الاستقالة في بيروت - ساطع نور الدين (السفير)
تقول الطرفة الشائعة في بيروت هذه الأيام إن المبعوث الأميركي للسلام في الشرق الأوسط جورج ميتشل قرر هذه المرة أن يستهل جولته الجديدة في المنطقة من العاصمة اللبنانية بالتحديد، لأنه اقترب من نهاية عمر ودور يدفعانه للعودة الى جذوره العائلية، بحثاً عن ملاذ آمن، وربما عن اعتزال دائم.
لم يفصح أحد بعد عن السر وراء اختيار بيروت بالذات لكي تكون المحطة الأولى في جولة ميتشل الجديدة، بدلاً من تل أبيب أو حتى رام الله اللتين تنتظرانه بفارغ الصبر، الأولى لكي تقرّعه على أقوال نسبت إليه وأوحت بأنه يميل إلى معاقبة إسرائيل، والثانية لكي تتوسله الاستمرار في مهمته مهما كان الثمن. فالرجل الذي جاوز السبعين ليس من النوع الذي يخشى المواجهات والتحديات الدبلوماسية، وهو لا يمكن ان يختبئ في العاصمة اللبنانية، ولا أن يستخدمها كوسيلة للضغط على الإسرائيليين او الفلسطينيين او طبعا السوريين.
المؤكد أن جاذبية بيروت ليست السبب، ولا المنافسة الأميركية على النفوذ في لبنان هي الدافع. ثمة مهمة هي من الجدية والخطورة بحيث لا يمكن التلاعب بها من خلال زيارة عابرة الى العاصمة اللبنانية، يعرف ميتشل قبل سواه أنها ليست راغبة ولا جاهزة لأي شكل من أشكال التفاوض مع إسرائيل، أو حتى الارتباط بالمساعي المستحيلة لاستئناف عملية السلام على مسارها الفلسطيني اولاً، برغم قوله الدائم إن تفويضه من الرئيس باراك أوباما يشمل المسارات الثلاثة.
يمكن الزعم في أن ميتشل قرر بالفعل أن تكون بيروت محطته الأولى لأنه يقوم بجولة وداعية سيختتمها في تل أبيب ورام الله، قبل أن يعود الى واشنطن لكي يسلم كتاب استقالته، الجاهز كما يقال، الى الرئيس أوباما. كما يمكن الاشتباه بأنه اختار العاصمة اللبنانية لأنه فضّل تغيير لائحة أولوياته، من المسار الفلسطيني الذي عطله الرفض الإسرائيلي لوقف الاستيطان وتغطية وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون لذلك الرفض، الى المسار السوري الواعد الذي لا يحتاج الى جهد كبير أو وقت طويل. وما التوقف في بيروت إلا محاولة لتطمين اللبنانيين إلى أنه لن يكون هناك حل على حساب لبنان، حسب اللازمة التي تتردد في واشنطن منذ خمس سنوات، والتي لا يصدقها أي لبناني ولا يقبضها أي أميركي ايضاً.
المهم أنه ليس هناك شيء يدعو الى الفخر من قرار ميتشل، حتى ولو كان يهدف الى إبلاغ مواطنيه اللبنانيين عزمه على الاستقالة من مهمته، او اذا كان يمهد في بيروت لوصوله الى دمشق التواقة الى استقبال موفد اميركي بمستواه وبمهمته، والمستعدة للعودة الى طاولة تفاوض متوازنة تنظمها واشنطن. وليس من المبالغة القول إن قدر لبنان هو ان يدفع ثمن الذهاب الى اي مفاوضات عربية إسرائيلية وثمن الخروج من مثل هذه المفاوضات. والوقائع الفلسطينية المدوية التي شهدتها بيروت خلال الايام القليلة الماضية، خير دليل على ان ميتشل اخطأ العنوان، واستدرج الآخرين لكي يستفيدوا من زيارته اللبنانية بأقصى قدر ممكن.