إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

جعجعة بلا طحين - علي الامين (البلد)

- لم يظهر في الصورة رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" خالد مشعل

- سورية تسعى لاستعادة دور الميزان الإقليمي، الكابح حينا والوسيط أحيانا

في اللقاء الثلاثي الذي جمع الرئيسين، السوري بشار الاسد، والايراني احمدي نجاد، والامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، في قصر الشعب في دمشق، مشهد يندرج في اطار اعادة تنظيم الصفوف، وشد الحبال، وابراز العضلات في سياق الصراع الاقليمي الذي تشهده منطقة الشرق الاوسط على اكثر من صعيد.

لم يظهر في الصورة الثلاثية رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل او اي مسؤول من الفصائل الفلسطينية القريبة من دمشق وايران، وهو امر يبدو مستغربا لدى البعض، خصوصا ان مسؤولين في "حماس" يعتبرون أنّ حركتهم هي الركن الرابع في هذه المنظومة الاقليمية. علما ان الرئيس الايراني كان قد خصّ مشعل ومسؤولي الفصائل في دمشق بلقاءات خاصّة، أسوة بقيادة "حزب الله". فهل يعكس غياب "حماس" او تغييبها عن عشاء الاسد اشارة الى ان ثمة خصوصية لـ"حماس" تحول دون وجودها في هذا اللقاء الاستثنائي؟ ام ان اللقاء كان يجمع الحلقة الضيقة التي لا تتضمن اسما فلسطينيا بين اعضائها؟

مبادرة الرئيس نجاد هذه وقيامه بزيارة دمشق تأتي في سياق حاجة إيرانية للقيام بحركة اقليمية، تظهر من خلالها قدراتها السياسية والعسكرية، وتظهر مدى نفوذها وتأثيرها على مستوى المنطقة. وتشكل اللهجة العالية ضد اسرائيل وتهديداتها احدى المداخل المشروعة والمتاحة امام ايران للرد، واحدى وسائل استعراض القوة، في ظل خطوات مرتقبة سيقوم بها مجلس الامن ضد ايران بسبب ملفها النووي.

لذا جاء الاهتمام الايراني بتأكيد التحالف مع دمشق وتثبيته بهذه الصورة الاستعراضية، ادراكا من إيران أنّ الرئيس نجاد لم يعد قادرا على زيارة اي دولة في المنطقة او خارجها، ويقوم بما قام به في سورية، سواء على صعيد المواقف التي اطلقها او اللقاءات التي عقدها، لانها فرصة لن تتاح في المدى المنظور في دولة اخرى. وتندرج روسيا والصين ضمن هذه الدول التي لم تعد في وارد مجاراة نجاد على هذا الصعيد.

في المقابل تقوم سورية، المطمئنة الى ان التحالف مع ايران يساهم في تعزيز اوراق القوة التي تمتلكها، بتثبيت موقعها كشريك في اي قرار قد يتسبب لها بمواجهة مع اسرائيل. وهي، إذ تلقت بارتياح إعلان الادارة الاميركية عودة سفيرها الى دمشق، اندفعت في المقابل نحو ايران.

وإذا كان هناك من يرى ان الخطوة الاميركية الأخيرة سوف تخفف من حرارة العلاقة بين دمشق وطهران، فإنّ مقولة تطور العلاقة بين دمشق وواشنطن قد تكون هي السبب في اندفاعة القيادة السورية نحو إيران، ويمكن ادراجها في سعي هذه القيادة الى اعادة تاهيل دورها الاقليمي الذي يتيح لها ان تلعب دور الوسيط حينا، والكابح في اكثر من موقع احيانا، وهو دور نجحت تركيا في امتلاكه، وتطمح سورية لان تكون رديفا لها.

الاستعراض في دمشق وفي قصر الشعب مشروع ومدروس، خصوصا ان اكثر المحللين داخل اسرائيل وخارجها يرون ان الاخيرة ليست في وارد المبادرة الى حرب في المدى المنظور، فيما يؤكد البعض ان ايران، إنطلاقا من رغبتها في مشاغلة القوى الساعية الى محاصرتها، سوف تعمد الى تحريك اذرع نفوذها، وهي لن تجد افضل من "حزب الله" ليقوم بهذا الدور في مواجهة اسرائيل.

في ظل هذا الاستعراض تبدو الحكومة الاسرائيلية مطلقة اليد في تقويض ما تبقى من شروط استمرار التسوية مع الفلسطينيين، عبر بناء المزيد من مئات الوحدات السكنية في المستوطنات، وضم ما تبقى من المسجد الابراهيمي الى الممتلكات الاسرائيلية، والقدس ومسجدها نحو مزيد من الاختناق والتهويد.

فالحكومة الاسرائيلية تستثمر خطاب نجاد وتهديداته لانهاء ما بقي من التسوية، مستفيدة من صمت الدول الكبرى وعجز الدول العربية حيال خطواتها الاستفزازية، كما تستثمر هدوء الجبهات المحيطة بها، رغم الصراخ الذي يتخلل هذا الهدوء دون أن يخلّ به.

والانقسام الفلسطيني هو درّة التاج التي حازتها اسرائيل، بمساعدة من اعدائها اولا ومن حلفائها ثانيا. لذا فإنّ الصراع الذي عنوانه فلسطين أهدافه في مكان اخر، وتبدو القضية الفلسطينية الحلقة الاضعف، بإرادة جامعة ... وكلام نجاد عن ازالة اسرائيل من الوجود يؤكد ما سلف.

هكذا تبدو الصورة الثلاثية الأبعاد شبيهة بالتحليق اليومي للطيران الحربي الإسرائيلي في سماء لبنان، من الجنوب إلى الشمال، التحليق الذي يمكن وصفه بأنّه جعجعة بلا طحين.
 

← العودة إلى مختارات