هوامش اللبننة وحدودها - سليمان تقي الدين (السفير)
لم يدم الاختلاف الظاهر بين أميركا وإسرائيل حول توقيت نتنياهو لإطلاق أوسع عملية استيطان في القدس إلا بضعة أيام. ما قيل إنه صفعة معنوية أطلقت في وجه نائب الرئيس الأميركي جو بايدن لم يمنع الرئيس الأميركي أن يجدّد إعلانه عن الصداقة المطلقة والتكامل الأمني.
في واقع الأمر إسرائيل هي التي تستثمر على الضعف الأميركي وليس العرب. المسألة لا تتعلق بتأثير بقايا المحافظين الجدد في الإدارة، ولا دور اللوبي اليهودي التاريخي، بل لأن إسرائيل تعرف مكانتها ودورها في المشروع الغربي.
ترغب الولايات المتحدة بالتأكيد في إزالة خط الصراع العربي الإسرائيلي الذي يؤثر في تأجيج مشاعر العداء لأميركا كما قال قائد المنطقة الوسطى (بترايوس). لكن ليس لدى أميركا وإسرائيل فعلياً ما يقايضان عليه طالما بقيت نقطة الانطلاق في كل حوار وتفاوض هي «أمن إسرائيل فوق كل اعتبار». وهناك متحرك في نظرية الأمن الإسرائيلي حيث تتجدد متطلباتها وفق التطورات المحيطة بها. في ما مضى كانت هناك نظرية الحدود الآمنة، ثم دخلنا في التحدي الديموغرافي، ثم صار هناك التحدي الإيراني وغداً قد تجد إسرائيل عناصر جديدة تهدد أمنها ولا ننتهي عند حد معيّن. أمن إسرائيل في مفهومها ومفهوم أميركا هو ضمان تفوقها على محيطها. لهذا السبب غزة المسلحة ببعض وسائل الدفاع، وصواريخ المقاومة في لبنان وبعض وسائل الدفاع هنا أو هناك تشكّل تهديداً للأمن الإسرائيلي. إذا كان الأمر كذلك فمن العبث المواءمة بين أية ضمانات تعطى لإسرائيل وبين نظرتها هي وفي خلفية تلك النظرة أن الشعب الفلسطيني لن يسلِّم لإسرائيل بحقها «الأسطوري ـ التاريخي» ولديه ألف شاهد ودليل ديني وثقافي وتراثي ومعماري يؤكّد حقه. هكذا تتحوّل خطة التهويد إلى إزالة آثار هذا الشعب من أسماء المدن والقرى إلى المقدسات والأماكن الأثرية في محوٍ للذاكرة والرهان على عامل الزمن.
لا أحد يجزم كم ستنجح إسرائيل في ذلك وإلى أي مدى وعلى تضافر عناصر الانقسام والشتات الفلسطيني والضعف العربي والدعم الدولي، غير أن العالم تغيّر ويتغيّر و»فائض القوة» الإسرائيلي بلغ مداه الأقصى في الاستنفار والفاعلية، والغرب بلغ ذروة تدخله بالوجود العسكري المباشر، وهو يتجه الآن إلى إعادة تنظيم قواه وسط أزمة مالية وعسكرية وتنامي قوى الاعتراض من الدول الناهضة في وجهه. إنه المأزق التاريخي الحقيقي الذي يجعل إسرائيل تسارع وتسابق الزمن لفرض الوقائع بينما تتجمع في الأفق عناصر نقضها. خارج هذه النظرة البعيدة الأمد يتعثر التفكير في السياسات العربية، في لبنان وغير لبنان، ويهبط إلى مستوى اليوميات التافهة عن طاولة حوار واختراق أمني وحراك دبلوماسي وانتخابات ومصالحات وحتى قمم وتفاهمات. لا يفهم التاريخ إلا في وجهته العامة وصيرورته التي تحرّكها المصالح الكبرى والاستراتيجيات.
