجب إغفال الوضع السياسي والأولويات التي كانت تفرض نفسها خلال المرحلة الماضية».
تقارير وبرامج... والمطلوب واحد
يدرك «التيار» جوهر أزماته الداخلية، يحفظها عن ظهر قلب، سبق له أن صاغ الكثير من التقارير والبرامج التي تضع الإصبع على الجرح، ولكن «استخفاف القيادة بالحلّ وعدم الإدراك العميق لهذه المشاكل، فضلاً عن طغيان الأولويات السياسية والأمنية، هو الذي أخّر انطلاق القطار».
في عام 2005 بدأ النقاش، واستمر، بوتيرة أخف على المستوى القيادي، وبضجيج أكثر على المستوى القاعدي. ويؤكد نعيم عون، في أول إطلالة إعلامية له، أنه «في عام 2010 سنعيد تجربة النقاش بحثاً عن الأفضل. هو مسار دائم لا علاقة له بالأحداث الأخرى أو بأداء الغير. كلّ مرحلة تفرض أداءً معيّناً، يحقق أهدافه مع الوقت، أو يصيبه العقم، ويفترض عندئذ تجديده».
متعددة هي الأسباب التي سارت بالرسم البياني «البرتقالي» نحو الانحدار، وظهّرتها الاستحقاقات المتتالية، نيابياً، نقابياً وطالبياً، باعتراف أصحاب العلاقة. تبدأ من «الأزمة السياسية التي استفحلت بعد حرب تموز، حملة التضليل التي تعرّض لها التيار إعلامياً»، ولا تنتهي بـ«الأزمة الحزبية التي كنا نعالجها والتي لم تكن قد تبلورت بعد».
اليوم، عادت الرابية لتستقبل كل «الأصوات البرتقالية». كلّ القياديين والناشطين سيشاركون بالورشة التي ستنطلق خلال الأسابيع المقبلة، حيث تقوم الخطة الجديدة على إشراك نحو 300 إلى 500 كادر حزبي، على المستويات كافة، وفي المواقع كافة. أما الأجندة المعارضة فواضحة المعالم، «طلب رسم خطة جديدة للعمل، تحديد مستلزمات نجاح هذا العمل. عملياً، كيفية إدارة المرحلة».
على «مشرحة» اللجنة التنظيمية، كان «التيار» يخضع مرتين في الأسبوع، لنقاشات مطولة، استهلت في منتصف شهر تشرين الأول الماضي، وانتهت بالمبدأ، في لقاء جامع استضافته الرابية لـ«قيادات الاعتراض». وهي شكلت نهاية المرحلة الأولى من خطّة استراتيجية طويلة الأمد تمتد لأربع سنوات، وتتفرع إلى محطات عدةّ، متحرّكة زمنياً، تأخذ بعين الاعتبار الظروف السياسية المحيطة وفي مقدمتها موعد الانتخابات البلدية، على أن تكون المرحلة الثانية مشاركة الجميع قيادات وناشطين، لتكون المرحلة الأخيرة «تنفيذية» على الأرض، لمشروع تنظيمي، قوامه:
ـ صياغة منهجية عمل جديدة،
ـ إقامة ورش العمل التي تؤمن انصهار الكوادر المحازبين على مختلف المستويات،
ـ سلّة تعيينات واسعة للجان المركزية،
ـ تغيير شبه شامل للجان المناطق ومسؤوليها، التي تعاني، إما من شغور، وإما من اعتراضات محلية وإما من شلل...
بيت القصيد هو مأسسة «التيار»، هل لا يزال الجنرال في «قفص الاتهام»؟
نعيم عون، الوجه غير المألوف إعلامياً، يقول «من يعرف الجنرال جيداً، يدرك أنه هو من يشجّع على الحالة الديناميكية المتجددة باستمرار داخل «التيار» وإلا لشهدنا حالات انشقاقات أو فصل أو طرد».
