أزمة العلاقات الأميركية الإسرائيلية جراء تزايد إحساس واشنطن بالخطر على مصالحها - حلمي موسى (السفير)
انتهت الأزمة بين الإدارة الأميركية وحكومة نتنياهو، التي نشأت إثر إهانة نائب الرئيس جو بايدن بنشر خطة استيطانية أثناء زيارته القدس. لم تنته الأزمة رغم أنه جرى الإعلان مرارا عن انتهائها، وبينها إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قبل خطاب بايدن «الصهيوني» في جامعة تل أبيب أن الأزمة «باتت وراءنا». لم تنته الأزمة لأنه لم تكن هناك أصلا أزمة، بل مجرد «خلاف»، وفق ما أعلن قادة الإدارة الأميركية، وآخرهم الرئيس نفسه، باراك أوباما.
وكان السفير الإسرائيلي في واشنطن مايكل أورن قد قال، ثم نفى ذلك، ان هذه هي الأزمة الأخطر في العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية منذ 35 عاما. صحيح أن وزيرة الخارجية الأميركية قالت انها ليست أزمة بل «خلاف». وصحيح أن كثيرين رددوا ذلك وراءها، لكن هذا لا يغير من واقع الأمر شيئا. فالعلاقات الأميركية الإسرائيلية تمر بأزمة، ليس بالمعنى الذي تنشأ فيه الأزمات بين أميركا وخصومها وأصدقائها الآخرين. فلإسرائيل خصوصية تجعل حتى من الأزمة، أي أزمة، ان يكون لها مع أميركا أمر خاص أيضا.
وليس هذا موضع تحليل الأزمات بطابعها الخاص الأميركي والإسرائيلي. لكن كثرا من الكتاب الإسرائيليين والأميركيين، يتحدثون عن أزمة بهذا المعنى. والأمر ليس قصرا على الصحافيين وكتاب الرأي والأكاديميين. فنائب الرئيس جو بايدن، نفسه، تحدث إلى المسؤولين الإسرائيليين قبل خطابه الصهيوني في جامعة تل أبيب بلغة «أنكم تعرضون أرواح جنودنا في المنطقة للخطر».
ومن المؤكد أن بايدن، الصديق الأقرب لإسرائيل في إدارة أوباما، لم يقل هذا الكلام بسبب ما شعر به من إهانة في الإعلان عن خطة الاستيطان في رامات شلومو. فالاستيطان في القدس متواصل منذ العام 1967 وبوتائر متزايدة، وهناك نوع من الإقرار الأميركي بتقبل الواقع، وهو ما تبدى في صيغة كلينتون: الأحياء اليهودية لإسرائيل والأحياء العربية لفلسطين. لكن ما أزعج الإدارة الأميركية أكثر من أي شيء آخر هو تراكم الوقائع وبلوغها مرحلة تهديد المصالح الاستراتيجية لأميركا في العالمين العربي والإسلامي.
وهذا ما بدا بوضوح في شهادة قائد القيادة المركزية في الجيش الأميركي ديفيد بتراوس، أمام الكونغرس، التي جاء فيها أن أميركا تفقد ثقة الأنظمة العربية، وليس فقط الشعوب، بسبب إسرائيل. وكان ضباط ممثلون له، قد أبلغوا رئيس الأركان المشتركة الأدميرال ماك مولن أن الدعم الأميركي لإسرائيل بات يعرض أرواح الجنود الأميركيين في العراق وأفغانستان للخطر.
ومعلوم أن إدارة أوباما حاولت منذ اللحظة الأولى لتوليها الحكم في واشنطن الإشارة إلى أنها بصدد تغيير السياسة التي انتهجها الرئيس بوش الابن وقادت إلى الوضع القائم المأزوم في العلاقة مع أغلب شعوب الأرض. ورأت هذه الإدارة أن أحد أهم مداخل التغيير هو السعي لإبرام اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين، ما قد يسهم في تغيير المناخ الإقليمي وتوفير أرضية أفضل لدور أميركي أبرز.
غير أن في تل أبيب حكومة أخرى. وهذه الحكومة ترى أن بوسعها ليس فقط إدارة شؤونها مع محيطها العربي والقريب وإنما إدارة شؤون أميركا والعالم بأسره. وعدا عن حقيقة نتنياهو كابن بار للأيديولوجيا الأشد يمينية في الفكر الصهيوني المعاصر، هناك الفاشية الجديدة ممثلة بأفيغدور ليبرمان وحزبه إسرائيل بيتنا، والانتهازية الحريدية ممثلة بحركة شاس. والقدس، عند كل هؤلاء قضية أخرى.
فهي في أيديولوجيا نتنياهو، «صخرة وجودنا»، كما أنها بالنسبة لليبرمان عنوان تفوق عنجهي على أمم الأرض الأخرى، مسيحية كانت أم إسلامية. وهي في نظر إيلي يشاي ليس فقط عنوان الفعل الصهيوني بأرضية دينية وإنما كذلك مدينة يجري تحويلها إلى مدينة دينية، من ناحية، ويهودية من ناحية أخرى. وكي نفهم جيدا ما يقصده يشاي من المهم العودة لأقوال زعيمه الروحي، الحاخام عوفاديا يوسف في ذروة الأزمة مع الولايات المتحدة حول القدس.
ففي عظته الدينية قبل أسبوع في تفسير السياسة التي ينبغي أن تدأب عليها حكومة اليمين، قال: «في القدس لا يسكن سوى شعب إسرائيل. والسور يكرس قداسة المكان. ولا يسكن في المكان سوى اليهود. وكل الأغيار جميعا، سيأتي المسيح ويحرقهم كلهم. هكذا دفعة واحدة ويلعن أباهم».
وأمام هذا الواقع، وفي وقت تحتاج فيه إدارة أوباما إلى من يساعدها على تحقيق إنجازات على الصعيد الخارجي، ثمة من يضع أمامها العراقيل. فتنفيذ الوعد الانتخابي بالانسحاب من العراق مرهون بما يتبعه من استقرار يتقرر وفق استعداد الدول العربية للتعاون مع الخطة الأميركية. كما أن الأزمة الدولية مع إيران بشأن المشروع النووي ترتبط مصيريا بمقدار تعاون الدول العربية في هذا الشأن. والأمر أيضا ينطبق على أفغانستان ولو بشكل أقل.
وهناك في الذهن، ما تردده أوساط كثيرة عن أن سبب كراهية العالم لأميركا ليس «حسدها» على ديموقراطيتها، كما كان يردد بوش الابن، وإنما دعمها لإسرائيل ولأنظمة فاسدة في العالم.
لذلك، رغم الدعوة التي تلقاها نتنياهو لزيارة أميركا ومقابلة أوباما وليس فقط كلينتون، يمكن الحديث عن إدارة أزمة وليس حل الأزمة. فالمسألة ليست مسرحية، حتى لو بدت بعض مشاهدها كذلك. المسألة أعمق. وحتى لو أفلح نتنياهو في تطويع الإدارة الأميركية الحالية بشأن القدس والتسوية والاستيطان عموما، فليس في ذلك ما يضمن استمرار الأزمة. فالأزمة ليست الاستيطان الإسرائيلي في القدس وإنما بداية الإحساس الأميركي بأن ذلك بدأ يعرض مصالحها وأرواح جنودها للخطر. وهذه هي النقطة الجوهرية التي لا يمكن القفز عنها.