في المدى المنظور لا أفق للتسوية ولا حصيلة مثمرة لسعي تركي من هنا وفرنسي من هناك، ولتفاوض مع سوريا أو إيران إلا في حدود بناء هدنات مؤقتة وتلافي حروب غير محسوبة وتبريد جبهات ملتهبة. الجميع يعيد تجميع أوراقه وملفاته ويرمّم قواه وتحالفاته حتى تحين لحظة المواجهة.
هكذا يبدو لبنان مثلاً خارج الزمن حين يتصرف المسؤولون فيه على أنهم قادرون على صناعة التاريخ بمفردهم أو وفق الإيحاءات الخارجية وعبر المعارك الصغيرة على قرار من هنا وإجراء من هناك واجتماع ينعقد لجبهة أو لقاء ينفرط عقده، وجهة تتحوّل عن موقفها. ليس بين الفرقاء اللبنانيين من لديه الرغبة والإرادة لإكساب لبنان الاندماج الوطني وتوحيد الخيار وبناء الدولة. بين مشرِّق ومغرِّب يجري تنازع السلطة وليس من يرضى بحصته ودوره ولعبة الضغط والاحتواء جارية على قدم وساق. هذا لعب على الوقت أو ضياع فيه حتى يقرّر اللبنانيون بإجماع الرأي أنهم يريدون وطناً لهم جميعهم وفق ما تمليه القواعد الكبرى للأوطان ويخرجوا نهائياً من سياسة التغالب والاستقواء وطلب الحماية ما ينقض المبدأ الجمهوري الديموقراطي والسيادة الشعبية لمصلحة الجاليات المستوطنة التي يقرّر مصيرها القناصل والباب العالي.
لا يستحق صفة المسؤولية في لبنان أي مسؤول كان وفي أية رتبة مَن لا يرى أن الحريق في فلسطين يطاوله، وأن الغرب لا تشغله عن مهمته الكبرى في الهيمنة القيمة الحضارية للبنان ولا «الرسالة» التي لم تعد مقروءة أصلاً في ضوء ما يجري من اعتداء على حقوق الشعوب ومقدساتها وتراثها وأمنها وعيشها وتدمير آثارها في خدمة مشروع النهب والسيطرة.
بدأ الحوار الغربي مع سوريا وإيران في مطلع عهد الرئيس أوباما على أساس توازن المصالح. لعبت فرنسا هذا الدور في بلورة صيغة لهذا التوازن. تفترض نظرية توازن المصالح الاعتراف بالحقوق العربية في الجولان وجنوب لبنان (شبعا وكفرشوبا) وفي فلسطين عبر حل الدولتين استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة. خلال هذا المسار الحواري التفاوضي وقعت الحرب الإسرائيلية على غزة وانكفأ أوباما عن الضغط في وقف الاستيطان، وهو الآن يتفهّم بالكامل نظرية الأمن الإسرائيلي. في مكان ما أظهرت إيران وسوريا نيات حسنة وسلوكيات في حصر بعض الأزمات والحرائق العملية السياسية في العراق وإطفاء حرب اليمن والتسوية في لبنان.
إذا كان الغرب سيهرب مجدداً من مواجهة الانفلات الإسرائيلي من أية التزامات ليمارس ضغوطاً جديدة على العرب فإن لبنان سيهتز مجدداً وكذلك غير لبنان، خاصة إذا كان البعض هنا يتطوّع ليواكب هذه الضغوط. هناك صيغة وحيدة للاحتفاظ بالاستقرار السياسي والأمني هي في إخراج استراتيجية الدفاع عن لبنان من التجاذب طالما ليس في مقدور اللبنانيين أن يخرجوا لبنان من الصراع مع إسرائيل ليس تضامناً مع العرب الآخرين بل دفاعاً عن مصالحهم الوطنية. نعم مهمة اللبنانيين هي العمل على تقوية مؤسسات الدولة وحل المشكلات المتعلقة بقضايا وطنية في الاقتصاد والإدارة والقضاء والإصلاح السياسي المؤدي إلى الوحدة. أما قرار الحرب والسلم فهو في مكان آخر.