ويضيف «هناك قرار جدّي بتحويل «التيار» إلى مؤسسة، ولكن لا مجال إلا لربط التنفيذ بظروف وعوامل عدّة، منها إنسانية، من طغيان الفردية، وحداثة التجربة الحزبية، ومنها خارجية، متصلة بالمتغيرات».
منشّطات عونية
في سنّه العشرين، زادت تطلعات أبناء «التيار»، وفي غياب الوعاء المؤسساتي الحاضن تسرّبت الاعتراضات المنادية بالتحسين إلى خارج «البيت الأبوي». الحاجة إلى حوافز باتت ضرورية لاستنهاض القواعد «البرتقالية». ثمة ديناميكية جديدة يأمل القيّمون عليها أن تعيد بث الحماسة في قلوب العونيين تقوم على أساس ورش عمل ستنظم على المستويات كافة، وللقطاعات والمناطق كافة، ستبدأ خلال الأيام القليلة المقبلة، وستمتد لنحو شهرين. «إذ يحتاج الفرد كلّ فترة أن يجدّد نشاطه من ضمن تطوّره الشخصي أو تطوّر المجموعة. هناك الكثير من العوامل التي تحفّز الناشطين، وهو مسار متحرّك، المهم أن يكون الرسم البياني في حركة تصاعدية، لا انحدارية».
تغيب المحاسبة عن الصفحة «البرتقالية الجديدة»، لأن «كل خطأ جماعي يغيّب المسؤولية الفردية إلى حدّ ما. الخطأ كان شائعاً، شارك فيه أكثر من شخص. بعض المعترضين كانوا في موقع المسؤولية، وعندما لا يحدد الكادر الحزبي شروط النجاح ويعجز عن المواجهة والرفض، يصبح شريكاً في التركيبة وفي النتائج. ثمة مسؤولية جماعية، وهناك أخطاء ارتكبها أفراد. لكن يجب تأمين الظروف الكاملة لتطبيق مبدأ المحاسبة على الحزبيين».
الثقة بالذات تبدو قوية، ولم تهزّها نسمات الخلافات الداخلية، «التيار» قادر على تحقيق النجاح، وفق أهله، المهم المحافظة على مساره التصاعدي والإيجابي لتحقيق التقدّم... «نحن بشر، نرتكب الأخطاء، نتمتّع بالسيئات والحسنات، مشكلة الجمهور بشكل عام، أنه يقيس النجاح والفشل بالحكم على أهداف متفرّقة، وإنما علينا أن ننظر إلى الصورة الشاملة كي نفهم الحدث. يدنا ممدودة للجميع كي يساعدونا. على الجمهور أن يجري قراءة سياسية، حول نجاح خيارات «التيار» وفشلها، الجمهور ليس غبياً، وإذا كان بعضه في مرحلة معينة مضللاً، فهذا لا يعني أنه بالإمكان الاستمرار بالكذب عليه، وإذا كان لديه ملاحظات لتحسين أدائنا، فنحن نأخذها في الاعتبار. هذه القراءة الهادئة للوضع السياسي للسنوات الأخيرة، إضافة إلى قراءتنا للوضع الداخلي لتحسين أدائنا، ستعيد الأمور إلى نصابها».
لا مهرب من التشكيك بفعالية المسار الجديد، وبقدرته على الصمود أمام موجات الأخذ والردّ التي ستواجهه، ولكن بتقدير أصحاب العلاقة «ما من شيء يقوم به الإنسان يستطيع ضمان نتيجته، الحماسة للعمل والقدرة على العطاء هما اللتان تحددان عناصر النجاح والفشل. علينا جميعاً أن ننجح، وعلى الجميع المشاركة لأن الباب مفتوح أمامهم، وعلى الجنرال أن يفتح الباب في هذه المرحلة، وهو اليوم يطلق المبادرة ولكن هذا لا يعفي مسؤولية كلّ فرد».
