إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

من محاكمة أنطون سعاده إلى محاكمة سمير جعجع - وائل خير (النهار)

في ثبت القضاء في لبنان صفحات مشرقة وددنا منها المزيد، لكنه يزخر بما نتمنى لو لم يكن. على رأس السجل الاول نقف على رد المحكمة اللبنانية شكوى دو كايلا على مجلة "المعرض" عام 1926 والزامها الحاكم العسكري الفرنسي بالنفقات. يجد مراجع تاريخ القضاء في لبنان خروجا عن مناط العدالة في احوال ثلاث: محاكمة انطون سعادة المختصرة والتي انتهت باعدامه عام 1949 ومحاكمة القوميين السوريين عام 1963 وحل حزب القوات اللبنانية ومحاكمة سمير جعجع. لكن سواد الصفحتين الاوليين لا يخلو من ضياء افتقدناه في الحالة الثالثة، ذلك ان القاضيين شارل تيان وجورج سيوفي عضوي لجنة العفو، طردا الدراج الذي مر بمنزلهما ليلا لتوقيع الحكم ونقله لرئيس الجمهورية. ويحتسب في الحالة الثانية لقاضي التحقيق عبد الباسط غندور استعفاؤه من مواصلة التحقيق للمخالفات الفادحة فيه.
القضية الثالثة كانت الاشد اسرافا في الظلم ذلك انها كانت محض افتراء دون ان يصاحبها موقف شجاع من الهيئة القضائية لا بل تواطأت تلك الهيئة كل التواطؤ مع الأجهزة بشكل سافر ودون حمرة خجل. هي تكرار لتدبير النازيين حرق الرايخستاغ في 27 شباط 1933 واتهام الشيوعيين به واعتماده ذريعة لحل الحزب الشيوعي.
ما هي المبادىء العامة للعدالة؟ ما هي الحقوق القضائية التي نص عليها الاعلان العالمي لحقوق الانسان؟ ما هي الانتهاكات لهذه الحقوق الاصيلة والثابتة في حل حزب القوات اللبنانية وتوقيف المتهمين والتحقيق معهم، والمحكمة والمحاكمة والحكم وتنفيذ الحكم؟
نظرت جميع الأديان في مسألة العدالة لكنني سأتجاوزها لما فيها من سجال وجدل واستقي تعريفها من الفلسفة اليونانية والتشريع الروماني. ففي الكتاب الاول من "الجمهورية" لأفلاطون محاورة بين سقراط وثراسيماخوس حول العدالة. يرفض سقراط ويفند تعريف ثراسيماخوس للعدالة بأنها "ليست أكثر من مصلحة الاقوى" ويردها الى مثال "العدالة الثابت والذي لا يتبدل بتبدل الظروف والاشخاص". استعانت العبقرية الرومانية بالفلسفة اليونانية واضافت اليها مبدأ "القانون الطبيعي" الذي للعقل البشري ان يفقهه وتسنّه سلطة صالحة اطلق الرومان عليها نعت "ماجستاس" اي سيدة.
تتبوأ الحقوق القضائية مكان الصدارة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان ذلك ان سبع مواد اي ربع الحقوق، تتناول منع التعذيب وعدالة المحاكمة وحقوق المدعى عليه. وقد انتهكت محاكمة اعضاء القوات اللبنانية بصورة فادحة المواد 5 (حول التعذيب) و7 و8 و9 و10 و11 فقرة 1.
في 27 شباط 1994 انفجرت عبوة في كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل اودت بحياة 11 شخصا وجرحت 64 من المصلين. سرت اثر الحادث شائعات تقطع بأن القوات اللبنانية وراء التفجير. في 23 آذار وخارج صدور ادانة قطعية بمسؤولية القوات، لا بل قبل استكمال التحقيق أو التوسع فيه، صدر قرار بحل حزب القوات اللبنانية. واعتبرت السلطة الفعل الجرمي مسقطا لقانون العفو وفتح التحقيق بكل ما يمكن ان ينسب الى القوات اللبنانية من ارتكابات في فترة قيادة الدكتور سمير جعجع لها. والاشد غرابة انه بعد صدور حكم بعدم ثبات مسؤولية القوات عن الانفجار لم تعد السلطة عن قرار الحل وهو مؤسس عليه، ولا اعادت تطبيق قانون العفو الذي ينص على اسقاطه في حال ارتكاب جرائم لاحقة عليه.
