محاكمة مصر - ساطع نور الدين (السفير)
متى ستخرج مصر من قفص الاتهام الذي يفرض عليها حصاراً محكماً واختباراً دائماً لوطنيتها وعروبتها وعلاقتها بالقضية الفلسطينية التي سعت طوال ثلاثة عقود الى تفاديها، فإذا هي تعود مجدداً الى حضنها ومسؤوليتها الوحيدة، وتكاد تتحول الى معضلة مصرية داخلية، تنافس معضلات محلية أشد إلحاحاً وخطورة مثل انتقال السلطة أو الفقر أو البطالة أو التعصب الديني.
متى ستكتشف مصر أن عودة القضية الفلسطينية إليها وحدها، لم يكن تكليفاً أو تشريفاً، أو حتى تقديراً لموقعها القائد في العالم العربي، بل كان أشبه بتوجيه بل حتى توريط في حمل تلك العبوة الناسفة، التي رجعت بها القيادة الفلسطينية في أعقاب اتفاق أوسلو، من المنافي الى الداخل، بعدما عبرت الحدود المصرية الى ذلك القطاع المتفجر من الارض المحتلة، وصارت القاهرة هي المرجع وهي المرشد وهي الملاذ.
متى ستلاحظ مصر أن اسرائيل هي وحدها، من دون سواها، المسؤولة الرئيسية عن هذا العبء، الذي تدرج من الرغبة في جعل الفلسطينيين يتخلون عن المرجعيات المزايدة عليهم أو المنافسة لهم. ومتى ستدرك مصر أن الاسرائيليين الذين فاخروا بالسلام معها، لم يعاملوها بالاحترام الذي يليق بها وبمكانتها، ولم يأخذوا في الاعتبار أو الحسبان أياً من اقتراحاتها وأفكارها، ولا أياً من مبادراتها ووساطاتها التي فشلت كلها حتى في تنفيذ بنود اتفاق أوسلو نفسه.
من البديهيات القول إن القضية الفلسطينية هي بالتعريف قضية مصرية قبل أو تكون قضية أردنية أو سورية أو لبنانية أو سعودية أو حتى عربية. ومن المسلمات القول إن مشكلة قطاع غزة هي بالتعريف أيضا معضلة مصرية لا أكثر ولا أقل. وهو ما خطط له الاسرائيليون بوعي كامل، ونفذوه بدقة متناهية.. وهم كانوا بالأمس يهللون بلا أدنى شك لأخبار الاشتباك المصري الفلسطيني في رفح، ويعتبرونه علامة جديدة على أن القضية ابتعدت نهائيا عن «حدودهم»، واقتربت من خاتمتها البائسة، التي تفوق بخطورتها ما آلت اليه القضية في أعقاب الاشتباك الفلسطيني الاردني في الستينيات والسبعينيات ثم في أعقاب الاشتباك الفلسطيني اللبناني في المرحلة اللاحقة.
محرج بل معيب الاتهام لمصر بأنها تحاصر قطاع غزة، بحجج مضحكة مثل منع قيام دولة فلسطينية في سيناء أو الحؤول دون انتشار الإرهاب في الأرض المصرية، أو حتى ضبط التيار الإسلامي المصري، الذي لا يبدو في المناسبة أنه جذري في مواقفه الفلسطينية.. وهو ايضا مخالف للمنطق، ولأبسط المصالح السياسية المصرية، التي ربما حان الوقت لكي تعتمد خيارا مختلفا، عن الرهان الخاسر على مصالحة وطنية فلسطينية تقود الى ترميم وضع المفاوض الفلسطيني الذي تعرف مصر قبل سواها أنه ليس له شريك إسرائيلي.
فتح الحدود مع غزة، ولو لفترة محددة، يمكن أن يوقف هذا الصخب التلفزيوني وتلك المحاكمة الصورية، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم: فليتحول القطاع كما تريده حركة حماس الى ستالينغراد أو سايغون، ولتواجه السلطة الفلسطينية وحركة فتح اختبار شعبيتها ودورها، ولتخضع اسرائيل لامتحان خياراتها السياسية الجنونية.. عندها يمكن أن يعود الجميع الى القاهرة صاغرين فعلا!