إلا أن هذه المعطيات لا تلغي احتمالات الفشل. رغم ذلك، يعتقد نعيم عون أن «التيار» يتمتع بعناصر النجاح، جميعها، وإن كان بالمطلق، كلّ شخص معرّض للفشل. «ناشطو «التيار» مرّوا بظروف أصعب بكثير وتمكنوا من تخطيها، لديهم كلّ الإرادة والمقدرة، وهذا يساعدنا على قطع أكثر من نصف الطريق إلى النجاح».
«التيار» الذي ولد من رحم الحركة الطالبية، يواجه انتكاسات انتخابية في الملعب المحبب على قلبه، تطرح تساؤلات حول مدى قدرته على استعادة «ساحته» من بين «براثن» خصومه. «لا قيمة للنجاح أو للفشل إلا ضمن قراءة شاملة، إن كيفية التعاطي مع الأخطاء هي جوهر المسألة، ولذا يفترض أن نستثمر الأخطاء». الاعتراف بالخطأ واضح، «ارتكبه نقابيو «التيار» وطلابه بدءاً من عام 2005، إذ أنهم أكملوا التعاطي في الجامعات والنقابات بنفس الأداء الذي كان سائداً قبل هذا التاريخ. وهذا الأمر ينطبق علينا وعلى خصومنا»، كما يرى «التياريون».
هو موقع آخر يريده الجنرال في الفكر والعمل، يتماهى مع متطلبات المرحلة الراهنة، «إذ يفترض بالنقابات والطلاب المساهمة في بناء لبنان الجديد على المستويات كافة، إنمائياً، ثقافياً واجتماعياً، عوض أن تكون هذه المواقع صناديق بريد لا سيما أن اللعبة السياسية انتقلت إلى ساحة أخرى».
ولذا قد تشهد هذه المرحلة الانتقالية، قبل أن تظهر مفاعيل الخطة الجديدة، تراجعاً. لكن «التيار» سبّاق، وفق «أهله» و«ما نقوم به اليوم للانتقال إلى موقع جديد وتطلعات جديدة على مستوى الطلاب والنقابات، سيقوم به الآخرون في مرحلة لاحقة».
تركة ثمينة
لا يتطلّع «التيار» إلى يساره أو يمينه، لا يبدي اهتمامه بما يقوم به الحلفاء أو الخصوم من حركة تمددية قد تكون على حسابه. هو يقوم بواجبه. «وإذا كان الآخرون يتحركون في المسار الصحيح، فهذا الأمر يساعدنا، لأنه يحفّزنا على العمل والتقدّم، لا سيما أننا ننظر إلى الحلفاء ضمن الصورة التكاملية معهم. التنظيم عمل نمارسه بشكل دائم».
وعلى بعد أمتار من المخاض العوني، عيون تراقب بصمت مستقبل هذه الحالة، وتحسب حسابات «تركة ثمينة» قد تكون من نصيبها. «الوراثة تطال الأفكار وليس الجمهور»، يقول نعيم عون الذي يشير إلى أن «هذه نظرة سطحية للأمور، لا يمكن لأحد أن يرث الجمهور، هو يتأثر بالأفكار فقط ويتبعها. إذا أعجب الجمهور بأفكارنا فسيبقى إلى جانبنا، وإذا قدم غيّرنا أفكاراً جديدة، قد يكون الجمهور إلى جانبهم. ولكن بموضوعية، يجب أن ينطر الحلفاء إلى علاقتهم مع «التيار» على أساس أنها علاقة تكاملية، وهذا ما نحاول البحث عنه عند الآخرين. أما بالنسبة للخصوم فأتمنى حصول تلاق حول الأهداف، لأن الوضع العام والمسيحي تحديداً، لا يحتمل مزيداً من الشرذمة والانقسام، كما لا يحتمل خيارات خاطئة.
بعد وضع حجر الزاوية، يراقب «التيار» بصمت تحديد موعد الانتخابات البلدية، يعدّ لها العدّة بهدوء، ويرسم الخطط لمواجهتها، ومواجهة الآخرين. لا يمكن له أن يتساهل في هذا الاستحقاق المفصلي، لأنه يشكّل نصف الطريق إلى الانتخابات النيابية المقبلة.