تلك هي الفترة التي تم بها توقيف رئيس الهيئة التنفيذية الدكتور سمير جعجع والمئات من اعضاء حزب القوات اللبنانية، وأخضعوا دون استثناء الى ألوان من التعذيب فاق كل ما تختزنه الذاكرة اللبنانية. حسبنا ان نذكر موت فوزي الراسي اثناء التحقيق والتعذيب الجسيم، المثبت بتقرير الطبيب الشرعي بحق انطوانيت شاهين وايضا جرجس الخوري اللذين تبنت قضيتهما منظمة العفو الدولية. امام من تبقى من مئات الموقوفين فقد عانوا التعذيب والاذلال طوال اشهر قبل الافراج عنهم.
ابقى الدكتور جعجع معاناته في صدره ولم يشِ بشيء مما مر به. غير انه مما توافر لدينا ولدى مؤسسات حقوق انسان اخرى عُنيت بتلك القضية، وجدنا في معاملة السلطات له انتهاكاً جلياً لأحكام المادة 5 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان اذ اتسمت معاملته بـ"اللاانسانية، والوحشية والقاسية". ثم كانت المحاكمة.
طغى على محاكمة الدكتور جعجع عدد من الانتهاكات تلكم بعضها:
-1 أحيلت القضية على المجلس العدلي للنظر والحكم فيها. والمجلس العدلي محكمة خاصة وهي لون من الوان التنظيم القضائي تزخر به الانظمة السلطوية ولا محل له في الديموقراطيات حيث القضاء العادي يفصل في شتى النزاعات.
-2 القرار الاتهامي بلغ حضيضا فاق كل حضيض. ابتدأ بتجريم المتهم لرأي دستوري له، ساق بعده شتى انواع التهم.
-3 عمدت النيابة العامة الى الضغط المعنوي على شهود الدفاع وتهديدهم ازاء صمت القضاء الجالس. وفي جميع احوال الشكوى من انتزاع الاعترافات تحت التعذيب لم توقف المحكمة سير الدعوى للبت بصحة الادعاء وهو موقف يخالف اصول المحاكمات، اذ لو صح الادعاء بالتعذيب لوجب على المحكمة صرف النظر عن مفاعيل تلك الجزئية. اما ان استمرت في المحاكمة دون جلاء ذلك الاتهام تكون المحكمة تؤسس لحكم يقوم على جزئية باطلة.
4- المحاكمة – وهي على درجة واحدة – فما من مظهر للتحامل على المتهمين لم تعمد اليه منها ان الدكتور جعجع احتج لرئيس المحكمة ان اوراقه التي اعدها للدفاع عن نفسه قد صودرت منه. فبدلا من الأمر باعادتها اليه قال القاضي: "يا دكتور انت معروف بالذكاء فما حاجتك الى الاوراق؟".
وانتهى النظر في معظم التهم بصدور حكم بالاعدام يخفض الى المؤبد ثم كان السجن الذي استمر 11 عاما وانتهى بالافراج عن الدكتور جعجع في 26 تموز 2005.
تميزت فترة السجن بانتهاكات هذه بعضها:
1- احتجاز الدكتور جعجع في اقبية وزارة الدفاع وهي ليست على اللائحة التي حددت السجون، اضيفت لاحقا اليها وان افتقدت مواصفات السجون حسب الاتفاقيات الدولية.
2- ابقائه ما يزيد على 11 سنة في الانفراد وهي معاملة غير انسانية تخالف بروتوكول اسطنبول والتي لا توقع الا كإجراء تأديبي اثناء المحكومية ولفترة محددة لا تتعدى الاربعين يوما.
3- عدم الاذن له بالانفراد مع احد من زواره دون استثناء سر الاعتراف ما أثار استهجان المرجع الديني وخروجه دون الاستماع الى سر الاعتراف واعطاء الحل.
4- التعذيب النفسي والحط من كرامة القلة التي سمح لها بزيارته.
5- الحق بالخروج من الزنزانة الى الهواء الطلق غالباً ما كان مزاجياً.
حري بكل لبناني ان يخجل من معاملة اشهر سجينين في تاريخنا الحديث وربما الغابر: سمير جعجع وجريس الخوري لطبقيته وعنصريته. فلو انحدر رئيس الهيئة التنفيذية من السلالات السياسية او من الطبقة الموسرة ما عومل بما عومل به بل ربما ما كان احيل على المحاكمة اصلا. كذلك جريس الخوري، فلسطيني مسيحي. فلا الفلسطينيون اكترثوا له لمسيحيته ولا المسيحيون انتصروا له لفلسطينيته.
