تعيينات أم فائض استباحة ؟ - نبيل بومنصف (النهار)
غالبا ما شكّلت الادارة الرسمية اللبنانية، وعلى تعاقب العهود باستثناء النادر منها، الوجه الأشد قباحة للاستباحة السياسية للدولة بما جعلها مرآة عاكسة تماما لنزعة الزبائنية والهيمنة الاقطاعية والحزبية والشخصية والزعاماتية على القطاعات والمؤسسات، وأقام ما سمي نظام المحاصصة الذي تتلون طرائقه وأنماطه و"تتحدث" وتتكيف مع كل حقبة.
هذا الواقع أدى "تاريخيا" الى ضرب لبنان في العمق بآفة الفساد "من فوق" وجعلها تتفشى في الهرم المؤسساتي من أعلاه الى أسفله، ولا مغالاة في القول ان الفساد المجتمعي التحق بالفساد الرسمي والسياسي وكان نتيجة تلقائية له وليس العكس، باعتبار ان الناس على دين ملوكهم حتى في الانظمة الاكثر رقيا التي تعتمد آليات المحاسبة والمساءلة الاشد صرامة، فكيف "بنظام" و"بدولة" لا وصول فيهما الى الخدمة العامة إلا عبر البطانة الطائفية والزعاماتية والسياسية والشخصية التي تتكئ الى حشو الادارات والمؤسسات بالمحاسيب والازلام والانصار؟
تٌقبِل حكومة الرئيس سعد الحريري على فتح هذا الملف الموغل في أمراضه عبر التحضير لتعيينات غدت كأنها سلة ترضيات اضافية لأباطرة السياسة وزعاماتها، بمن فيهم الرؤساء وقادة الاحزاب والتيارات والقوى الحزبية، وقبل ان تتلفظ الحكومة كسلطة اجرائية مسؤولة في الدرجة الاولى عن هذا الملف، طلع كل الغبار والعفن من حنايا المحسوبيات والمواقع المترصدة بقالب الجبنة، وبدأ شحذ السكاكين الطويلة ورصف صفوف الموعودين بالانضمام الى قوافل المحظيين وإلحاقهم بهذه الجنة المثقِلة على الدولة والعاملة بعمق مضاف على إغراقها في أنماط تشي بكل شيء إلا بنفحة اصلاح حقيقية.
وسواء شاءت هذه الحكومة الاعتراف بالحقيقة القاتمة أم أبت، فانها ستقيم على حقل ألغام من شأنه ان يطيح كل أمل في اصلاح إن هي استسلمت للمفهوم الرائج وانزلقت تحت وطأة أمر قاهر جديد للأخذ بقوانين اللعبة الفاسدة تحت مسميات وذرائع شتى. فأي تعيينات بمفاهيم موروثة ستأخذ الحكومة الى التهلكة من بداية الطريق. وأي استعادة شكلية أو ضمنية لكل التجارب الباهتة والبائدة السابقة ستشكل انتحارا مسبقا طوعيا لهذه الحكومة بالذات.
تضم هذه الحكومة كل القوى السياسية اللبنانية الموصوفة بأنها "وازنة" ومعظمها يتنافس كلاميا ودعائيا في رفع أناشيد الاصلاح ومكافحة الفساد. واذا كان لملف التعيينات من فضيلة آنية فهي في غير المنحى الدعائي الذي يجري تعميمه الآن. هذا الملف يفترض ان يفتح النقاش العام، في الاعلام والصحافة أولا، حول مسألتين شديدتي التأثير في واقع الفساد المستشري. أولهما هل يحتاج لبنان الى "دولة" بهذا الكمّ المتراكم الهائل من صفوف المحاسيب المسمين موظفين في الدولة أم ان المسألة الملحة فعلا هي تضييق حجم الادارات واعادة النظر جذريا فيها بحيث نبدأ تحويلها فعلا الى مؤسسات تضم خبراء وليس إقطاعات اضافية للنفوذات السياسية؟ ثم أين شفافية القوى السياسية ومسلكها الذاتي في الاصلاح المباشر الذي تنادي به حين تعود المحاصصة أسلوب حكم تحت وطأة تفجير معارك موعودة للظفر ببضع عشرات من المواقع الادارية الشاغرة لم يتنبه اللبنانيون يوما الى شغورها بما يساوي غيابها بحضورها في هذه الادارة "الفعالة والنشطة"؟