إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

ماذا بعد فشل مهمة ميتشل باعتراف أميركي ؟ - سمير منصور (النهار)

كان الموفد الاميركي جورج ميتشل يجول في بعض عواصم المنطقة عندما أبلغ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ضيفه الرئيس سعد الحريري الاسبوع الماضي عزم فرنسا على الدعوة الى مؤتمر للسلام في الشرق الاوسط. وبدا الرئيس الفرنسي مدركا سلفا ان ميتشل لا يحمل جديدا في جولته ولا سيما على المسار الفلسطيني – الاسرائيلي، وان مهمته محكومة بالفشل، وهذا ما ثبت لاحقا، وكانت واشنطن سباقة الى اعلان الفشل في المهمة التي كانت تحت عنوان "المساعي الاميركية لمعاودة مفاوضات السلام" العالقة منذ اكثر من سنة. ومن اين لها هذا وقد استبق رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو التحرك الاميركي باعلان "اللاءات" الاسرائيلية المستمرة منذ ايام سلفه ارييل شارون، وفحواها رفض تقاسم القدس مع الفلسطينيين وبقاؤها "عاصمة موحدة للدولة اليهودية مهما كانت شروط معاهدة السلام المحتملة"، ورفض الانسحاب من الاراضي التي احتلتها بعد عام 1967.
وقبل غيره، استبق الرئيس الاميركي باراك اوباما انتهاء جولة موفده، اذ اقر بأنه اخطأ في تقدير فرص السلام في الشرق الاوسط وبالغ في التوقعات بقدرته على اقناع الاسرائيليين والفلسطينيين ببدء عملية تفاوض جديدة. وقال في مقابلة نشرتها مجلة "تايم" في عددها الاخير:
"اعتقد اننا بالغنا في تقدير قدرتنا على اقناعهم (الاسرائيليين والفلسطينيين) بمعاودة مفاوضات السلام" مشيرا الى ان الاسرائيليين والفلسطينيين وجدوا ان "البيئة السياسية وطبيعة التحالفات او الانقسامات داخل مجتمعاتهم بلغت درجة جعلت من الصعب عليهم البدء في حوار مفيد". واضاف: "اعتقد انه من الصحيح تماما اننا لم نتمكن من تحقيق الانفراج الذي كنا نرغب فيه"، لافتا الى انه لو توقعت ادارته الصعوبات السياسية على الجانبين "لما رفعت التوقعات الى هذه الدرجة". واوضح اوباما ان عباس يواجه تحديات مستمرة من حركة "حماس" التي "ترفض السلام مع اسرائيل ولا تتوقف عن انتقاد عباس لرفضه الكفاح المسلح ضد الدولة اليهودية، فيما رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو مكبل بقيود تفرضها عناصر يمينية متشددة في حكومته الائتلافية تعارض تقديم تنازلات من اجل السلام". وفضلا عن المشاكل لدى الطرفين، انحى اوباما باللائمة في تبديد آماله على افراط ميتشل في التفاؤل ازاء الاشارات الصادرة عن اسرائيل حيال وقف الاستيطان. اذ لم يدرك ان ذلك غير كاف بالنسبة الى الفلسطينيين. وزاد تعقيد مهمة ميتشل، اعلان نتنياهو الاربعاء الماضي عن شرط مسبق جديد، وهو احتفاظ اسرائيل بوجود على طول الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية المقبلة في المنطقة المحاذية للاردن، الا ان الفلسطينيين رفضوا تماما هذا الاقتراح. ونقلت صحيفة "هآرتس" قبل يومين، عن وزير بارز مقرب من نتنياهو لم تكشف عن اسمه، قوله ان فرص معاودة محادثات السلام "ضعيفة"، فيما ذكرت صحيفة "يديعوت احرونوت" ان المسؤولين الاسرائيليين يعتقدون ان الادارة الاميركية ستضع المسألة الاسرائيلية في ادنى قائمة اولوياتها، ونقلت عن مسؤول لم تكشف عن اسمه قوله: "ستواصل هذه الادارة محاولاتها لمعاودة المفاوضات ولكنها لن تتعب نفسها كثيرا"!
ولئن اعتقد البعض ان جولة ميتشل لم تكن اكثر من محاولة لقطع الطريق على الاتحاد الاوروبي للقيام بدور بديل من الدور الاميركي في المنطقة بعدما اعترفت الادارة الاميركية نفسها بالفشل، فان فرنسا التي تقود هذا التحرك، بدأت اتصالاتها تحضيرا لمؤتمر سلام خاص بالشرق الاوسط في باريس، وهي تدرك ان في استطاعة الولايات المتحدة ان تعرقل هذا المؤتمر وتحول دون نجاحه اذا لم تكن راضية عن انعقاده، ولكن فرنسا، في كل الحالات، ومعها الاتحاد الاوروبي، لن يخسرا شيئا اذا تدخل الاميركيون للعرقلة، وبالتأكيد سيربحان في حال نجاح المؤتمر.
وثمة احتمال هو حاجة الاميركيين الى دور اوروبي على خلفية اصوات داخل العواصم المعنية، الى "مظلة دولية" يؤدي خلالها الاتحاد الاوروبي دورا كشريك اساسي في صنع السلام في المنطقة الى جانب الوسيط الاميركي "الفاشل"، بعد تبخّر الوعود التي قطعها اوباما في خطابه الشهير في جامعة القاهرة واخفاقه في تنفيذ الحد الادنى من هذه الوعود، وقد عزا الفشل الى طبيعة التحالفات الحزبية القائمة عليها الحكومة الاسرائيلية من جهة و"حال الانقسام داخل المجتمع الفلسطيني" من جهة اخرى.
ومما يعزز احتمال نجاح التحرك الفرنسي والاوروبي، ما نسب الى مصدر ديبلوماسي اميركي في واشنطن إذ كشف عن اجتماع سيعقد برئاسة اوباما بمشاركة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومستشاري شؤون الشرق الاوسط في الادارة الاميركية والموفد الاميركي فور انتهاء جولته الشرق اوسطية على خلفية "اشارات الفشل الواضح" لمهمته. ونسب الى المصدر قوله في الوقت نفسه "ان هناك اصواتا داخل بعض العواصم الحليفة لواشنطن في العالم تدعو الى مظلة دولية لطاولة المفاوضات حيث هناك حاجة الى مؤتمر دولي للسلام ذي هالة كبيرة تقترب من هالة مؤتمر مدريد، يذيب الاشتراطات المطروحة من هذا الجانب او ذاك"، وتلميحه الى وجود "فرصة لعقد هذا المؤتمر في موسكو خلال الاسابيع القليلة المقبلة".
وسط هذه الاجواء تستمر المواقف على حالها، ولا نجاح مرتقبا لاي تحرك اذا لم يحمل جديدا في الضغط على الاسرائيليين للسير جديا في مفاوضات للتسوية او للسلام، بدءا بالقبول بقيام دولة فلسطينية بالمعنى المتعارف عليه للدولة، وبوقف الاستيطان واحتلال المزيد من الاراضي الفلسطينية، والاعتراف بحق العودة للفلسطينيين الى ارضهم.
واخيرا، من البديهي ان موقفا عربيا موحدا من شأنه ان يزيد من "فاعلية" الضغط الاميركي والدولي على الجانب الاسرائيلي الذي طالما راهن تاريخيا، على الخلافات والمحاور، بل ادى دورا "محوريا" في تأجيجها!

← العودة إلى مختارات