بعد عرضنا بقدر كبير من الايجاز لهذا الفصل القاتم في تاريخ العدالة في لبنان نتساءل:
- هل هي ذكرى غابرة ام هي ممارسة قائمة؟
- هل من حاجة الى اجراءات تحول دون تكرارها؟
- ما هي هذه الاجراءات؟
ما زال تجاهل القانون وانتهاك احكامه شائعا في لبنان. ففي العام 1997 اوقف ثم اعتدي بالضرب على الصحافي بيار عطاالله الذي فر بحياته الى فرنسا حيث حاز حكما من محكمة فرنسية أولته حق اللجوء السياسي وهي ادانة من قضاء محترم لنضوب حرية التفكير والتعبير في لبنان. اهمية الحكم انه ما كان كيديا بل صدر في ذروة العلاقات الحسنة بين بيروت وباريس.
تعدى التعذيب المحاكمات السياسية اخيراً ليطول النزاعات المالية. فقد اتصل بنا منذ اسبوع من ابلغنا انه اوقف لنزاع مالي قرابة الاسبوعين بطريقة تخرج عن الاصول وعذب اثناء توقيفه لاسقاط حقوقه المالية لكنه وفّق بطبيب شرعي ذي جرأة اعد تقريراً طبياً برضوضه واصفاً اثار التعذيب على جسده.
اما الحاجة الى اجراءات وقائية لحماية حكم القانون ووقف التعذيب فضرورية وحالة خاصة وان لبنان على حافة هاوية وبداية منزلق يعيده الى ما خرج منه بعسر شديد وثمن مرتفع.
كيف يكون العمل؟ بتعبئة المجتمع المدني، خط دفاع لبنان الاخير، فالمجتمع المدني، وهو خاصة من خصائص لبنان، ما زال به نبض وان تراجع اخيرا بعض الشيء.
على جميع من يرجون وطناً خليقاً بالانسان ان يحشدوا انفسهم ويعبئوا طاقاتهم وراء القيم المعاصرة، قيم حقوق الانسان والشرائع الدولية المنبثقة عنها ويخرجوا الى العلن دفاعاً عن حكم القانون وصوناً لمفهوم المواطنية وإلا باتوا رعايا بدلا من مواطنين.
عليهم ايضاً ان يعمموا مفاهيم حقوق الانسان، ما هي حقوق كل شخص بشري وما هي طبيعة هذه الحقوق. هل هي اصيلة وثابتة ام هي مضافة ومتحولة؟ عليهم ان يدركوا انها تتقدم القانون الوضعي وتسمو عليه، بل أكثر. ان حقوق الانسان معيار صحة القوانين والمراسيم والقرارات بحيث ان خالفتها كانت القوانين غير شرعية وغير ملزمة. على الجميع ان يكون في صلب يقينهم ان التعذيب مخالف لحقوق الانسان وان اتفاقيات تفصيلية وضعت بشأنه انضم لبنان اليها في العام 2000.
التعذيب واسع الانتشار في اماكن التوقيف والتحقيق وعلى ضحاياه ان يرفعوا الصوت وان يُداعوا مرتكبيه فان لم ينصَفوا محليا عمدوا الى القضاء الدولي. وقد بدأت طلائع المداعاة بالتعذيب تظهر، وثمة حكم، ولو خفر، صدر بحق مرتكبه.
عندها لا بد لمرتكب التعذيب ان يعيد النظر في ما يقترف عند معرفته بالملاحقة المحلية والدولية – في حال التعذيب الجسيم او المتمادي – مما يوقع الخشية في نفسة ويغل يده.
حضّ نقابة الاطباء ان تتخذ قراراً جريئاً على غرار مثيلاتها في اميركا اللاتينية بمعاقبة كل طبيب يثبت وجوده في اماكن التوقيف ومراكز التحقيق ذلك ان التعذيب الجسيم لا تجرؤ اية سلطة على ارتكابه الا في حضور طبيب يوجه خطواتها.
واخيراً علينا ان نبقى على ايماننا بالحرية. الله الذي يكرم الانسان بخلقه حراً يحترم الحرية ويقف على باب كل انسان يقرعه ولا يقتحمه، وضع في كل منا مِنعة تهزم كل عتي جبار.


(باحث في القانون)

← العودة إلى مختارات